بعد إيقاف بث

بعد إيقاف بث "BBC".. عدوى حجر الإعلام من الصين إلى هونغ كونغ

تعرف هونغ كونغ تدهورًا في حرية الصحافة والتعبير تقف وراءه التدخلات الصينية (فيليب لوبيز/ أ.ف.ب)

قررت خدمة الإذاعة العامة في هونغ كونغ، وقف بث هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي - BBC)، التي تعمل منذ 40 عامًا على موجات أثير هونغ كونغ، واستبدالها بخدمات البث الصينية.

"بي بي سي"، صاحبة البث المتواصل على مدار 24 ساعة، والتي تبث باللغة الكانتونية التي يتحدثها أهل هونغ كونغ، والتي تبث موجاتها في البلاد منذ عام 1978، حلت محلها الإذاعة الرسمية الصينية التي تبث باللغة الماندرينية.

لم يكن إيقاف بث "بي بي سي" في هونغ كونغ الأول من نوعه، فقد سبق وأن أوقفت ما لا تقل عن 6 محطات بث إذاعي

تسبب هذا الإيقاف في انتقادات كبيرة، كان أبرزها أنّ ما حدث يُعد تضييقًا جديدًا على الحريات في هونغ كونغ التي كانت مُستعمرةً بريطانية حتى عام 1997.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة إعلاميات "بي بي سي": لا للتمييز الجندري بعد اليوم

جدير بالذكر أنّ بداية الحديث عن إيقاف بث "بي بي سي"، كان في شهر آب/أغسطس المنصرم، أي أنّها لم تكن خطوة مفاجئة بدرجة كبيرة. وفي سياق تبرير تلك الخطوة، قالت شبكة الإذاعة الصينية، إنّ إجراء استبدال "بي بي سي" بها، يأتي في إطار "تعزيز التبادل الثقافي بين هونغ كونغ والأرض الأم الصين".

ويذكر أنّ الإذاعة الوطنية الصينية تتسم بسياسات غير محايدة تجاه الصين، إذ تتجنب توجيه أي انتقادات إلى السلطات، كما يرى منتقدون لخطوة استبدال "بي بي سي" بالإذاعة الصينية،  أنها "تجاوز من طرف السلطات الصينية في المستعمرة البريطانية السابقة، حيث تشهد التوترات بين الجزيرة وقادة الحزب الشيوعي الحاكم في بكين، نموًا خلال السنوات الأخيرة"، وأكد بعض موظفي هيئة الإذاعة في هونغ كونع على أن القرار جاء دون أي مشاورات مُوسعة.

من جانبها نشرت شبكة "بي بي سي" عريضة موقعة مما يقرب من ألف شخص، وصفوا الخطوة بأنها "ستجعل المدينة تبدو أكثر ضيقًا وعزلة".

هذه الخطوة سبقتها خطوات أخرى، إذ أعلنت الحكومة في هونغ كونغ عن وقف إحدى الإذاعات على موجاتها بعد فشل البرنامج الرسمي في اجتذاب الجمهور. كما أنّ الصين سبق وأن أوقفت بث خمس إذاعات على موجات البرنامج الإذاعي في هونغ كونغ، وفقًا لما جاء في صحيفة "ساوث شاينا مورنيغ بوست".

وهذا ويُشار إلى أنّ هونغ كونغ تُعد منطقة بإدارة شبه ذاتية تابعة للصين، وذلك وفق الإعلان الصيني البريطاني المشترك، ومبدأ "بلد واحد، نظامان مختلفان"، إلا أنّ التحكمات الصينية مع ذلك تزداد يومًا تلوم الآخر، وهذا الموقف الأخير إثباتٌ على ذلك.

عدوى التضييق.. من الصين إلى هونغ كونغ 

من المعروف أن القيود على حرية التعبير في الصين صارمة، إذ تبدو الحالة العامة للحريات مخزية بدرجة كبيرة، وتذكر بالكثير مما يحدث في المنطقة العربية من قمع للحريات وانتهاكات بالجملة للحقوق والحريات.

وفيما يخص حرية التعبير على وجه التحديد، فقد ذكر تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية، عن العام 2015، استمرار السلطات الصينية في التعدي على الصحفيين وتوجيه تهم جزافية لهم. وأفرد التقرير مساحة لقصة الاعتداء على إحدى الصحفيات وصدور حكم بحبسها لسنوات بتهمة تسريب وثيقة سرية للحزب الحاكم في الصين، تحث على مزيدٍ من الرقابة على الأفكار الليبرالية والإصلاحية. وأُرغمت الصحفية على الاعتراف بجرمها على ما قامت به، وأذيع اعترافها القسري على شاشات التلفاز الحكومي قبل وقت طويل من إجراء أي تحقيقات جنائية معها.

تعرف الصين تدهورًا حادًا فيما يخص حرية الصحافة والتعبير، وصل لدرجة فرض الرقابة على التقارير الصحفية الاقتصادية!

وصل التضييق إلى درجة الرقابة على التقارير الصحفية الاقتصادية، التي كانت الحكومة الصينية فيما مضى تتعامل معها باعتبارها أقل خطرًا من التقارير السياسية. وفي هذا الصدد أشار تقرير هيومن رايتس ووتش، إلى قضية أحد صحفيي الاقتصاد، تم اعتقاله لأنه "كتب عن مداولات السلطات بشأن سحب تدابير تحقيق الاستقرار في استجابة للانخفاضات الحادة أثناء انهيار سوق الأسهم الصينية".

اقرأ/ي أيضًا: حرية الصحافة 2016..معركةٌ في سبيل الرسالة المهيمنة

من جهة أخرى، تشدد الحكومة الصينية القيود على استخدام شبكة الإنترنت، لدرجة إصدارها توجيهات صارمة على استعمال اسم المستخدم وصورته على مواقع التواصل الاجتماعي، مشترطة تسجيل أسماء كتاب المحتوى على الإنترنت بأسمائهم الحقيقية. كما أنها أغلقت أو منعت الوصول للشبكات الخاصة الافتراضية، والتي كان يعتمد عليها العديد من المستخدمين للوصول إلى المحتوى المحظور في البلاد. 

هذا فيما يخص الصين، أما هونغ كونغ فيبدو أن عدوى الصين انتقلت إليها، إذ تشير منظمة مراسلون بلا حدود في تقريرها الأخير عن حرية الصحافة، إلى تراجع هونغ كونع أربع مراكز في مؤشر حرية الصحافة. 

لفتت المنظمة أيضًا إلى أنّ استقلال هونغ كونغ الإعلامي والصحفي تجاه بكين، آخذ في التآكل، وأن وسائل الإعلام هناك باتت تواجه صعوبات متزايدة في تغطية قصص حساسة عن حكومة هونغ كونغ والصين، بصفتها "البر الرئيس أو البلد الأم".

ووصفت المنظمة شراء وسائل الإعلام الكبيرة في هونغ كونغ، من قبل شركات الإنترنت الصينية مثل "علي بابا"، بـ"الأمر المزعج". كما ذكرت أنّ العديد من مراسلي صحف هونغ كونغ، يتعرضون للعنف من قبل أتباع الحزب الشيوعي الصيني الحاكم. 

وبالجملة، فإنّ التقارير التي تتداولها مؤسسات حقوقية أو معنية بحرية الصحافة والتعبير، عن تراجع حرية التعبير في هونغ كونغ، تعتبر مؤشرًا يستدعي دق ناقوس خطر امتداد أذرع الصين إلى البلد شبه ذاتية الحكم.

تشير العديد من التقارير الحقوقية إلى تمدد أذرع الحكومة الصينية في هونغ كونغ لقمع حرية الصحافة والتعبير

على سبيل المثال رصد تقرير لمنظمة فريدم هاوس، كثير من حالات تدخل الصين في شأن حرية التعبير بهونغ كونغ، وصل لدرجة التدخل في سوق الكتاب بفرض الرقابة وربما المصادرة على الكتب التي تتناول انتقادات سياسية للحكومة الصينية. وأشارت المنظمة إلى "سلسلة من القرارات الحكومية بشأن التراخيص الإذاعية المجانية، حيث تفضل السلطات الشركات التي لها روابط وثيقة بالبر الرئيسي (أي بالصين)".

اقرأ/ي أيضًا: فهم الاستراتيجية الصينية عن طريق ثقافتها

مع ذلك، ثمة محاولات وصفها تقرير فريدم هاوس بـ"المجتهدة" من قبل صحفيين ونشطاء، لتطوير منافذ إلكترونية إعلامية وصحفية جديدة ومستقلة، باستخدام نماذج تمويل غير ربحية. لكن مع ذلك تبقى تلك المحاولات مجهولة المصير أمام منافسة المؤسسات الكبرى، خاصة مع محاولات إعاقة الجهود التي تقودها الحكومة الصينية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"كوابيس السلطة الرابعة".. كيف تغيرت الصحافة العربية في 2017؟

آنا بوليتكوفسكايا واغتيال الصحافة الحرّة في روسيا