بعد الاتحاد الإفريقي.. توجّه مغربي حذِر نحو أمريكا اللاتينية

بعد الاتحاد الإفريقي.. توجّه مغربي حذِر نحو أمريكا اللاتينية

العاهل المغربي في العاصمة الكوبية هافانا (Getty)

دفع إعلان المغرب فتح سفارته في العاصمة الكوبية، بعد قطيعة دامت نحو 37 عامًا، العديد من مراقبي قضية الصحراء والنزاع مع جبهة البوليساريو؛ إلى طرح أسئلة عديدة، تبدو مشروعة، بخاصة وأن سبب القطيعة بين المغرب وكوبا،  كان بسبب موقف الأخيرة من البوليساريو، فهي تعد الذراع الثاني للجبهة، من خلال الدعم السياسي الذي تقدمه لها.

وجاء ذلك مباشرةً عقب زيارة وصفت بأنها غير رسمية، للعاهل المغربي الملك محمد السادس، رفقة أسرته، إلى كوبا، زار فيها كلًا من العاصمة هافانا، وجزيرة "كايو سانت ماريا".

وجاء ذلك بعد انتقال العاهل المغربي رفقة أسرته في زيارة غير رسمية، وتحديدا إلى جزيرة "كايو سانت ماريا"، وتعد هذه الزيارة الأولى من نوعها للملك المغربي إلى هذا البلد. 

في المقابل، وبالتزامن مع إعلان المغرب استئناف العلاقات مع كوبا، أعلن عن تصعيد ضد النظام الفنزولي، بسبب هجومه على المغرب التي اتهمها باحتلال الصحراء. فهل غيّر المغرب موقفه السياسي الذي كان سابقًا في قضية الصحراء، بعد أن اتجه إلى دولة تعترف بأعدائه التقليديين، وما السبب في اتجاهه إلى دولة دون غيرها، أو إلى كوبا دون فنزويلا؟

ينتهج المغرب سياسة جديدة، تتجاوز الباب المسدود، لتحريك المياه الراكدة

الصحراء لم تعد العقدة المغربية

لم تعد قضية الصحراء عقدة المغرب، في تطوّر إستراتيجي جديد و"مفاجئ" بتعبير محمد بودن رئيس مركز الأطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية. وقال محمد بودن لـ"ألترا صوت"، إنّ المغرب بات "ينتهج إستراتيجية تتجاوز الباب المسدود الذي كان سابقًا، رغم ما لهذه الإستراتيجية من تكلفة"، مُوضحًا أن "الانكفاء على الذات والهروب إلى الأمام كما كان سابقًا، لم يعد يقدم شيئًا"، لذا آثر المغرب تحريك المياه الراكدة.

اقرأ/ي أيضًا: تنديد مغربي شعبي بتصريحات بان كي مون عن "الصحراء"

وما يفسر استئناف العلاقة الدبلوماسية مع كوبا، بعد 37 سنة من القطيعة، هو أن هدف المغرب في الآونة الأخيرة، يكمن في "انفتاح على بعض الدول القليلة في الأمريكا اللاتينية، التي تهدد مصالحه الخارجية، بخاصة  بعد تفوقه في المعقل الإفريقي، وهو الآن يتجه إلى معقل آخر وهي أمريكا اللاتينية، فيمكن للمغرب تحقيق إنجاز دبلوماسي، ممثل في دفع كوبا، لتطوير موقفها من قضية الصحراء"، وفقًا لرؤية بودن.

أما عبدالفتاح الفاتحي، الخبير في قضايا الساحل والصحراء، ففسر لـ"ألترا صوت" هذا التغيّر المغرب في النظر إلى العلاقة مع كوبا، بأن الأخيرة "لها وزن سياسي وتاريخي هام، بخاصة مع مواقفها الراديكالية حيال ما تعتبرهم يمثلون حركات تحرر من أجل تقرير المصير".

ويرى الفاتحي أنه بعد هذا الاتفاق ستحترم المصالح الإستراتيجية للبلدين، وهو ما سيفتح نقاشًا حول آفاق التعاون في مختلف المجالات، سواء الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية، وما يقتضيه ذلك من تعديلات في المواقف السياسية. فضلًا عن أن التوقيع على قرار، هو في حد ذاته "خدمة جيدة جدًا"، بتعبير الفاتحي، مُوضحًا: "بخاصة وأنها تأتي متزامنة مع تمديد مجلس الأمن الدولي لعمل بعثة المينورسو إلى الصحراء".

ومن المعروف أن كوبا، وحتى عام 2013، كانت تُؤكد أمام اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار، التابعة للأمم المتحدة، مساهمتها في تنمية "الشعب الصحراوي" بخاصة في مجالات التعليم والصحة. وكانت قد أدانت ممثلتها ما وصفته بـ"الاستغلال غير العقلاني والنهب واغتصاب الموارد الطبيعية الصحراوية". وفي سنة 2014، استقبلت زعيم البوليساريو آنذاك محمد عبد العزيز، بوصفه "رئيسًا للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" واجتمع في ذلك الوقت برئيسها راؤول كاسترو.

يسعى المغرب إذن بعودة العلاقات مع كوبا إلى ضمان "حيادها الإيجابي"، أو هكذا يعتقد عبدالفتاح الفاتحي، الذي يرى أن ذلك أمر قد تتكشف عنه الممارسات الكوبية في عدة مواقف بالمنتديات الدولية، ومع ذلك يُرجّح الفاتحي أن كوبا ستحافظ على الوضع القائم، بالحفاظ على الاتصالات في إطار علاقاتها مع البوليساريو، في إطار الاعتراف بجميع الأطراف من دون تمييز. 

ومما قد يكون دافعًا إلى الحفاظ على هذه السياسة، هو التقارب الأيديولوجي مع الجزائر، ونوعية العلاقات الدبلوماسية بينهما، إذ كانت كوبا تشارك في ما ثورات الدول، كما هو الحال في دول إفريقية كأنغولا والموزمبيق، دعمًا لـ"ثورات حركات التحرر".

فنزويلا والمغرب.. من سيئ إلى أسوأ

من جهة أخرى وفي نفس الأسبوع الذي أعلن المغرب فيه استئناف علاقته بكوبا، أعلن في المقابل تصعيده ضد فنزويلا التي هي حليف إستراتجي لكوبا، فقد هاجم السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، النظام الفنزويلي، متحدثًا عن أن المواطنين الفنزويليين "يعبرون الحدود للحصول على المواد الغذائية بسبب الجوع، ويعانون الفقر وغياب الدواء"، كما أن الأطفال في هذا البلد "يبحثون عن طعامهم في الأزبال"، على حد تعبيره.

وجاء هذا الهجوم خلال نقاش غير وديّ بتاتًا، بين المسؤول المغربي والسفير الفنزويلي في الأمم المتحدة، على خلفية نزاع الصحراء، إذ تعد فنزويلا من أكبر الداعمين لجبهة البوليساريو التي تطالب باستفتاء لتقرير مصير الإقليم.

اقرأ/ي أيضًا: طارق العسيمي.. بارون مخدرات حزب الله في فنزويلا

وكان السفير الفنزويلي قد طالب بأن تُؤخذ الأراضي الفلسطينية والصحراء بعين الاعتبار في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وهو ما أثار غضب السفير المغربي أن جمع الصحراء مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليصدر المغرب بيانًا من وزارته الخارجية، على خلفية الأحداث العنيفة التي عرفتها العاصمة الكراكس، بين النظام والمعارضين. 

يدفع ذلك إلى التساؤل عن هذا التطور العكسي في العلاقات بين البلدين، بخاصة وأنه متزامن مع تطور إيجابي بين المغرب وكوبا الحليف التقليدي لفنزويلا.

محمد بودن أوضح السبب بقوله إن العلاقات بين المغرب وفنزويلا لم تشهد قطيعة حقيقية كتلك التي كانت مع كوبا، مُضيفًا: "كما أن العلاقات الدولية تبنى أحيانًا على التعاون، أو بروح صدامية، أو تبنى على المصالح"، مُشيرًا إلى ما أشرنا إليه من أن فنزويلا حليف إستراتيجي لكوبا، فقد كانت تصدر النفط بأثمنة مخفضة لصالح كوبا، عندما كانت محاصرة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية.

دائمًا ما تحرك فنزويلا دبلوماسيتها ضد مصالح المغرب انطلاقًا من قضية الصحراء، وهو ما دفع المغرب إلى التصعيد

سبب آخر قد يحل هذه العقدة، وهو الاحترام الخاص الذي تحظى به كوبا لدى العديد من البلدان الإفريقية، ويُستشهد على ذلك بأن كوبا كانت ضيفًا خاصًا في قمة الاتحاد الإفريقي الثامنة والعشرين، وهي نفسها القمة التي اُعلن فيها عودة المغرب إلى الاتحاد، ومع التوجه المغربي القوي نحو إفريقيا، يُصبح واضحًا أكثر لما تطورت العلاقات بين البلدين بالإيجاب أخيرًا.

عبدالفتاح الفاتحي له رأي فيما يخص تدهور العلاقات المغربية الفنزويليّة من سيئ لأسوأ، وهو أن "فنزويلا تحرك دبلوماسيتها دائمًا ضد مصالح المغرب، في إطار سعيها الحثيث للانتهاء مما تعتبره احتلالًا في الأمم المتحدة"، لذا فإن حماستها في المنتديات الدولية، وادعاءها الدفاع عن حقوق الإنسان في الصحراء، دفع المغرب إلى التصعيد.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب نحو التصعيد مع الأمم المتحدة.. إنها الصحراء

من جهتها لم يتأخر رد الحكومة الفنزويلية كثيرًا على بلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية، الخاص بتنديده ممارسات الحكومة ضد المعارضة على خلفية احتجاجات العاصمة كاراكاس، لتدين فنزويلا ضمن بلاغ رسمي، تصريحات وزارة الخارجية المغربية، معتبرةً إياها "تدخلًا في شؤون فنزويلا القائمة، وتدخلا أيضًا في نظامها الدستوري".

وزادت فنزويلا من التصعيد تصعيدًا، حين تضمن بلاغها إدانة لما أسمته "احتلال المغرب للصحراء"، وأنه بناء عليه "ليس من حق المغرب إعطاء الدروس في حقوق الإنسان للغير". بهذا تبدو وكأن العلاقات بين البلدين قد وصلت إلى حائط سد، في مقابل تطور بدا مفاجئًا مع كوبا، والذي يظل يفتح الاحتمالات على نطاقها فيما يخص علاقات المغرب خارجيًا مُؤخرًا مع فنزويلا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أسماء أمازيغية ممنوعة في المغرب

ماذا وراء زيارة ملك المغرب لدول شرق أفريقيا؟