بعد أشهر من الجمود.. ما الذي يحمله ترامب إلى مفاوضات أوكرانيا؟
6 سبتمبر 2026
لم تسفر المحادثات التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع المبعوثَيْن الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو عن اختراق معلن، رغم وصف الكرملين لها بأنها "مفيدة للغاية"، والبيت الأبيض بأنها "جوهرية".
وبقي الموقف الروسي على حاله تقريبًا، فموسكو تقول إنها تتقدم ميدانيًا، وتتمسك بشروطها لإنهاء الحرب، بينما انتقل المبعوثان الأميركيان إلى كييف في إطار محاولة جديدة من إدارة دونالد ترامب لإحياء مسار التسوية.
وتأتي هذه المحاولة بعد نحو سبعة أشهر من تعثر المسار الذي رعته واشنطن، إذ عُقدت آخر جولة من المحادثات الروسية-الأوكرانية بوساطة أميركية في شباط/فبراير الماضي، قبل أن يتراجع الزخم الدبلوماسي مع اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وانتقال جزء كبير من اهتمام واشنطن إلى الشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الحين، استمرت الاتصالات المتفرقة من دون عودة فعلية إلى مسار تفاوضي منتظم.
لكن الأشهر التي مرت منذ الجولة الأخيرة لم تحل العقدة التي عطلت المفاوضات أساسًا. فروسيا تطالب بانسحاب القوات الأوكرانية من كامل المناطق الأربع التي أعلنت ضمها، بما في ذلك أراض لا تزال تحت سيطرة كييف، إضافة إلى تخلي أوكرانيا عن مسعاها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
وقبل اجتماع بوتين بالمبعوثين الأميركيين، أكد الكرملين مجددًا أن هذا الموقف لم يتغير.
ونقلت وكالة رويترز عن شخص قريب من الكرملين أن بوتين لا يرى إمكانية للتوصل إلى اتفاق بشأن خط الجبهة قبل استكمال السيطرة الروسية على ما تبقى من منطقة دونيتسك، وأنه يعتقد، استنادًا إلى تقارير قادته العسكريين، أن ذلك قد يتحقق قبل نهاية العام. لكن محللين عسكريين غربيين يرون أن هذا الاحتمال بعيد في ظل بطء التقدم الروسي.
وتكشف دونيتسك جوهر المأزق، فموسكو لا تطالب بتثبيت خط الجبهة الحالي فحسب، بل بانسحاب أوكرانيا من أراض لم تستطع القوات الروسية السيطرة عليها، أي إنها تحاول تحويل تفوقها الميداني النسبي إلى تسوية تمنحها أكثر مما حققته عسكريًا.
وهنا تكمن المشكلة التي لم تستطع أشهر إضافية من الحرب حلها: لم تتمكن روسيا حتى الآن من فرض كامل مطالبها بالقوة، بينما تبدو قدرة أوكرانيا على استعادة جميع الأراضي المحتلة عسكريًا محدودة في الظروف الحالية. وفي المسافة بين هذين العجزين تحاول واشنطن إعادة فتح باب التسوية.
وفي هذا السياق، يكتسب تفصيل ورد في رواية الكرملين للاجتماع أهمية خاصة. فبحسب مساعد بوتين يوري أوشاكوف، لم تقتصر المحادثات على تسوية الحرب، بل تناولت أيضًا "قضايا اقتصادية ومشاريع روسية-أميركية كبيرة محتملة ذات منفعة متبادلة".
ويصبح هذا التفصيل أكثر دلالة إذا وضع إلى جانب ما حدث قبل أيام. ففي اجتماع لمجموعة العشرين في الولايات المتحدة، التقى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، في أول حضور شخصي للأخير في اجتماعات المجموعة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وأبلغ بيسنت نظيره الروسي أن التعاون الاقتصادي مع موسكو مرتبط بإنهاء الحرب.
وإذا وُضعت الواقعتان إلى جانب بعضهما البعض، ستظهر إمكانية استخدام العلاقة الاقتصادية نفسها أداة في التفاوض: لا انفتاح اقتصادي مع استمرار الحرب، فيما توجد مشاريع محتملة يمكن بحثها إذا تغيرت الظروف.
لا تقف الولايات المتحدة في هذه المفاوضات في موقع الوسيط فقط، بل تملك أوراقًا يحتاج إليها الطرفان ولا يستطيع أي منهما الحصول عليها من الآخر
وطبعًا لا يعني ذلك أن واشنطن عرضت تطبيعًا اقتصاديًا مقابل تنازلات روسية، إذ لم تُكشف تفاصيل المقترح الأميركي بعد، لكنه يشير إلى ورقة لا تستطيع موسكو الحصول عليها بمزيد من التقدم العسكري في دونيتسك: تغيير طبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة وتخفيف عزلتها الاقتصادية.
وهنا تحديدًا تختلف أوراق ترامب عن أوراق الطرفين المتحاربين، فالجيش الروسي يستطيع انتزاع مزيد من الأرض، لكنه لا يستطيع رفع العقوبات الأميركية أو فتح باب التعاون مع واشنطن. وهذه إحدى الأوراق القليلة التي يمكن استخدامها لتغيير حسابات الكرملين من خارج ساحة المعركة.
وفي الجهة المقابلة، تملك واشنطن شيئًا تحتاج إليه أوكرانيا ولا تستطيع الحرب نفسها توفيره، وهو ضمانات أمنية لما بعد توقف القتال، فكييف لا تريد وقفًا للحرب يتحول إلى فرصة لروسيا لإعادة بناء قوتها ثم مهاجمتها مجددًا، ولهذا ظلت الضمانات الأمنية جزءًا أساسيًا من المباحثات الأميركية-الأوكرانية، إلى جانب الخلاف الأصعب حول الأرض.
وبذلك لا تقف الولايات المتحدة في موقع الوسيط التقليدي فقط، بل تملك جزءًا من الأشياء التي يحتاج إليها الطرفان. فروسيا تريد من واشنطن ما لا تستطيع انتزاعه من أوكرانيا، من تخفيف للعزلة وانفتاح اقتصادي محتمل، بينما تحتاج أوكرانيا إلى ضمانات أمنية لا تستطيع تأمينها بمفردها. لكن بين الطرفين تبقى المشكلة التي عطلت الجولات السابقة: الأرض.
وتبقى فرص تحقيق اختراق مرتبطة بقدرة واشنطن على تضييق الفجوة بين مواقف الطرفين في الملفات الرئيسية. فروسيا لا تزال متمسكة بمطالبها الإقليمية، بينما تربط أوكرانيا أي تسوية بضمانات أمنية تحول دون تجدد الحرب.
ولم تتضح حتى الآن تفاصيل المقترح الذي تحمله إدارة ترامب، أو ما إذا كان يتضمن حوافز اقتصادية لروسيا وضمانات أمنية إضافية لأوكرانيا.
ومن المنتظر أن تتضح بعض ملامح هذا المقترح بعد محادثات ويتكوف وكوشنر مع زيلينسكي في كييف. وسيكون ملفا الأراضي والضمانات الأمنية المؤشرين الرئيسيين إلى ما إذا كانت الجولة الحالية قادرة على تجاوز الخلافات التي عطلت المسار التفاوضي خلال الأشهر الماضية.