بعد اتفاقية ميناء طرطوس.. هل أكدت موسكو هيمنتها في الشرق الأوسط؟

بعد اتفاقية ميناء طرطوس.. هل أكدت موسكو هيمنتها في الشرق الأوسط؟

يتيح ميناء طرطوس لروسيا توسيع نفوذها في الشرق الأوسط (سبوتنيك)

أعلنت روسيا مؤخرًا استئجارها ميناء طرطوس المطل على سواحل البحر المتوسط من النظام السوري، في خطوة جديدة ممثلة بمحاولتها فرض هيمنتها في منطقة الشرق الأوسط، ومنافستها لطهران التي وقعت عقدًا مشابهًا لكنه خاص بميناء اللاذقية، لتفقد سوريا الموانئ التي يعتمد عليها اقتصادها في تصدير واستيراد البضائع لفترة زمنية غير معروفة الأجل.

 تتمكن روسيا من خلال اتفاقية ميناء طرطوس من تحصيل عدة مكاسب اقتصادية وسياسية، فضلًا عن إشارات تدل على أنها بدأت بتحصيل نفقات تدخلها عسكريًا لصالح الأسد 

روسيا في سواحل المتوسط لـ49 عامًا

في بداية الأسبوع الماضي، قال نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف إن موسكو استأجرت ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا، بعد اجتماع عقد في دمشق مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، مشيرًا إلى أن الاستخدام الاقتصادي للميناء سيكون خلال الأسبوع القادم.

اقرأ/ي أيضًا: تطبيع نظام الأسد.. التقاء "عربي" إسرائيلي

ويعد ميناء طرطوس الذي يقع شمال غرب سوريا مرفأ للقوى البحرية والدفاع الساحلي السورية، إذ يحوي على فرقاطتين بحريتين مع ثلاثة سفن برمائية، ويضم 22 رصيفًا، وتأتي أهميته الاقتصادية بسبب استقباله للسفن التجارية من مختلف دول الوطن العربي والقارة الأوروبية والبحر الأسود، وبالأخص العراق التي تستخدمه لجلب البضائع القادمة من البحر المتوسط إلى داخل أراضيها.

وكانت تقارير صحفية تحدثت الشهر الفائت عن إبرام اتفاقية بين النظام السوري وإيران تنص على انتقال إدارة ميناء اللاذقية من الجانب السوري إلى الجانب الإيراني في تشرين الأول/أكتوبر القادم، والذي يعد الميناء التجاري الرئيسي في سوريا حيثُ يضم 23 مستودعًا، وهو فيما يبدو محاولة أخيرة لتوسيع طهران نفوذها الإقليمي في الشرق الأوسط، لما يمثله هذا الميناء من أهمية استراتيجية تمكنها من ربط طريق تجاري بحري من موانئها مع العراق وسوريا.

اتفاقيات الأسد مع موسكو.. ماذا تعرف عنها؟

جاء حصول موسكو على ميناء طرطوس بعقد إيجار في إطار سلسلة اتفاقيات أبرمها النظام السوري مع الكرملين بعد إعلان روسيا تدخلها رسميًا في سوريا نهاية أيلول/سبتمبر 2015، وإنشائها لقواعد عسكرية في مناطق مختلفة كان يسيطر عليها النظام السوري، وبعد أن قدمت له الدعم لاستعادتها لاحقًا في إطار عملية التغيير الديموغرافي التي شرع الجانبان بتنفيذها منذ منتصف آب/أغسطس 2016.

فيما كانت أولى الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين بداية عام 2016 عندما أبرما اتفاقية تخول موسكو إنشاء قاعدة عسكرية في قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، كما يوفر لها النظام السوري بموجب الاتفاقية كافة التسهيلات الممكنة بدون مقابل، على أن يكون إنهاء الاتفاق بموجب إخطار كتابي من قبل أحد الأطراف الموقعة.

وفي كانون الثاني/يناير 2017 وقع النظام السوري وروسيا اتفاقيًة جديدة تنص على توسيع حرم مركز الإمداد المادي والتقني في ميناء طرطوس، وعلى تطوير وتحديث بنيته التحتية، وعلى الرغم من تشابه مدة انتهاء الاتفاقية مع اتفاقية استئجار موسكو لميناء طرطوس بعدد الأعوام، فإن البند الأخير تضمن تمديد الاتفاقية تلقائيًا لمدة تبلغ 25 عامًا، إلا في حال إبلاغ أحد الطرفين للآخر قبل عام من انتهاء مدة الاتفاقية عن قراره وقف سريانها.

وكان النظام السوري قد وقع سابقًا مع الاتحاد السوفييتي عام 1971 اتفاقية تنص على بناء قاعدة عسكرية بحرية سوفيتية في ميناء طرطوس، لدعم الأسطول السوفيتي في البحر المتوسط، لكن القاعدة توقفت عن العمل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتحولت لمركز دعم لوجستي وتموين للسفن تابع للبحرية الروسية، فضلًا عن اتفاقية صداقة موقعة بين الطرفين عام 1980.

ونهاية العام الفائت وقعت وزارة الصناعة والتجارة في حكومة النظام السوري مع نظيرتها الروسية مجموعة اتفاقيات مرتبطة ببناء المساكن والأشغال العامة، والبنية التحتية، ومجمع الوقود والطاقة والبنية التحتية للنقل، والمؤسسات الصناعية، وشمل بعض الاتفاقيات استخدام العملات الوطنية في عدة مجالات تبادلية بين البلدين، لكن الاتفاقية الأبرز رغم أنها تأتي في إطار المصالح الاستراتيجية المشتركة، كانت إعلان موسكو منحها النظام السوري منظومة الدفاع الجوي S300.

وتأكيدًا للهيمنة الروسية في سوريا التي تدخل تحت إطار الاتفاقيات الموقعة مع النظام السوري، كشف رئيس مكتب روسترودنيتشيستفا الروسي في لبنان فاديم زايتشكوف أنه من المقرر افتتاح كليات تدرس اللغة الروسية في جامعتي اللاذقية وحمص، ويأتي ذلك ضمن اتفاقيات التعاون التي وقعتها وزارة التعليم العالي في حكومة النظام مع جامعات من روسيا وإيران والصين، علمًا أن النظام السوري أقر اللغة الروسية ضمن صفوف الدراسة الإعدادية منذ عام 2015.

لماذا تعمل روسيا على توسيع نفوذها في سوريا؟

تملك روسيا الكثير من الأسباب التي تدفعها لتوسيع نفوذها في سوريا، ويأتي في مقدمتها منعها قوات النظام السوري بالاشتراك مع الميليشيات التي يشرف عليها من الانهيار، بعدما شهد تقهقرًا سريعًا منتصف عام 2015 جعله يفقد السيطرة على أكثر من 70 بالمئة من مناطق نفوذه، لكن هذا السبب يبدو ثانويًا أمام الأسباب التي تدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإبرام مثل هذه الاتفاقيات مع الأسد، الذي كان سقوطه يبدو للمجتمع الدولي وشيكًا قبل نحو أربعة أعوام.

وعند البحث وراء الأسباب التي تدفع بوتين لإبرام هذه الاتفاقيات مع الأسد، نقرأ في مضمونها بعدًا إستراتيجيًا على المدى البعيد، إذ تسعى روسيا في مقدمة ذلك لتقديم نفسها كقوة عسكرية وحيدة على طول سواحل البحر المتوسط، من خلال تواجدها في قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس الذي يوفر لها فرصًة لتحديث القاعدة البحرية التي يرجع تاريخها للحقبة السوفييتية، وهو ما يتناسب ما طموحات بوتين الذي يرغب بإعادة نفوذ الاتحاد السوفييتي من جديد لكن بصورةٍ مختلفة عما سبق تظهره كقوة رادعة.

وترغب روسيا من خلال هذه الاتفاقية بإرسال إشارات لواشنطن تؤكد على توسعها عسكريًا في منطقة الشرق الأوسط عمومًا، وسوريا خاصة، حيثُ تتواجد القوت الأمريكية في قاعدة التنف العسكرية جنوب سوريا، وتسعى موسكو لإنهاء التواجد الأمريكي من خلال الضغوطات التي تمارسها لإغلاق مخيم الركبان الذي يأوي نازحين سوريين، وتقوم قاعدة التنف بحمايته.

ويأتي التواجد الثاني للقوات الأمريكية في شمال شرق سوريا عبر تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لذا فإن التواجد الروسي في السواحل السورية يجعلها تؤكد تفوقها عسكريًا، وهو ما دفع بالصحف الروسية للتكهن بمعركة جوية مرتقبة في الأجواء السورية بين مقاتلتي F35 الأمريكية وSU-35 الروسية.

كذلك يتيح ميناء طرطوس لموسكو ترسيخ تواجدها في سوريا اقتصاديًا، فهي تسعى بكامل قوتها الاقتصادية للحصول على الحصة الأكبر من عقود إعادة الإعمار، فقد قدرت الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار سوريا بما يزيد على 380 مليار دولار، وهو ما تريد موسكو للشركات الروسية الحصول عليه، ويعتبر ملف إعادة الإعمار من أهم الملفات التي تحاول روسيا إدارتها في سوريا مستقبلًا باستلام مهام توزيع العقود على حلفاء النظام السوري، بالإضافة لمحاولتها منح الشركات الروسية إدارة استخراج النفط والغاز والفوسفات، وإعادة بناء البنية التحتية للنقل.

ويحمل العامل الاقتصادي مصالح متبادلة خلال الفترة الراهنة، إذ تشهد المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري أزمة حادة في تأمين مادتي البنزين والمازوت نتيجة إعادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، ووفقًا لمدير شركة المحروقات التابعة للنظام السوري مصطفى حصوية، فإن سبب هذه الأزمة يعود إلى عدم وصول أي ناقلة نفط من إيران إلى سوريا منذ ستة أشهر.

وبالتالي فإن الاتفاقية ستتيح لروسيا توريد المشتقات النفطية التي تحتاجها مناطق سيطرة النظام السوري، وهو ما يعد مكسبًا اقتصاديًا مهمًا لروسيا في ظل تراجع طهران عن توريد النفط لمناطق النظام السوري، ويخفف من حالة الاحتقان الشعبي التي تشهدها مناطق النظام بسبب أزمة المحروقات، وكانت روسيا تصدرت العام الماضي قائمة الدول المصدرة للنفط متفوقة بذلك على دول الخليج والولايات المتحدة.

ولعل الأهم من ذلك أن الاتفاقية تصب في محاولة موسكو كسر حاجز العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الدول الغربية والولايات المتحدة منذ عام 2014، بسبب طموحاتها في التوسع إقليميًا عقب ضمها شبه جزيرة القرم للأراضي الروسية، حيثُ تخول الاتفاقية السفن الروسية القادمة من ميناء سيفاستوبول الروسي التي لا يمكنها دخول الموانئ الأوروبية بسبب العقوبات الاقتصادية، إنشاء خط بحري دائم ضمن البحر المتوسط عبر ميناء طرطوس.

اقرأ/ي أيضًا: القصة الكاملة لـ"غزل" أبوظبي وبشار الأسد

كما أن الاتفاقية تساعد روسيا على تقديم نفسها كضامن رئيسي للنظام السوري أمام المحور السعودي الإماراتي، وهو ما يدخل في إطار إعادة تأهيل الأسد عربيًا في المقام الأول، ودوليًا في المقام الثاني على الرغم من فقدان موسكو لمصداقيتها أمام الدول الغربية، وكان آخر هذه المحاولات منتصف الشهر الجاري خلال استضافتها لمنتدى التعاون الروسي العربي، والتقارير الواردة حول وساطة موسكو لإعادة العلاقات بين النظام السوري والسعودية.

 يتيح ميناء طرطوس لموسكو ترسيخ تواجدها في سوريا اقتصاديًا، فهي تسعى بكامل قوتها الاقتصادية للحصول على الحصة الأكبر من عقود إعادة الإعمار، بكلفة تزيد عن 380 مليار دولار

وعلى هذا الأساس، فإن موسكو تتمكن من خلال هذه الاتفاقية من تحصيل عدة مكاسب اقتصادية وسياسية على حساب كافة الأطراف الدولية الفاعلة في الشأن السوري، فضلًا عن إشارات تدل على أنها بدأت بتحصيل نفقات تدخلها عسكريًا لصالح الأسد ما سمح له باستعادة السيطرة على أكثر من 80 بالمئة من المناطق التي كان فقدها منذ عام 2013، ويأتي ثانيًا تأكيد همينتها في منطقة الشرق الأوسط على حساب الولايات المتحدة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الأسد.. مصيرٌ تصنعه تحالفات روسيا