بعد الدور الأول من التشريعيات الفرنسية.. تخوفات من

بعد الدور الأول من التشريعيات الفرنسية.. تخوفات من "دكتاتورية" ماكرون

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باحة الإيليزيه (Getty)

أكدت نتائج الدورة الاولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية، أن "الماكرونية" السياسية تتجه إلى تأصيل وجودها، بل التمدد فيما يشبه تقويضًا للمرحلة. وهو ما استدعى اليوم، تساؤلات في الأوساط الباريسية، من خطر هيمنة حزب واحد على الحياة السياسية وعمله للسيطرة على مفاصل الحكم.

وفي المحصلة، حققت حركة "إلى الأمام" التي يقودها الرئيس المنتخب حديثًا إيمانويل ماكرون، فوزًا ساحقًا، وخرجت من الدورة الأولى بنتائج غير مسبوقة، إذ أحرز مرشحوها نسبة 30% من الأصوات، وهو ما يخولهم الحصول على أكثر من 400 مقعد في البرلمان المكون من 577 مقعدًا.

مخاوف من هيمنة الحزب الواحد

وظهرت ردود الفعل مباشرة عن مسؤولي القوى السياسية الذين حذّروا من تحول المؤسسة التشريعية إلى أداة خاضعة لنفوذ الرئيس، وهو ما قد يحدّ من الحياة الديموقراطية في الداخل الفرنسي، وينعكس مرحليًا على قرارات الدولة وتوجهاتها في الدبلوماسية والخطط المتخذة لنقاش ملفات حساسة، كالاقتصاد والإرهاب والهجرة وسياسات التضامن الاجتماعي، إذ يتصف الرئيس الحالي بنزعته "الأطلسية"، وترويجه لسياسات صارمة في ما يخص الضرائب وتقزيم الحلول الاشتراكية.

بعد الفوز الذي حققته حركة "إلى الأمام"، حذر سياسيون فرنسيون من تحوّل المؤسسة التشريعية إلى أداة خاضعة لنفوذ الرئيس الجديد

وقال ممثلو الحركة لوسائل إعلام فرنسية، إن هذه النتائج "ستتكرس يوم الأحد المقبل"، وتستكمل التجديد والتغيير اللذيْن ظهرا مع فوز ماكرون بالرئاسة وتشكيله حكومة منوعة، تضم جنبًا إلى جنب، شخصيات من اليمين واليسار والمجتمع المدني.

اقرأ/ي أيضًا: فيديو: من هو إيمانويل ماكرون؟

في المقابل، تظهر مخاوف من احتمال أن يكون هذا التنوع أيضًا، واحدًا من مكونات التفجّر اللاحقة في هذه الحكومة التي استجد فيها هذا الترابط "الانفعالي"، في مرحلة تشهد فيها أوروبا تغيّرات جذرية في المشهد السياسي.

ماذا فعلت الأحزاب التقليدية؟

حل حزب الجمهوريين اليميني في المرتبة الثانية، بعد أن انحدر إلى مستوى 22% وهو ما لا يخوله الحصول على أكثر من 110 مقاعد. وتُظهر هذه النتائج أنه لا يزال للحزب جمهوره رغم ما شهده من انتكاسات في الحملة الانتخابية، بعد فضيحة مرشحه فرنسوا فيون، والفوضى التي احدثتها التسريبات والتقارير حول تورطه في ملفات فساد، وأثارت نفورًا من المقربين والمؤيدين.

لكن المفاجأة، كانت في التراجع حاد لشعبية الحزب الاشتراكي الذي حكم فرنسا خلال السنوات الخمس الماضية، والتي تدنت إلى نسبة 10%، ما جعل موقعه في البرلمان المقبل محصور بنحو 30 مقعدًا. وهذه الهزيمة "الصاخبة" للاشتراكيين الذي يدفعون بذلك ثمن انقساماتهم وأدائهم المبعثر في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند، تترافق مع نكسة شخصية للوجوه البارزة في الحزب، التي هزمت في الدورة الأولى للانتخابات، ومنها مرشح الحزب للرئاسة بونوا هامون وأمينه العام جان كريستوف كمباديليس.

كذلك انهارت مواقع اليمين المتطرف مع تدني نسبة مؤيديه إلى 14%، ما يحول دون إمكانية حصوله على كتلة برلمانية عبر الدورة الثانية، ويفرض نوعًا من العزلة على زعيمته مارين لوبان التي حازت نسبة مرتفعة من الأصوات تضمن لها مقعدًا نيابيًا.

مارين لوبان تدلي بصوتها في الدورة الأولة للانتخابا التشريعية الفرنسية (أ.ف.ب)
مارين لوبان تدلي بصوتها في الدور الأول للانتخابات التشريعية الفرنسية (أ.ف.ب)

أما اليسار الراديكالي فقد انحسرت شعبيته مقارنة بنسبة الأصوات التي أحرزها مرشحه للرئاسة جان لوك ميلانشون، وبلغت 11%، ما يعني تلاشي الديناميكية التي نجح في إطلاقها في الحملة السابقة.

ارتفاع كبير في نسبة مقاطعة الانتخابات

وللمرة الأولى منذ نحو 60 عامًا، تجاوزت نسبة الامتناع عن التصويت في الدور الأول عتبة 50%. ودعت أصواتٌ عدة إلى التفكير جديًا في إعادة جدولة هذه الانتخابات، التي تأتي بعد شهر فقط من الرئاسيات، متسائلة عن شرعية البرلمان الجديد.

ولكن هذه الظاهرة الانتخابية ليست بالجديدة في فرنسا، إذ يمتنع الناخبون عادة عن التصويت في الانتخابات التشريعية بنسبة أكبر من الانتخابات الرئاسية، التي تبقى أهم حدث انتخابي في البلاد. وهذه النسبة لم تتوقف عن الانخفاض منذ 20 عامًا، ففي 2012 بلغ الامتناع عن التصويت نسبة قياسية في الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد غداة انتخاب الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند، إذ بلغت 44,59%.

نسبة الانخفاض هذه من شأنها الحد من عدد النواب المنتخبين منذ الدور الأول، إذ يتوجب على المرشح أن يحصل على أكثر من 50% من الأصوات، وعلى دعم ما لا يقل عن 25٪ من الناخبين المسجلين ليفوز في هذا الدور. ففي حال تأكد فوز حركة "إلى الأمام" في الدور الثاني المقرر في 18 حزيران/يونيو الجاري، فستدعم رئاسة إيمانويل ماكرون بأغلبية برلمانية قوية، ولكن بنسبة تصويت ضعيفة.

للمرة الأولى منذ نحو 60 عامًا، تتجاوز نسبة الامتناع عن التصويت في الدور الأول من الانتخابات التشريعية الفرنسية عتبة 50%

ولمواجهة هذا الوضع السياسي الخاص، عادت فكرة إعادة هيكلة الانتخابات التشريعية إلى الواجهة في فرنسا. ومن بين أكثر الاقتراحات تداولًا إصلاح نظام التمثيل النسبي في هذه الانتخابات، إذ يُدعى الناخبون الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في اقتراع واحد على الصعيد الوطني، ويتم توزيع مقاعد البرلمان على نواب كل حزب انطلاقًا من الأصوات التي حصل عليها.

اقرأ/ي أيضًا: انظروا إلى فرنسا.. هناك من ينافس سوء انتخاب ترامب

وأثيرت هذه الفكرة للنقاش خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة من قبل المرشح الاشتراكي بونوا هامون، وزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلنشون، وأبدى إيمانويل ماكرون حينها موافقته على المبدأ.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فوز ماكرون.. من وجهة نظرٍ عربية

كيف تؤثر "السوشيال ميديا" في الانتخابات الفرنسية؟