05-مايو-2017

لم يسبق أن التزم النظام السوري بأي اتفاق هدنة (أ.ف.ب)

سادت أجواء من التوتر في ختام اجتماع "أستانا 4"، الذي استضافته العاصمة الكزخية على مدى يومي الثالث والرابع من شهر أيار/مايو الجاري، لبحث الوصول لحل سياسي حول الأزمة السورية، بين وفدي المعارضة والنظام، في الوقت الذي ظهرت بوادر اتفاق لإنشاء مناطق آمنة تحت سيطرة قوات المعارضة، بعد لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في مدينة "سوتشي" الروسية.

البيان الختامي الصادر عن اجتماع "أستانا 4" بضمانة روسية وتركية وإيرانية، تبنى إقامة مناطق آمنة أطلق عليها مسمى "تخفيف التصعيد"، وهي حسب الوثيقة النهائية، منطقة الغوطة الشرقية في ريف دمشق الشرقي، ومحافظة إدلب، وأجزاء من محافظة حلب شمال سوريا، ومثلها من محافظتي حماة وحمص وسط البلاد، وكذا محافظة اللاذقية في الغرب، إضافة لجنوب سوريا. 

نصت وثيقة اجتماع أستانا على تشكيل لجنة مشتركة لترسيم الحدود

وهذه المناطق جميعها، تتقاسم قوات النظام وفصائل المعارضة السيطرة عليها، باستثناء ريف درعا الغربي في الجنوب، الذي يشهد تواجدًا لـ"جيش خالد بن الوليد" المبايع لتنظيم داعش.

اقرأ/ي أيضًا: مفاوضات الأستانا.. ضغوط روسية ومناورات إيرانية

ونصت الوثيقة الموقعة بين الأطراف الدولية الضامنة لها، على تشكيل مجموعة عمل مشتركة بعد أسبوعين من تاريخ توقيعها لـ"ترسيم الحدود"، وأن تكون منتهية من وضعها لجميع الخرائط في الرابع من تموز/يوليو القادم، على أن تعتمد لفترة ستة أشهر كـ"إجراء مؤقت" قابل للتمديد، ما يثير المخاوف من استثمار قوات النظام والميليشيات الداعمة لها، للفترة الزمنية التي تمدد لما يقرب شهرين، وتكثيف عملياتها العسكرية لاستعادة أكبر قدر ممكن من مناطق المعارضة، في ظل سياسة التغيير الديموغرافي المتبعة من نظام الأسد.

موقف المعارضة السورية

من جهتها رفضت المعارضة السورية الوثيقة الداعية لإنشاء مناطق آمنة، وخلال الجلسة الختامية احتج عدد من وفد المعارضة على توقيع إيران للمذكرة، ونشر مقطع مصور لقائد غرفة "عمليات حلب"، ياسر عبد الرحيم، يهاجم خلاله الوفد الإيراني، متوعدًا إياهم بقوله: "لن نستسلم"، قبل أن ينسحب من الجلسة مع عدد من الوفد المشارك، فيما نقل عن عضو الوفد المعارض، أسامة أبو زيد، قوله: "بالطبع لن نؤيده (الاتفاق) أبدًا طالما توصف إيران بأنها دولة ضامنة".

وجاء البيان الختامي بعد اللقاء الذي عقد بين الرئيسين الروسي والتركي في مدينة "سوتشي" الروسية، لتخفيف التوتر الدبلوماسي خلال الفترة السابقة، فيما قال أردوغان في مؤتمر صحفي على طائرة الرئاسة التركية، أثناء عودته إلى تركيا، إن الاتفاق على إنشاء مناطق تخفيف التصعيد، "يساعد في حل 50% من المسألة السورية".

إلى أين وصلت التحركات التركية؟

ومنذ بدء عملية استعادة مدينة "الطبقة" من تنظيم داعش، والانطلاق بعدها لمدينة الرقة التي تتلقى فيها قسد، بقيادة القوات الكردية، دعمًا جويًا وبريًا من التحالف الدولي والقوات الأمريكية المتواجدة على الأرض؛ سعت تركيا جاهدًة لإنشاء تحالف دولي بعيدًا عن قسد، التي يهدد وجودها أمن الحدود التركية السورية وتضم في صفوفها قيادات من حزب العمال الكردستاني.

وخذلت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، الحكومة التركية في إنشاء تحالف معها بعيدًا عن القوات الكردية التي تملك علاقات قوية مع حزب العمال الكردستاني المدرج على لائحة التنظيمات الإرهابية. وكانت هناك ملامح لاتفاق تركي مع إدارة ترامب، بيد أنها استمرت في دعمها لقسد خلال معركة استعادة الطبقة، ما جعل تركيا تبدأ البحث عن حليف أكثر مصداقية في تنفيذ تعهداته بمحاربة التنظيمات التي تصنفها على أنها إرهابية. 

ويتطلع الجميع للقاء المزمع عقده منتصف الشهر الجاري بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب على أمل التوصل لحل يتفق على مضمونه جميع الأطراف الدولية الفاعلة في الشأن السوري.

هل تلعب إيران بذيلها؟

ويثير توقيع الوفد الإيراني على اتفاقية "تخفيف التصعيد" الكثير من المخاوف، من بينها عدم التزام إيران والنظام السوري بوقف إطلاق النار، الموقع نهاية العام الماضي، عندما شنا هجومًا واسعًا بدعم جوي روسي على منطقة "وادي بردى"، وبعدها اتجها لحي "الوعر" في مدينة حمص، واستطاع الأسد خلال هذا الهجوم إفراغ جميع المناطق آنفة الذكر من قوات المعارضة، ونقلهم مع أسرهم إلى شمال سوريا. 

وتخوض قوات الأسد مدعومة بالميليشيات الأجنبية معارك عنيفة على الجهة الشرقية من دمشق، في محاولة منها لاستعادة أحياء القابون وبرزة وتشرين من قبضة قوات المعارضة، وتقليص مناطق نفوذها ليقتصر على "الغوطة الشرقية" فقط.

كذلك يشكل تواجد الميليشيات الأجنبية التي تتلقى أوامرها من فيلق القدس الإيراني بقيادة قاسم سليماني عقبة مهمة، خاصة وأن عديد الميليشيات العراقية التابعة لما يعرف باسم الحشد الشعبي، أكد قادتها في أكثر من مرة أنهم لن يخرجوا من سوريا، إضافة لتواجد مقاتلي حزب الله اللبناني في مختلف المناطق السورية.

ثمة تخوفات من التزام النظام السوري وإيران باتفاقية تخفيف التصعيد، بخاصة مع سجلهما الحافل بخرق الاتفاقيات

ومنذ بداية العام الجاري بدأ النظام السوري حملة تجنيد على نطاق واسع في مناطق سيطرته للخدمة الاحتياطية، وألغى عديد طلبات التأجيل لطلاب الجامعات، فضلًا عن تأسيسه "الفيلق خامس اقتحام طوعي"، والذي يضم موظفي الدوائر الرسمية، بعد تشجيعهم على الانخراط في صفوفه، حيث يظهر أن تشكيله جاء بناء على طلب روسي نتيجة تزايد نفوذ الميليشيات الإيرانية، والتي كان لها دور مفصلي في أغلب المعارك التي أفضت لاستعادة غالبية المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق.

اقرأ/ي أيضًا: سوريا.. سباق دولي لكسب أوراق التفاوض في الأستانا

كما أنه من المتوقع أن يتخذ النظام السوري، الذي أعلن موافقته على مضمون المذكرة، من تواجد هيئة تحرير الشام المدرجة على لائحة التنظيمات الإرهابية، ذريعًة لاستمرار غاراته الجوية على محافظة إدلب، حيث تتقاسم مع حركة أحرار الشام الإسلامية، السيطرة على المدن والبلدات فيها. 

وتملك تحرير الشام علاقات على مستوى عال مع تنظيم القاعدة، ويوجد في قياداتها عناصر قاتلوا سابقًا في أفغانستان، قبل أن يتوجهوا إلى سوريا، زيادًة على ما أُعلن في وقت سابق من الشهر الماضي، عن مقتل قائد كتيبة "الإمام البخاري" المهاجرة، صلاح الدين الأوزبكي، التي يشاع أنها تتبع لحركة طالبان الأفغانية.

وبالنظر لمجمل التطورات على الصعيد الميداني، يظهر أن النظام يسعى لكسب المزيد من الوقت، كي يتمكن من تأمين محيط العاصمة دمشق، والانتقال بعدها للمناطق الأكثر أهمية، وبالتالي فإن الشهرين القادمين قد يشهدان تكثيف قوات الأسد لهجماتها على مناطق المعارضة بالاعتماد على القصف الجوي، علاوة على انحسار مناطق سيطرة المعارضة بشكل كبير على عكس عام 2015 بعد أن حققت تقدمًا ملحوظًا، كان من الممكن أن يقلب موازين المفاوضات السياسية لصالحها لو لا التدخل العسكري الروسي الذي أنقذ نظام الأسد من الانهيار. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تُفشل إيران مؤتمر "الأستانا"؟

سوريا.. اقتراب انهيار هدنة العام الجديد