بعد الحكم ضد خالد علي.. التنكيل والمكايدة في القمع عند نظام السيسي

بعد الحكم ضد خالد علي.. التنكيل والمكايدة في القمع عند نظام السيسي

الحكم على خالد علي بالسجن 3 أشهر (Alaraby.tv)

التنكيل والمكايدة، عنوان للمرحلة التي تعيشها مصر في ظل النظام السياسي الحالي برئاسة الرئيس الجنرال عبدالفتاح السيسي. والجميع في مرمى النيران إن خالفوا القاعدة، وهي ألا تخالف الخط الوحيد المرسوم، وألا تنتقد شيئًا في الدولة بداية من الرئيس بالطبع، انتهاءً بموظفي الأحياء!

بعد الإطاحة بمرسي، تحوّل التنكيل والمكايدة السياسية لمنطق حاكم للدولة والنظام المصري

وعقب الإطاحة بمحمد مرسي، كان التنكيل مركزًا على جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم، لكن يبدو أن منطق التنكيل والمكايدة السياسية تأسس له آنذاك فقط، قبل أن يبدأ في السيطرة بصورٍ مختلفة، كتلفيق القضايا أو تقديم البلاغات الكيدية أو حتى بأحكام القضاء المبالغ فيها، وبات الأمر طائلًا لكل معارض أو حتى شبه معارض.

اقرأ/ي أيضًا: نهاية قصة تيران وصنافير.. برلمان السيسي يعطي ما لا يملك لمن لا يستحق

آخر ضحايا مسلسل التنكيل والمكايدة المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي الأسبق خالد علي، الذي قضت بحقه محكمة جنح الدقي، أمس الإثنين بحبسه ثلاثة أشهر وكفالة ألف جنيه مصري، بتهمة "القيام بفعل فاضح خادش للحياء العام"! يُقصد الصورة المتداولة له أمام محكمة القضاء الإداري في كانون الثاني/يناير الماضي، عقب حكم المحكمة الإدارية العليا بعدم قانونية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والمعروفة إعلاميًا باتفاقية تيران وصنافير.

خالد علي أمام المحكمة الإدارية العليا
خالد علي أمام المحكمة الإدارية العليا

قضية كيدية

يُعد المحامي الحقوقي والناشط السياسي خالد علي من أبرز وجوه المعارضة المدنية في مصر. وخلال الشهور الماضية تصاعدت شهرة خالد علي على خلفية قضية تيران وصنافير، إذ كان الاسم الأبرز في فريق المحامين الذين خاضوا معركةً قانونية ضد الاتفاقية، كسبوها بالفعل، قبل أن يلتف النظام حول الحكم القضائي بقرار برلماني دُبّر بليل.

معركة خالد علي مع النظام في قضية تيران وصنافير، دفعت البعض إلى طرح اسمه كمرشح محتمل لخوض انتخابات الرئاسة المقررة منتصف العام القادم. وقد سبق لخالد علي أن خاض انتخابات الرئاسة في 2012 دون أن يحالفه الحظ، مُحتلًا مرتبة متأخرة بإجمالي أصوات لم يتخط 300 ألف صوت على الأكثر.

وخلال الشهور الماضية، استطاع خالد علي أن يثبت مع زملائه قدرته على إثارة الرأي العام ضد السيسي بدرجة ما، ومع الانتصار الجزئي الذي حققه المعارضون لاتفاقية تيران وصنافير عبر فريق المحامين بقيادة خالد علي؛ أصبح الأخير مصدر قلق للنظام المصري، كونه من الذين قرروا تحديه قانونيًا، واستطاعوا الانتصار في إحدى جولات التحدي المفصلية.

نظام السيسي المسيطر على مفاصل الدولة، بلا فصل تقريبًا بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، لا يُفضل كثيرًا الذين يتحدونه، وغالبًا ما ينتهي الأمر برد فعل كيدي من قبل النظام ضد المُتحدي، وفي حالتنا هذه هو خالد علي، الذي صدر بحقه الحكم الأخير، بشكل سريع ودون السماح بسماع مرافعة الدفاع، وفقًا لما قاله خالد علي نفسه في تدوينة له على فيسبوك.

والحكم الذي صدر بحق خالد علي، من محكمة أول درجة، ما يعني أنه سيمنع من الترشح للانتخابات الرئاسية، انطلاقًا من المادة الثانية من قانون مباشرة الحقوق السياسية، وفقًا للمحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عادل سليمان.

وأوضح عادل سليمان لـ"ألترا صوت" أنه "في حالة تأييد الحكم مرة أخرى في محكمة الاستئناف، أو مد أجل نظر الحكم في محكمة الاستئناف لوقت إعلان فتح باب الترشح المتوقع في شباط/فبراير القادم، سيكون من الصعب على خالد علي الترشح للانتخابات، لو قرر خوضها"، وهو ما لم يُعلنه إلى الآن.

يتفق عادل سليمان مع كون القضية برمتها هدفها التنكيل بخالد علي، إذ يقول: "القضية من البداية كانت محاولة للتنكيل بخالد علي بسبب الدور الذي لعبه ضمن فريق المحامين في قضية التنازل عن تيران وصنافير، وهو ما حدث مع آخرين من بينهم المحامي مالك عادلي".

ويرى عادل سليمان أن التنكيل هو بمثابة مبدأ في تعامل السيسي ونظامه مع المعارضين، وربما ما يُوضح ذلك أن القضية تعود لبلاغ قدمه المحامي سمير صبري المشهور ببلاغاته المثيرة للجدل ضد أي معارض للنظام. "وضع البلاغ في الدرج"، بتعبير عادل سليمان، ولم يُحرك أو يُحقق فيه لنحو أربعة أشهر، حتى ققرت النيابة العامة فجأة تحريك دعوى قضائية ضد خالد علي، وهو ما يُؤكد تأسس القضية برمتها على مبدأ الكيدية والتنكيل.

التنكيل على تيران وصنافير

التنكيل برافضي التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، كان أحد أبرز محطات القمع المكشوف لنظام السيسي ضد معارضيه. ومنذ بداية حملة المعارضة لاتفاقية تيران وصنافير الموقعة في نيسان/أبريل 2016؛ انطلقت العديد من التظاهرات ضد الاتفاقية، قامت على إثرها السلطات المصرية باعتقال ما يزيد عن ألف متظاهر، وقدمت للمحاكمة المئات منهم، وصدر بحق بعضهم أحكام بالسجن مع غرامات مالية تكشف عن العقلية التي يتعامل بها النظام مع معارضيه، إذ إنّ 47 من المعتقلين حكم عليهم بدفع غرامة 100 ألف جنيه عن كل واحد نظير إطلاق سراحه، في تعجيز لهم، استطاعت الجهود التطوعية المدنية تجاوزه بجمع المبلغ للمعتقلين بالفعل.

التنكيل برافضي التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، كان أحد أبرز محطات القمع المكشوف لنظام السيسي ضد معارضيه

مالك عدلي، عضو هيئة الدفاع عن مصرية تيران وصنافير، كان له أيضًا نصيب من هذا التنكيل، بصدور أمر ضبط وإحضار له، ثم اعتقاله لمدة أربعة أشهر لقي خلالها معاملة سيئة، وفقًا لشهادته، بدايةً من وضعه في زنزانة انفرادية، وصولًا للتضييق عليه في الزيارات ودخول الطعام والكتب.

اقرأ/ي أيضًا: هل يُمكن للمصريين استرداد جزيرتي تيران وصنافير؟

هناك أيضًا الصحفيان عمرو بدر ومحمود السقا، اللذيْن صدر بحقهما أمر ضبط وإحضار على خلفية المشاركة في التظاهرات المعارضة لاتفاقية تيران وصنافير. لكن حالتيهما كانتا بمثابة تطور كبير في القضية برمتها، إذ قررا الاعتصام في نقابة الصحفيين رفضًا لملاحقة قوات الأمن لهما، ولعرف حرمة النقابات من اقتحام قوات الأمن لها. 

لكن قوات الأمن في عهد السيسي لا تعرف الحرمات، لذا اقتحمت نقابة الصحفيين وألقت بالقبض عليهما، وهو ما قُوبل برد فعل غاضب من أعضاء بالنقابة على رأسهم نقيب الصحفيين، حين اتخذوا مجموعة من القرارات ضد وزير الداخلية، مُطالبين السيسي بتقديم اعتذار عما حدث باعتباره رئيسًا للسلطة التنفيذية. 

وهل كان يقبل السيسي بمثل ذلك التحدي؟ لا، لم يقبل كالعادة، ونفذ سياسته التنكيلية، بأن قُدّم كل من يحيى القلاش نقيب الصحفيين السابق، واثنين من أعضاء مجلس النقابة هما جمال عبدالرحيم وخالد البلشي، للمحاكمة بتهمة "إيواء مطلوبيْن للعدالة"، أي عمرو بدر ومحمود السقا، وصدر بحقهم حكم كيدي في آذار/مارس الماضي، بالسجن لعام واحد مع إيقاف التنفيذ لثلاث سنوات.

وصحيح أن تيران وصنافير شغلت الرأي العام، والساحة السياسية المصرية طوال الشهور الماضية، وعلى إثرها عرفت المعارضة تنكيلًا مركزًا على خلفية التنازل عن الجزيرتين المصريتين، إلا أن نظام السيسي اتخذ التنكيل موقفًا مبدئيًا في الحكم منذ تموز/يوليو 2013، ليس فقط ضد الإخوان، بل أيضًا ضد رموز القوى المدنية وبينهم رموز شبابية، على خلفية المشاركة في تظاهرات، بدعوى أنها كانت غير مُصرح بها، وفقًا لقانون التظاهر المعيب.

هشام جنينة نموذجًا

حين كان هشام جنينة رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات، أطلق عدة تصريحات عن الفساد المستشري في بعض أجهزة الدولة المصرية. وقال هشام جنينة إنه اكتشف وقائع فساد تجاوزت قيمتها 600 مليار جنيه مصري (حوالي 35 مليار دولار)، خلال عام 2015. ليعتبر النظام أن تصريحات هشام جنينة تجاوزت الخطوط الحمراء! ثم يبدأ بممارسة هوايته المفضلة بالمكايدة والتنكيل، بتشويه صورة هشام جنينة عبر وسائل الإعلام المؤيدة للنظام، والتي لم تفتأ تهاجم الرجل، الذي بدوره بات يستشعر الغضب فخرج ليصرح بثقته في "عدل الرئيس" ويُؤكد بأنّه "رهن إشارته"، مُشيدًا بموقفه في 30 حزيران/يونيو 2013.

يُعد هشام جنينة نموذجًا جليًّا لمبدأ التنكيل والمكايدة من قبل نظام السيسي ضد أي أحد يخرج عن طريقته

لكن ذلك لم يُثن السيسي الذي يبدو أنه شعر بتحدٍ من هشام جنينة، والسيسي في العادة لا يُحب أن يتحداه أحد، فأصدر قراره بإعفاء هشام جنينة من منصبه، ولم يكتف بذلك بل قدم جنينة للمحاكمة بتهمة نشر أخبار كاذبة وصدر بحقه حكم بالسجن سنة مع وقف التنفيذ لثلاث سنوات، وتغريمه 20 ألف جنيه.

لم يتوقف التنكيل بهشام جنينة عند ذلك، فالكيدية صفة في طريقة حكم نظام السيسي، فصدر بعد عزله بشهرين قرار بفصل ابنته شروق هشام جنينة من وظيفتها في النيابة الإدارية!

 

اقرأ/ي أيضًا:

نظام السيسي المتصدع

تكلفة بقاء نظام السيسي