بعد إيران.. إسرائيل تقول إن تركيا تشكل التهديد الأكبر
23 يونيو 2026
تتصاعد في إسرائيل خلال المرحلة الأخيرة تحذيرات سياسية وأمنية وإعلامية من أن تركيا باتت تمثل التحدي الإقليمي الأبرز، في ظل التحولات التي شهدتها السياسة الأميركية تجاه المنطقة، والتفاهمات الأخيرة مع إيران، واتساع النفوذ التركي. وتذهب تقديرات إسرائيلية إلى أن أنقرة لم تعد مجرد خصم سياسي، بل مرشحة للتحول إلى تهديد استراتيجي قد يتجاوز، في بعض جوانبه، التحدي الإيراني.
معاريف: التحد التركي
وصفت صحيفة "معاريف" العبرية التحول في موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إسرائيل بأنه "صدمة"، معتبرة أن موافقته على إدراج لبنان و"حزب الله" ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار مع إيران كشفت عن تراجع في مراعاة المطالب الأمنية الإسرائيلية.
وترى الصحيفة أن هذا التحول يفتح الباب أمام تحدٍ جديد يتمثل في تركيا، متسائلة: إذا كانت واشنطن لم تتمسك بالمواقف الإسرائيلية في الملف الإيراني، فكيف ستمنع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، من توسيع نفوذها أو حتى تهديد إسرائيل مستقبلًا؟
تخلص التقديرات الإسرائيلية إلى ضرورة التحرك سريعًا لمنع ترسيخ النفوذ التركي في المنطقة، وتوصي الأوساط الأمنية، كما تنقل يديعوت أحرنوت، بالتحرك سياسيًا داخل أميركا، بالتوازي مع تعزيز المنظومة الدفاعية
قوة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة
تستند المخاوف الإسرائيلية إلى التطور الكبير الذي حققته تركيا في قدراتها العسكرية خلال السنوات الأخيرة، بحسب ما تصف الصحيفة العبرية، مشيرة إلى أن الجيش التركي يعد ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، ويضم نحو 480 ألف جندي في الخدمة النظامية، إلى جانب قوات احتياط كبيرة.
كما يمتلك الجيش البري آلاف الدبابات، بينها دبابات "ليوبارد 2" الألمانية و"باتون"، إضافة إلى دبابة "ألتاي" المطورة محليًا.
وتؤكد "معاريف" أن الإنجاز الأبرز يتمثل في بناء صناعة دفاعية مستقلة تنتج قرابة 80% من احتياجات الجيش، وهو ما منح أنقرة استقلالية عسكرية متزايدة وأداة فعالة لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي.
وتبرز الطائرات المسيّرة التركية، وعلى رأسها "بيرقدار TB2"، بوصفها أحد أبرز عناصر القوة، بعدما أثبتت فاعليتها في حروب ناغورنو كاراباخ وليبيا وأوكرانيا، وتحولت إلى منتج دفاعي مطلوب في عشرات الدول.
ولا تقتصر القدرات التركية على القوات البرية والجوية، إذ ترى الصحيفة أن البحرية التركية تمثل مصدر القلق الأكبر في أي مواجهة محتملة، مع امتلاكها غواصات وفرقاطات وحاملة مروحيات تعزز حضورها في شرق البحر المتوسط.
أنقرة ترى تراجعًا للدور الإسرائيلي
بحسب التقديرات الإسرائيلية، تنظر تركيا بإيجابية إلى الاتفاق الأميركي الإيراني، معتبرة أنه يعكس تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات الأميركية.
وتشير إلى أن أوساطًا تركية تعتبر أن واشنطن همشت المطالب الإسرائيلية خلال المفاوضات مع طهران، وهو ما يُنظر إليه في أنقرة باعتباره تحولًا في موازين القوى الإقليمية.
وفي السياق نفسه، كتب المعلق التركي عمر أوزكيزيلجيك أن إسرائيل كانت في بداية الحرب مع إيران تتصرف باعتبارها القوة المهيمنة في المنطقة، فيما كانت الرسالة المتداولة آنذاك تقول إن "تركيا هي التالية". ويرى أن التطورات الأخيرة بددت تلك الصورة وأظهرت حدود النفوذ الإسرائيلي.
معهد الأمن القومي: المخاوف تتجاوز إيران
يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن تعبير "تركيا هي إيران الجديدة" أصبح أكثر حضورًا في الخطاب الإسرائيلي، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذا التشبيه لا يعكس طبيعة التحدي التركي.
ويشير المعهد إلى أن تركيا تختلف عن إيران لكونها عضوًا في حلف الناتو وتحافظ على علاقات وثيقة مع الغرب، إلا أن ذلك لا يقلل من حجم المخاوف الإسرائيلية المرتبطة بتنامي نفوذها.
وتتركز هذه المخاوف في عدة ملفات، أبرزها توسع الحضور التركي بعد سقوط نظام الأسد، واحتمال مشاركة أنقرة في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، خصوصًا إذا شملت تلك الترتيبات وجودًا عسكريًا تركيًا ضمن قوة دولية.
كما يشير المعهد إلى تصاعد حدة الخطاب التركي تجاه إسرائيل، مستشهدًا بتصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي وصف فيها إسرائيل بأنها "تهديد للبشرية"، إضافة إلى انضمام تركيا إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وإصدار القضاء التركي مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين بتهم تتعلق بجرائم حرب.
يديعوت أحرنوت: محور جديد يتشكل
من جهتها، ترى صحيفة "يديعوت أحرنوت" أن الانسحاب الأميركي من سوريا و العراق قد يؤدي إلى تقليص هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية، ويمنح قوى إقليمية، وفي مقدمتها تركيا، مساحة أوسع لتعزيز نفوذها قرب الحدود الإسرائيلية.
وتضيف الصحيفة أن تنامي العلاقات بين أنقرة وإدارة ترامب يثير قلق المؤسستين الأمنية والسياسية في إسرائيل، معتبرة أن هذا التقارب يفرض على تل أبيب تقديم تنازلات في ملفات تتعلق بسوريا وغزة.
وتنقل الصحيفة عن تقديرات استخباراتية إسرائيلية أن المنطقة قد تشهد انتقال مركز الثقل من "المحور الشيعي" الذي تعرض لضربات كبيرة، إلى "محور سني" تتزعمه تركيا.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أشار، في وقت سابق، إلى هذه النقطة بشكل صريح في أحد اللقاءات.
توصيات إسرائيلية لمواجهة النفوذ التركي
تخلص التقديرات الإسرائيلية إلى ضرورة التحرك سريعًا لمنع ترسيخ النفوذ التركي في المنطقة، وتوصي الأوساط الأمنية، كما تنقل يديعوت أحرنوت، بالتحرك سياسيًا داخل الولايات المتحدة عبر تكثيف الضغوط على إدارة ترامب والاستفادة من نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل الكونغرس، بالتوازي مع تعزيز المنظومة الدفاعية على الحدود مع سوريا والأردن.
ولا تستبعد بعض التوصيات، بحسب الصحيفة، خيار تنفيذ إجراءات عسكرية إذا اقتضى الأمر، بهدف رسم "خطوط حمراء" تمنع تركيا من توسيع نفوذها العسكري، معتبرة أن إدراك التحولات الإقليمية والاستعداد المبكر لها أصبح يمثل إحدى أهم الأولويات الاستراتيجية لإسرائيل.