بعد اتفاق إيران.. هل خسر نتنياهو مشروعه السياسي؟
19 يونيو 2026
بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، بدأت تتشكل في الصحافة الإسرائيلية رواية مغايرة تمامًا لما كان سائدًا قبل أشهر قليلة فقط. فبنيامين نتنياهو، الذي قدّم نفسه لثلاثة عقود بوصفه الزعيم الوحيد القادر على فهم الخطر الإيراني واحتوائه، يجد نفسه اليوم في موقع الدفاع عن رواية تقول إن ما جرى لم يكن هزيمة، في وقت يصف خصومه السياسيون والإعلاميون النتيجة بعكس ذلك تمامًا.
الأهداف المعلنة في مقابل النتائج الفعلية
يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة متصاعدة من الغضب داخل الرأي العام الإسرائيلي، على خلفية الاتفاق الأميركي الإيراني، الذي يرى منتقدوه أنه جاء بعيدًا عن الأهداف التي رُوّج لها مع بداية الحرب.
فالاتفاق، بحسب هذه القراءة، لم يحقق ما كان يُقدَّم كأهداف استراتيجية كبرى، إذ لم يؤدِّ إلى انهيار النظام في طهران، ولم يُنهِ البرنامج النووي الإيراني، كما لم يُفكك منظومة الصواريخ، ولم ينجح في تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني في المنطقة.
ويعكس هذا التباين الواضح بين الخطاب السياسي الذي استند إليه نتنياهو في بناء جزء كبير من شرعيته خلال السنوات الماضية، وبين النتائج الفعلية المتحققة على الأرض، حجم أزمة سياسية تتعمق داخل إسرائيل، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى الحرب وكلفتها ومآلاتها الاستراتيجية.
يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة متصاعدة من الغضب داخل الرأي العام الإسرائيلي، على خلفية الاتفاق الأميركي الإيراني، الذي يرى منتقدوه أنه جاء بعيدًا عن الأهداف التي رُوّج لها مع بداية الحرب
من نقد الأداء إلى التساؤل حول الشخص
اللافت في بعض الكتابات الإسرائيلية الأخيرة، وفق ما رصدته تحليلات نُشرت في صحيفة "هآرتس" لكتّاب مثل أوري مسغاف ويوسي فيرتر وعاموس هرئيل وروغل ألفير، هو تحول طبيعة النقد الموجّه إلى بنيامين نتنياهو، إذ لم يعد يتركز على قراراته السياسية أو شبهات الفساد المرتبطة به، بل على كونه فاعلًا سياسيًا يُنظر إليه بوصفه تهديدًا مباشرًا لمسار الدولة نفسه، في ظل مخاوف من أن اقتراب نهاية مسيرته السياسية قد يدفعه إلى سلوك أكثر اندفاعًا إذا شعر بأن مشروعه التاريخي يتعرض للانهيار.
التصادم مع واشنطن
تتسع، وفق تقديرات تحليلية، الفجوة بين مقاربة بنيامين نتنياهو القائمة على استمرار الضغط العسكري على إيران، وبين توجه دونالد ترامب الذي يدفع باتجاه إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية وإعادة ضبط قواعد الاشتباك. وفي هذا السياق، تميل المقاربة الإسرائيلية إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بصورة جذرية، في حين تركّز الإدارة الأميركية على احتواء التصعيد ومنع تمدد الصراع إلى ساحات أوسع، ما يعكس تباينًا في الأولويات الاستراتيجية بين الطرفين يتجاوز الاعتبارات الشخصية.
هذا التباين أفرز مشهدًا غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، يتمثل في قيادة إسرائيلية تعارض توجّهًا أميركيًا واضحًا، لكنها في الوقت نفسه لا تمتلك القدرة على تعطيله أو تغييره، وهو ما أعاد فتح النقاش حول حدود استقلال القرار الإسرائيلي داخل المنظومة الغربية، وحدود التأثير المتبادل بين الحليفين في لحظات الحرب والأزمات الكبرى.
وفي هذا السياق، برزت داخل الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي قراءات ترى أن "البلاد باتت أقرب إلى موقع التابع في بعض الملفات الاستراتيجية الحساسة"، في إشارة إلى تنامي تأثير القرار الأميركي على حساب هامش المناورة الإسرائيلي. غير أن هذا الطرح، رغم حضوره المتزايد، لا يُجمع عليه المحللون، إذ يُنظر إليه أحيانًا على أنه توصيف مبالغ فيه لا يعكس بدقة توازنات القوة المعقدة التي تحكم العلاقة بين الجانبين.
مخاوف الخصوم: تصعيد بلا نهاية
يرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن بنيامين نتنياهو، غير القادر على تحقيق مكسب سياسي من مسار السلام، قد يلجأ إلى استمرار التوترات الإقليمية الممتدة من لبنان إلى الضفة الغربية وصولًا إلى غزة، كوسيلة لتأجيل الاستحقاقات السياسية الداخلية أو إعادة تقديم نفسه في سياق أزمات جديدة.
ويعتبر هؤلاء أن هذا النمط من إدارة المشهد يعكس محاولة دائمة لإبقاء حالة الاشتباك السياسي والأمني قائمة، بما يتيح لنتنياهو الحفاظ على موقعه داخل السلطة في ظل تراجع فرص البناء على مسار تسوية مستدامة.
وفي هذا السياق، تربط بعض التحليلات بين الملفات الإقليمية المختلفة ضمن إطار تفسيري واحد، يقوم على فكرة أن استمرار الأزمات لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية، حيث تتحول الجبهات الخارجية إلى أدوات في إدارة الصراع على البقاء السياسي داخل إسرائيل.
هل التفسير دقيق؟
غير أن الاعتماد الكامل على شخص بنيامين نتنياهو في تفسير ما جرى يحمل قدرًا من القصور التحليلي، إذ إن جوهر الأزمة لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يعكس تضاربًا بنيويًا أعمق في الرؤى والأهداف بين الأطراف المعنية.
فمن جهة، تتبنى إسرائيل مقاربة تقوم على السعي إلى إحداث تحول جذري في ميزان القوى الإقليمي عبر الحسم العسكري وإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها، بما يضمن تفوقها الاستراتيجي على المدى الطويل. ومن جهة أخرى، تركز الولايات المتحدة على سياسة احتواء التصعيد، ووقف دوائر الحرب، والدفع نحو تفاهمات سياسية تدريجية تعيد تثبيت الاستقرار ولو بشكل جزئي في الإقليم.
وبهذا المعنى، فإن الإشكال لا يمكن اختزاله في أداء رئيس وزراء بعينه، بل يرتبط بطبيعة البنية المعقدة للعلاقة بين تل أبيب وواشنطن، حيث تبدو الهوة بين أولويات الطرفين أوسع من أن تُفسَّر باعتبارات شخصية. ومن ثم، فإن أي رئيس وزراء إسرائيلي في الموقع ذاته كان سيواجه على الأرجح التناقض البنيوي نفسه مع الموقف الأميركي، بغضّ النظر عن شخصه أو خياراته السياسية.
يرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن بنيامين نتنياهو، غير القادر على تحقيق مكسب سياسي من مسار السلام، قد يلجأ إلى استمرار التوترات الإقليمية الممتدة من لبنان إلى الضفة الغربية وصولًا إلى غزة، كوسيلة لتأجيل الاستحقاقات السياسية الداخلية
السؤال الذي تركته الحرب مفتوحًا
لا يبدو أن بنيامين نتنياهو يقف اليوم على أعتاب سقوط سياسي وشيك، إذ لا يزال يسيطر على الحكومة ويحافظ على تماسك ائتلافه الحاكم، إلى جانب قدرته على إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل مؤسسات الدولة، عبر الدفع بشخصيات محسوبة عليه أو موالية له في مواقع حساسة، بما يعزز حضوره في مراكز القرار الأساسية. ومع ذلك، فإن هذا التماسك الداخلي لا ينعكس بالضرورة على مستوى الصورة العامة أو موقعه السياسي الأوسع.
ففي موازاة هذا الاستقرار الظاهري، بدأت تتآكل تدريجيًا صورة "الزعيم الذي لا يُهزم" التي رافقته لسنوات طويلة، لصالح نقاش داخلي أكثر تشككًا في جدوى الخيارات التي اتُبعت خلال المرحلة الأخيرة. ويتغذى هذا التحول من مؤشرات سياسية متزايدة داخل المشهد الإسرائيلي.
وعلى الرغم من بقاء حزب الليكود قوة سياسية مؤثرة، فإن معسكر نتنياهو لم يعد يضمن أغلبية مريحة في عدد من استطلاعات الرأي، بل إن بعض المؤشرات تُظهر تقدّمًا محتملًا لكتل المعارضة، بما يفتح نظريًا الباب أمام إمكانية تشكيل حكومة بديلة في حال إجراء انتخابات مبكرة. غير أن هذا التراجع في الحضور الانتخابي لا يُقرأ فقط باعتباره مؤشرًا رقميًا، بل يعكس بدوره تحولًا أعمق في طبيعة الجدل الداخلي داخل إسرائيل.
إذ لم يعد النقاش داخل إسرائيل محصورًا في تقييم عملية عسكرية أو نتائج مواجهة محددة، بل تمدّد ليصل إلى جوهر المشروع السياسي والأمني الذي ارتبط باسم نتنياهو لعقود. فالرجل الذي قدّم نفسه باعتباره الأقدر على إدارة ملف الخطر الإيراني، يجد نفسه أمام واقع لم يُحقق فيه الحسم الذي وُعد به، وفي مواجهة إدارة أميركية اختارت مسار التسوية بدل التصعيد. وهنا ينتقل الجدل من مستوى الأداء السياسي إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية نفسها.
لهذا، لا تبدو المعركة الراهنة مرتبطة بمستقبل نتنياهو السياسي وحده، بل بمستقبل المقاربة الإسرائيلية نفسها تجاه إيران: هل يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تعيد رسم موازين المنطقة، أم أن التطورات الأخيرة كشفت حدود هذه المقاربة أكثر مما أكدت فاعليتها؟