بعد الضربات الأميركية الجديدة.. صناعة شروط التفاوض بالنار
14 يوليو 2026
إعداد: رائد وحش، محسن القيشاوي
لم تدم التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران طويلًا. ففي 13 تموز/يوليو، نفذ الجيش الأميركي ليلة ثالثة متتالية من الضربات على إيران، ثم تواصلت الهجمات في الساعات الأولى من هذا اليوم، بالتزامن مع هجمات إيرانية على سفن ومنشآت أميركية في المنطقة.
وبذلك عادت المواجهة العسكرية إلى الواجهة بعد أقل من شهر على توقيع مذكرة إسلام آباد التي كان يفترض أن توقف الحرب وتفتح مهلة مدتها 60 يومًا للتفاوض على اتفاق نهائي.
لم يعد السؤال ما إذا كانت الهدنة صمدت، فهي تعرضت بالفعل لانهيار عملي، وإنما ما إذا كان الطرفان قد تخليا نهائيًا عن المسار السياسي، أم أنهما يستخدمان التصعيد العسكري لإعادة تحديد شروط العودة إليه.
مذكرة لم تُلغَ رسميًا ولكنها دخلت مرحلة الانهيار
وقعت الولايات المتحدة وإيران في 17 حزيران/يونيو "مذكرة إسلام آباد" المكونة من 14 بندًا. ونصت على إنهاء الأعمال القتالية، والسماح بعودة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز، والدخول في مفاوضات تستمر 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي.
لكن المذكرة تركت القضايا الأكثر صعوبة للمرحلة الثانية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، كما استخدمت عبارات ملتبسة في ما يتعلق بوضع مضيق هرمز. وقد سمح هذا الغموض لكل طرف بأن يقدم تفسيرًا مختلفًا تمامًا للاتفاق.
فالبند الخامس نص على أن تبذل إيران "أفضل جهودها" لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يومًا. وفسرت طهران ذلك باعتباره اعترافًا أميركيًا بحقها في إدارة المضيق، بينما رأت واشنطن ودول الخليج أن النص لا يمنح إيران سلطة على الممر، بل يلزمها فقط بعدم تعطيل الملاحة.
الصحيح أن الضربات لم تأت بعد انهيار رسمي للمذكرة لأن الطرفين لم يصدرا وثيقة مشتركة تلغيها، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد أعلن في الأسبوع السابق أن اتفاق وقف إطلاق النار "انتهى"، في حين اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية واشنطن، في 13 تموز/يوليو، بدفع المذكرة نحو الأزمة عبر انتهاك التزاماتها. أما باكستان، وسيط الاتفاق، فدعت الطرفين إلى احترام تعهداتهما. وهذا يعني أن المذكرة ما زالت موجودة قانونيًا، لكنها فقدت عمليًا قدرتها على ضبط سلوك الطرفين.
أرجأت المذكرة أبرز الملفات الخلافية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، إلى مرحلة لاحقة، مع اعتماد صياغات فضفاضة بشأن وضع مضيق هرمز، ما أتاح لكل طرف تفسير الاتفاق بما يخدم مصالحه
كيف بدأت جولة التصعيد الجديدة؟
لم تكن الضربات الأميركية عملية منفردة، بل جزءًا من جولة متصاعدة بدأت بسبب النزاع على حركة السفن داخل المضيق. فقد أطلقت إيران النار على سفن قالت إنها استخدمت مسارًا غير معتمد، ثم أعلنت إغلاق المضيق مجددًا بعد مرور سفينة في طريق رفضت طهران الاعتراف بشرعيته.
في المقابل، قالت القيادة المركزية الأميركية إن إيران لا تسيطر على المضيق وإن حركة السفن مستمرة، ونفذت القوات الأميركية عدة جولات من الضربات استهدفت الدفاعات الجوية الإيرانية، والرادارات الساحلية، والزوارق، ومنظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي 13 تموز/يوليو، أعلنت القيادة المركزية أن القوات الأميركية استخدمت طائرات مسيّرة هجومية لضرب غواصة ومنشأة لصيانة السفن داخل إيران، وقالت إن الهدف من العملية هو تقليص قدرة طهران على مهاجمة الملاحة التجارية.
وفي الليلة نفسها، أعلن الجيش الأميركي بدء جولة جديدة من الضربات استهدفت مواقع متعددة داخل إيران. وأفادت وسائل الإعلام الإيرانية بسماع انفجارات في بندر عباس وجزر كيش وقشم وأبو موسى ومحافظة بوشهر، بينما قالت وكالة "إرنا" إن أربعة أشخاص أصيبوا في خوزستان.
هذه الوقائع تؤكد أن الهدف الأميركي المباشر لم يكن البرنامج النووي، وإنما القدرات الإيرانية المستخدمة في مراقبة المضيق وتعطيل حركة السفن فيه.
صراع السيادة على هرمز
أعلن ترامب، أمس، إعادة فرض الحصار البحري على إيران، وقال إن الولايات المتحدة ستبقي المضيق مفتوحًا "مع إيران أو من دونها". وذهب أبعد من ذلك حين قال إن بلاده قد تتولى إدارة المضيق وتصبح «حارسه»، مقترحًا تحصيل ما يعادل 20% من قيمة الشحنات العابرة لتغطية تكاليف الحماية الأميركية. رويترز: إعلان إعادة الحصار
ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن إيران هي "حارس المضيق وستبقى كذلك إلى الأبد"، فيما قالت القيادة العسكرية الإيرانية إن الولايات المتحدة لا تملك دورًا في تقرير مستقبل الممر البحري.
وبهذا تجاوز النزاع مسألة فتح المضيق أو إغلاقه. لقد أصبح صراعًا على السيادة السياسية والأمنية عليه: إيران تريد تحويل قدرتها العسكرية والجغرافية إلى حق في إدارة المرور؛ أما الولايات المتحدة فتريد تحويل وجودها البحري إلى نظام أمني تفرض من خلاله قواعد العبور.
وأعلنت خلية المعلومات البحرية المشتركة، التي تقودها البحرية الأميركية، أن الحصار سيبدأ عند الساعة الثامنة مساء بتوقيت غرينتش في 14 تموز/يوليو، ويشمل السفن المتجهة إلى الساحل والموانئ والمنشآت النفطية الإيرانية، مع عدم تعطيل السفن المحايدة المتجهة إلى وجهات غير إيرانية. كما أعلنت السماح بالشحنات الإنسانية بعد إخضاعها للتفتيش.
في المقابل، رفضت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة اقتراح الرسوم الأميركية، مؤكدة عدم وجود أساس قانوني لفرض رسوم إلزامية على المرور في المضائق الدولية. رويترز: الضربات والحصار والصراع على هرمز
الرد الإيراني: توسيع كلفة التدخل الأميركي
وسعت إيران نطاق ردها إلى القواعد الأميركية والدول المجاورة. وقال الحرس الثوري إنه استهدف منشآت أميركية في المنطقة، فيما أعلنت البحرين اعتراض هجمات جوية إيرانية.
كما أعلنت الإمارات أن صاروخين إيرانيين أصابا ناقلتي النفط مومباسا والباهية في المسار الجنوبي للمضيق داخل المياه الإقليمية العُمانية، ما أدى إلى مقتل بحار هندي وإصابة ثمانية آخرين. وقال الحرس الثوري، من جهته، إنه استهدف ناقلتين "مخالفتين" تجاهلتا التحذيرات وأوقفتا أنظمة الملاحة، من دون أن يحدد اسميهما.
واليوم، قالت طهران إنها استهدفت سفينة أميركية "معادية" بصواريخ كروز، وضربت تجهيزات ومنشآت أميركية في الكويت بطائرات مسيّرة، وأسقطت طائرة أميركية من طراز MQ-1 فوق هرمز.
كما أعلنت إيران استهداف قاعدة أميركية في الأردن، في تطور يوضح أن ساحات الرد لم تعد محصورة بإيران والمضيق.
هل بات هرمز أهم من الملف النووي؟
لا يعني تقدم ملف هرمز أن البرنامج النووي فقد أهميته الاستراتيجية. لكن ترتيب الأولويات تغيّر في الجولة الحالية. فالبرنامج النووي بقي مؤجلًا إلى المرحلة الثانية من المفاوضات، بينما أصبح هرمز مصدر الخطر العسكري والاقتصادي المباشر.
قبل اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي، كان نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية يمر يوميًا عبر المضيق، بما يزيد على 15 مليون برميل من الوقود، تبلغ قيمتها نحو 1.2 مليار دولار يوميًا.
وأظهرت بيانات الملاحة المنشورة في 13 تموز أن عدد ناقلات النفط والغاز العابرة للمضيق هبط إلى أدنى مستوى منذ 25 أيار. ولم تعبره يوم 12 تموز سوى ست سفن مرصودة، بينما لم تظهر أي ناقلة للغاز الطبيعي المسال وهي تدخل المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما خفّضت شركات كثيرة إشارات التتبع الآلي لسفنها، ما يجعل تقدير الحركة الفعلية أكثر صعوبة.
وانعكس التصعيد فورًا على أسواق الطاقة. فقد قفز خام برنت 9.6% في جلسة 13 تموز، في أكبر زيادة يومية له منذ أيار/مايو 2026، ثم ارتفع قرابة 3% في التداولات المبكرة يوم 14 تموز، ليصل إلى نحو 85.20 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له خلال أربعة أسابيع.
هل يُعد هذا تفاوضًا تحت النار؟
يمكن استخدام هذا الوصف، ولكن بشرط ضبط معناه. فلا توجد، حتى 14 تموز، جولة تفاوضية معلنة أو موعد متفق عليه لمفاوضات جديدة. لذلك لا يتفاوض الطرفان بصورة مباشرة بينما يتبادلان النار، بالمعنى الحرفي.
الأدق أنهما يخوضان مرحلة إعادة تشكيل شروط التفاوض بالقوة. فما زال الإطار السياسي قائمًا من خلال مذكرة إسلام آباد والوساطة الباكستانية، لكن القنوات الدبلوماسية عاجزة حاليًا عن ضبط التصعيد. وكل طرف يحاول خلق وقائع عسكرية واقتصادية تتيح له العودة لاحقًا إلى الطاولة من موقع أفضل:
تريد واشنطن انتزاع ملف هرمز من المساومة الإيرانية وفرض حرية الملاحة بالقوة.
تريد طهران إثبات أن أمن المضيق لا يمكن تنظيمه من دون موافقتها، وأن استهدافها سيحمّل الولايات المتحدة وحلفاءها كلفة إقليمية واقتصادية.
تحاول باكستان إنقاذ المذكرة، لكن الطرفين لم يحددا موعدًا للعودة إلى المفاوضات.
تكشف جولة التصعيد الجديدة أن الخلاف لم يعد يدور حول مدى التزام إيران بمذكرة إسلام آباد، بل حول سؤال أكبر هو: من يملك حق تنظيم الملاحة وفرض قواعد الأمن في مضيق هرمز؟
ماذا بعد؟
بعد التطورات الأخيرة، يمكن اختزال المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات:
صراع مُدار حول هرمز: استمرار الضربات المتبادلة مع إبقاء التصعيد دون مستوى الحرب المفتوحة، ثم العودة إلى وساطة باكستانية لإعادة تفسير بنود المذكرة.
فرض نظام بحري أميركي: محاولة واشنطن تطبيق الحصار وتأمين مسار بديل للسفن، مقابل استمرار إيران في استهداف السفن التي تعتبرها مخالفة. وهذا السيناريو يرفع احتمال الاحتكاك المباشر وسوء الحسابات.
اتساع الحرب الإقليمية: امتداد الرد الإيراني إلى القواعد الأميركية ودول الخليج والأردن، وتوسّع تحرك حلفاء طهران، بما يحول نزاع هرمز إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات.
ما يقوله المشهد الحالي
تكشف جولة التصعيد الجديدة أن الخلاف لم يعد يدور حول مدى التزام إيران بمذكرة إسلام آباد، بل حول سؤال أكبر هو: من يملك حق تنظيم الملاحة وفرض قواعد الأمن في مضيق هرمز؟
تريد إيران تحويل موقعها الجغرافي وقدرتها على تعطيل الشحن إلى نفوذ سياسي معترف به. وهي تقول عمليًا إن السفن لن تعبر بأمان من دون موافقتها، وإن أمن الطاقة العالمي يمر عبر تفاهم معها لا عبر تجاوزها.
في حين تسعى واشنطن إلى انتزاع هذه الورقة من طهران، وتحويل وجودها العسكري إلى سلطة فعلية تدير العبور، وتحاصر الموانئ الإيرانية، وتقرر أي السفن تمر وأيها تخضع للتفتيش.
بهذا المعنى، لم يعد الطرفان يتصارعان على تفسير مذكرة إسلام آباد، بل على بناء النظام الذي سيحل محلها. فإذا نجحت الولايات المتحدة في إبقاء الملاحة مفتوحة تحت حمايتها، ستفقد إيران أهم أوراقها التفاوضية. وإذا استطاعت طهران تعطيل الحركة ورفع أسعار النفط وتوسيع الخطر إلى القواعد الأميركية ودول الخليج، فستجبر واشنطن على الاعتراف بأنها شريك لا يمكن استبعاده من إدارة المضيق.
وتظهر الخلاصة الفعلية في أن الضربات ليست غطاءً لمفاوضات جارية، إذ لا توجد حتى الآن جولة تفاوضية معلنة، بل معركة لتحديد من سيدخل المفاوضات المقبلة وهو قادر على فرض شروطه.
لذلك، فإن ما يحدث هو صناعة شروط التفاوض بالنار، صحيح أن الدبلوماسية توقفت على نحو مؤقت، إلا أن الصراع على طاولتها المقبلة قد بدأ بالفعل.