"بطولة" جون ماكين الكارثية.. سيرة مخادعة لفاشي أصيل

كانت حياة جون ماكين مليئة بالتناقض والخداع (Getty)

احتفت وسائل إعلام أمريكية وعالمية كثيرة في السيناتور المتوفى قبل أيام، جون ماكين، باعتباره العدو اللدود للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وباعتبار أنه سياسي جمهوري يغرد خارج السرب، ويمارس السياسة بشيء من الاستقلال. لكن أيًا من هذا لا يبدو واضحًا في سيرته المليئة بالتناقضات، كما يوضح هذا التقرير المترجم من مجلة "جاكوبين" الأمريكية. فقد دعم ماكين معظم إجراءات ترامب، ووقف ضد الفقراء ومع تقليل الضرائب على الأغنياء، كما أنه أيد معظم الحروب الأمريكية، وأيد عمليات التدخل الممنهجة في سياسات الدول الأخرى.


توفي جون ماكين، السيناتور المنتخب عن ولاية أريزونا لست دورات جراء إصابته بالسرطان خلال عطلة نهاية الأسبوع، عن عُمر ناهز الحادية والثمانين عامًا، وهو الذي مثلت شخصيته مفارقة أكثر من كونها مجرد لغزًا. فقد بدا أن هناك مقابل لكل نسخة وجدت من شخصيات ماكين المختلفة، تجسدت في ظل متكرر لذلك الرجل المتناقض، ومع ذلك يتعايشان معًا بطريقة ما، جنبًا إلى جنب.

كانت الحرب بشكل أو بآخر شيئًا وراثيًا لماكين منذ ولادته، فقد كان والده وجده أدميرالات في البحرية الأمريكية

كانت إحدى شخصيات جون ماكين هي "العدو اللدود" لترامب. وكانت الأخرى إحدى أكثر حلفائه في الكونغرس موثوقية. وتركت نسخة من ماكين إرثًا مُدح من قبل اشتراكي بارز باعتباره "مثالًا لا مثيل له للكرامة الإنسانية". بينما عُرف عن الأخرى أنها تتسم بنوبات الغضب الشريرة، وتخطيط المذابح الجماعية للملايين من المدنيين. وتميزت إحدى شخصيات ماكين بأنه كان رجلًا مستقيمًا وصريحًا "مستقلًا "، ورجل دولة ذا مبادئ، لم يُخلق لعالم ما بعد ترامب الذي يتسم بالانتهازية المشينة، بينما مثلت الأخرى شخصًا جمهوريًا يمينيًا، اعتاد أن يُغيّر مواقفه بقدر ما كان يدير حملته الانتخابية. كيف يُمكن أن يكون ذلك؟

سيرة حياة ماكين ومهنته هي قصة هوس بالإعلام والثقافة السياسية المهيمنة بقدر ما كانت قصة حياة رجل. فقد وجدت المؤسسة السياسية التي ركزت على الرمزية والخطب الرنانة وقصص الحرب ومفهوم التعاون بين الأحزاب من أجل تحقيق مصالحها الحزبية، في شخصية ماكين مثلًا أعلى مناسبًا لكل الحالات، يمكنه أن يغذي هذه الدوافع والقناعات ببراعة من ناحية، بينما يتقدم بشكل مدروس من الناحية الأخرى لتنفيذ جدول أعمال الحركة المحافظة لما بعد الحرب، التي أسسها ويليام باكلي وباري غولدواتر. ومن هذا المنطلق، يعتبر ماكين واحدًا من أكثر السياسيين نجاحًا في الأربعين سنة الماضية، حتى وإن استعصت عليه جائزته النهائية في الفوز بالرئاسة إلى الأبد.

ابن الحرب "المقدس"

كانت الحرب بشكل أو بآخر شيئًا وراثيًا لماكين منذ ولادته، فقد كان والده وجده أدميرالات في البحرية الأمريكية، وشغل والده منصب قائد القوات الأمريكية في المحيط الهادئ خلال حرب فيتنام. وقبل ذلك، قاد ماكين الجد الغزو الأمريكي للجمهورية الدومينيكية لمنع عودة مؤيدي خوان بوش، الزعيم الإصلاحي المنتخب ديمقراطيًا في البلاد، الذي أطيح به من قبل انقلاب استولى على السلطة، قائلًا: " قد لا يحبك الناس عندما تُظهر قوتك مضطرًا، ولكنهم يحترمونك نتيجة لذلك ويتعلمون الالتزام، وأن يحسنوا التصرف عندما تكون قويًا".

اقرأ/ي أيضًا: من الملام على فوز ترامب؟

تبع ماكين مسيرة والده وجده في الخدمة العسكرية، وهو القرار الذي سيحقق في نهاية المطاف رأسمالًا سياسيًا لمدة أربعة عقود لسيناتور المستقبل. إذ ستصبح خدمة ماكين العسكرية عنصرًا أساسيًا في أساطيره السياسية اللاحقة. غير أنه وفقًا لملفه الذي نُشر عام 2008، فقد كان طيارًا غير مميز إلى حد كبير، وتسبب في تحطم الطائرات التي كان يقودها في كثير من الأحيان، وحسب جميع الروايات، بما في ذلك التعليقات الصادرة عنه شخصيًا، فقد كان مهتمًا بالاحتفال أكثر من أخذ تدريبه على محمل الجد. وتخرج في الترتيب الأدنى من دفعة مكونة من 899 شخصًا.

أثناء خدمته كطيار مقاتل في حرب فيتنام شعر ماكين بالإحباط من القيود التي فرضتها إدارة جونسون، واصفًا القادة المدنيين بأنهم "أغبياء تمامًا". وفي النهاية تم إسقاط طائرته وإلقاء القبض عليه، وتعرض لسنوات من التعذيب المروع، الذي تركه عاجزًا جسديًا لبقية حياته. من المفترض أن تكون تجربة ماكين قد غرست في نفسه كرهًا للتعذيب، وهو ما سيتحدث عنه لبقية حياته المهنية، مع أن سجله الفعلي بشأن هذه القضية ليس واضحًا بدرجة كبيرة. كما أنها غرست فيه الكراهية للفيتناميين الذين يصر على الإشارة إليهم دون اكتراث وبعد عقود من الحرب، بأنهم "حثالة".

استمر جون ماكين حتى يوم وفاته في الحصول على تقديرات متدنية باستمرار من مؤتمر القيادة المعني بالحقوق المدنية وحقوق الإنسان

ادعى ماكين فيما بعد أنه أثناء فترة سجنه، قام أعضاء في حركة السلام الأمريكية بزيارته وحثه على الاعتراف، وعندما رفض أخبروا خاطفيه أنه يجب عليهم "تصحيح تفكيره". كما اتهم اثنين من زملائه الأسرى بأنهم كانوا "متعاونين" و"يساعدون العدو بفاعلية"، بسبب التصريحات المناهضة للحرب التي أدلى بها أحدهم بينما كان أسير حرب، وهي تهمة طاردت هؤلاء الرجال لبقية حياتهم.

عند عودته من الحرب بدأ ماكين انخراطه في العمل السياسي، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى زوجته كارول التي خانها باستمرار أثناء وجوده في الأكاديمية البحرية، والتي كانت مقربة بشكل خاص من عائلة ريغان. عندما أطلق رونالد ريغان تحديه الرئيسي ضد جيرالد فورد في انتخابات عام 1976، استثمر ماكين الشهرة التي حققها كأسير عائد من الحرب في حملة ريغان من خلال الظهور معه في بعض المناسبات.

استمر ماكين في خيانة كارول بعد عودته إلى الوطن، ولاسيما بعد أن عانت من بعض التشوهات جراء حادث سيارة عام 1969، وفي نهاية المطاف قابل سيندي لو هينسلي، التي كانت أصغر منه بكثير، وهي وريثة لثروة والدها الموزع للجعة. ثم طلق كارول وتزوج من سيندي، الأمر الذي  وتّر علاقته مع عائلة ريغان إلى الأبد، لكنه وفر لنفسه إمكانية الوصول إلى ذلك النوع من الثروة اللازمة لبدء مسيرة مهنية في مجال السياسية.

موتور غير جدير بالثقة!

انتقل ماكين إلى ولاية أريزونا في عام 1981، وبعد ثمانية عشر شهرًا ترشح للكونغرس، متجاوزًا الاتهامات حول أصل ثرائه المفاجئ، ومصرحًا بأن أطول فترة عاش فيها في مكان واحد كانت في هانوي عندما كان أسيرًا. تلقت حملته تمويلًا جزئيًا من شركة والد زوجته، وانتهى المطاف بماكين منفقًا ستمائة ألف دولار على ذلك السباق الانتخابي الناجح.

ومع بداية عام 1982 أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن ماكين المنتخب حديثًا لم يكن من مؤيدي ريغان، بل جمهوريًا يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة، دون الاستناد إلى أيدولوجية محددة. انضم إلى الكونغرس كمحافظ تقليدي مناهضًا لسياسات ريغان، ومع ذلك فقد دعم سياسات الرئيس الاقتصادية المتعلقة بالإمداد وإدخال تعديلات متوازنة على الميزانية، وعارض مشروع قانون تكافؤ الحقوق، والنقل بالحافلات، وإنفاق الأموال الفدرالية على عمليات الإجهاض للنساء الفقيرات.

وفي عام 1983، عارض ماكين إقامة احتفال سنوي تخليدًا لذكرى يوم مارتن لوثر كينج، وهو تصويت سيتنصل منه علنًا بعد ذلك بستة عشر عامًا عندما يرشح نفسه لمنصب الرئيس للمرة الأولى. مما ساهم في بدء ما يمكن وصفه على أقل تقدير بأنه علاقة معقدة مع الأفروأمريكان  في الولايات المتحدة.

إلى جانب دعمه الهادئ لترامب، يتمثل إرث ماكين طويل الأمد، في المدنيين الذين قتلهم، والبلدان التي دمرها، والمناطق التي زعزع استقرارها من خلال سياسته الخارجية العدوانية

وفي حين أن ماكين سعى في نهاية المطاف إلى إنشاء نسخة من الاحتفال داخل الولاية، على الرغم من أنه لم يقم بذلك قبل دعمه لحاكم ولاية أريزونا لإلغاء اعتراف الولاية بكينج، وقد أفادت بعض التقارير أنه ادعى وجود علاقات مزيفة مع عدد قليل من القادة السود المحليين البارزين في أريزونا، ورغم كل ذلك فإن معظم مجتمع السود في الولاية نادرًا ما رأوه أو سمعوا عنه. وفي عام 1990، كان تصويت ماكين حاسمًا، إذ مكن جورج بوش الأب ليكون أول رئيس منتخب يستخدم حق النقض ضد إجراءات الحقوق المدنية، أي قانون الحقوق المدنية لعام 1990. وحتى يوم وفاته، سيستمر ماكين  في الحصول على تقديرات متدنية باستمرار من مؤتمر القيادة المعني بالحقوق المدنية وحقوق الإنسان، وهي حقيقة تتنافى مع ثناء رئيس المؤتمر عليه عند وفاته.

رغم ذلك فقد استمر ماكين في صياغة مسيرته المهنية بصفته متمردًا جمهوريًا، وهو السلك الوظيفي الذي خرج عن مساره بفضيحة كيتينغ فايف. وفي نهاية المطاف، تقرر إدانة ماكين الذي تدخّل حتى يتساهل المنظمون الفيدراليون مع رجل الأعمال تشارلز كيتنغ، وهو متعهد بناء تجمعه به علاقة شخصية ومالية منذ عدة سنوات، بأنه قد أساء الحكم على المسألة.

صناعة الرجل "المستقل"

أسس ماكين مركزه بصفته شخصية "مستقلة" في بداية مسيرته المهنية على خلفية عدد قليل من الانحرافات عن العقيدة الجمهورية. وقد أُشيد به لتصويته مع دعاة حماية البيئة بشأن بعض القضايا، والعمل على "الشؤون الهندية" للتعامل مع الأمريكيين الأصليين داخل الولايات المتحدة، ودعم العقوبات ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والإعراب عن نيته في مناشدة الناخبين من الأقليات، واصفًا نفسه بأنه "يراعي" مخاوف غير البيض. كما استُشهد بمحاولاته الرامية إلى تنظيم استهلاك منتجات التبغ ومعارضة الإعلانات التي تروج للإيثانول، كما شجع ماكين الانفتاح الدبلوماسي على فيتنام خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات.

بيد أن القضية التي ساهمت بدرجة كبيرة في خلق هذه الصورة تمثلت في إصلاح تمويل الحملات الانتخابية، الأمر الذي تابعه ماكين  طوال حقبة التسعينات والعقد الأول من هذا القرن. وجاءت إحدى أبكر المرات التي ورد فيها وصف ماكين بكلمة "مستقل" في مقالة نُشرت في صحيفة واشنطن بوست عام 1993، في سياق سعيه لذلك الإصلاح. وجاءت مثل هذه الأوصاف في كثير من الأحيان إلى جانب صور لشخصية ماكين المستغرق في الأفكار.

عزز ماكين هذه الصورة خلال حملته الانتخابية عام 2000، التي حملت رسالة شعبوية إلى حد ما من خلال التشديد على إصلاح تمويل الحملات الانتخابية، وإدانة أعضاء جماعات الضغط، والدعوة إلى إغلاق الثغرات في الضرائب المفروضة على الشركات، ومهاجمة القس جيري فالويل والقس بات روبرتسون، واصفًا كلاهما بأنهما "عملاء للتعصب". وكان واحدًا من اثنين من أعضاء الحزب الجمهوري اللذان صوتا ضد تخفيضات بوش الضريبية للأثرياء، وطلب منه جون كيري أن يترشح لمنصب نائبه في الانتخابات، وتفاخر العديد من الديمقراطيين المنجذبين إلى بريق مبدأ تأييد الحزبين بالعمل معه. وبحلول الوقت الذي ترشح فيه للرئاسة في عام 2008، أصبح إفراطه في استخدام مصطلح "المستقل" بمثابة نكتة.

بحلول الوقت الذي ترشح فيه ماكين  للرئاسة في عام 2008، أصبح إفراطه في استخدام مصطلح "المستقل" بمثابة نكتة سياسية شائعة أمريكيًا

يُعزى الكثير من ذلك إلى العلاقة الودية التي تربط ماكين، الذي يمكن أن يكون اجتماعيًا ومرحًا بحق، بالصحفيين وغيرهم. وقد تعزز وضعه بوصفه الليبرالي المفضل لدى الجمهوريين من خلال ظهوره المتكرر في البرنامج التلفزيوني الإخباري الكوميدي الساخر "ذا ديلي شو"، حيث تبادل النكات مع جون ستيوارت. ويدل أسلوبه على ثقته بنفسه.

لاحظ المراقبون الحريصون، كما فعلت صحيفة تورنتو غلوب وميل الكندية في عام 2008، أن ماكين كان في الواقع "جمهوريًا متشددًا مع بضع نقاط اختلاف عن التيار السائد للحزب". وحتى عام 2017، حصل ماكين على تقييم 81% عن مسيرته من اتحاد المحافظين الأمريكيين. وحصل على نتائج قياسية باستمرار من لجنة الأسر العاملة، وهي لجنة للعمل السياسي التقليدي، تهتم بالسوق الحرة، بما في ذلك أربعة تقييمات بنسبة 100% منذ عام 2009. وعلى الرغم من سمعته باعتباره المصلح النظيف، فقد مهد ماكين لحملته الانتخابية عام 2000 من خلال توجيه إحدى أعضاء جماعات الضغط المتخصصة في مجال الاتصالات، التي اعتادت على التفاخر بصلتها به، بالاختفاء عن الأنظار.

على الرغم من إدانته للقسين فالويل وروبرتسون - مدفوعًا جزئيًا على الأقل بسبب هجومهما عليه في الانتخابات التمهيدية عام 2000 - وجد ماكين قضية يناصرها في اليمين الديني. فقد أعطت مجموعة الضغط الأصولية المتشددة "كريستيان فويس - الصوت المسيحي" ماكين تقييمًا وصل إلى 92% في عام 1987، وهو الأعلى في ذلك الوقت. كما أكد ماكين سرًا لغاري باور، رئيس مجلس بحوث الأسرة (التي وصفت بأنها مجموعة كراهية معادية للمثليين من قبل مركز قانون الحاجة الجنوبي)، أنه على خلاف بوش، سيعين القضاة المناهضين للإجهاض إذا ما وصل إلى رئاسة الجمهورية، مما أكسبه تأييده في عامي 2000 و2008.

ومثله مثل الأصوليين الذين من المفترض أنه يحتقرهم، أراد ماكين إبطال قضية "رو ضد ويد"، مع إقرار أن الإجهاض فعل غير قانوني باستثناء حالات قليلة فقط. كما حصل على تقييم سيء للغاية من المنظمات المناصرة لحق الإجهاض، بينما منذ عام 2009 وحتى وفاته حصل على تقييم بنسبة 100% من اللجنة الوطنية للحق في الحياة كل عام. وعندما حان الوقت للترشح للرئاسة مرة أخرى، تبنى بسرعة معتقدات جيري فالويل وبدأ باقتباس عبارات بشأن "صحة المرأة" في سياق الإجهاض.

يُعد هذا التغيير الظاهري الواضح في الاتجاه جزءًا من قرار أوسع اتخذه ماكين لكي يقفز بشكل واضح في دائرة اليمين التقليدي، الذي يظهر فيه احتضانه - حرفيًا - لجورج دبليو بوش الذي كان منافسًا له في يوم من الأيام، ودعواته المفاجئة إلى جعل التخفيضات الضريبية على ذوي الدخل المرتفع التي أيدها بوش دائمة. لقد صدم ذلك الشخصيات الإعلامية وغيرهم ممن ظنوا أن ماكين شخصية محببة، وصاحبة مبادئ، ومحنكة سياسيًا.

لم يكن ماكين في الواقع  إلا جمهوريًا متشددًا مع بضع نقاط اختلاف عن التيار السائد في الحزب

في الحقيقة، فهم لم يكونوا منتبهين. فحتى في عام 2000، عندما عومل ماكين لأول مرة بوصفه "مستقلاً"، لعب لعبة التودد إلى الديمقراطيين في بعض الولايات بينما كان يوبخ بوش على أنه ليبرالي أكثر من اللازم في الولايات الأخرى. ففي أثناء الحملة الانتخابية في ولاية ساوث كارولينا، وصف العلم الكونفدرالي بأنه "رمز العنصرية والعبودية"، ثم وصفه في اليوم التالي بأنه "رمز للتراث"، واعترف في وقت لاحق بالكذب خوفًا من ردود الفعل السياسية.

كان ماكين يميل إلى هذا التمويه السياسي لأنه كان مدفوعًا إلى حد كبير بالطموح الواضح، كما أوضح في مذكراته الصادقة بشكل ملحوظ في عام 2002. فقد كتب قائلًا: "لقد تطلعت إلى التميز في الحياة. وسعيت لنيل الشهرة والنفوذ من أجله".

وأردف قائلًا، "لم أقرر الترشح للرئاسة لبدء حملة صليبية وطنية للإصلاحات السياسية التي أؤمن بها أو لأدير حملة انتخابية كما لو كانت بمثابة عملًا وطنيًا كبيرًا. في الحقيقة، لقد أردت أن أصبح رئيسًا لأن طموحي أصبح أن أكون رئيسًا. كان عمري 62 عامًا عندما اتخذت هذا القرار، واعتقدت أنها كانت فرصتي الوحيدة للفوز بهذه الجائزة.

اقرأ/ي أيضًا: هل صممت المنظومة الأمريكية لتحمّل رئيس مثل ترامب؟

إن تعطش ماكين إلى "الشهرة والنفوذ" قاده إلى ما قد يكون أدنى لحظة في حياته المهنية. فقد تضاءلت احتمالات فوزه بالرئاسة في عام 2008، وأطلق واحدة من أكثر الحملات العنصرية في الذاكرة الحديثة، وشن هجمات شخصية بذيئة على أوباما في الخطابات والإعلانات التلفزيونية، وألمح إلى نظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة حول المرشح الديمقراطي. وفي أثناء هذه العملية، فقد أثار هذا النوع من الكراهية المخيفة والعنصرية التي استحضرت ترشح ترامب بعد مرور ثماني سنوات، مما أدى إلى تصاعد التهديدات بالقتل ضد أوباما.

وبسبب المزيج من المرارة نتيجة لخسارة الانتخابات والقلق من فقد مقعده، قام ماكين بالمزيد من التحول إلى اليمين بعد هزيمته. لقد أصبح عدوًا عنيدًا لأوباما، وانضم إلى زملائه من الجمهوريين في حملتهم الناجحة لعرقلة جدول أعمال الرئيس الجديد بأي ثمن، وقاد الاتهام ضد إصلاحات الرعاية الصحية وتنشيط الاقتصاد الذي كان من شأنه المساهمة في منع حدوث كساد عظيم آخر. وأشار الصحفيون الليبراليون إلى القضايا التي تمتد من تغير المناخ إلى إصلاح تمويل الحملات الانتخابية، وصولًا إلى الخدمة العسكرية للمثليين في الجيش، فقد تخلى ماكين عن مواقفه السابقة في جميع هذه القضايا، وتساءلت شخصيات إعلامية عما حدث للرجل الذي كانوا يعتبرونه بطلًا في السابق.

يُعتبر جون ماكين سياسيًا محافظًا تقليديًا، ويتمثل أعظم إنجاز له في إقناع الناس بأنه لم يكن كذلك

في 2015، سيتم إحياء مكانته في المؤسسة الليبرالية والوسطية من خلال إهانات ترامب المثيرة للشفقة تجاهه، والتي أثارت دفاعات حادة عن عضو مجلس الشيوخ وسجله الحافل. منذ عام 2015، انتقد ماكين باستمرار ترامب، كما هاجم الرئيس لفظيًا بشكل منتظم، ومن خلال ذلك، حاول إصلاح مكانته بين الليبراليين والوسطيين الذين لم يخب آمالهم فيه إلا منذ سنوات قليلة. ومثل تغيير الانتماء في مصارعة المحترفين، لم تمحى الأجزاء المقلقة من تاريخ ماكين بقدر ما تم نسيانها وتجاهلها بشكل مفاجئ.

من ناحية أخرى، استخدم ماكين انتقاداته لترامب لإخفاء دعمه الراسخ لأجندة الرئيس، وأعماله الآن مدفونة باستمرار تحت غطاء من التغطية الإعلامية التي ترسمه بشكل خارق على أنه شريف ومحترم ومؤيد من كلا الحزبين.

في هذه الأثناء، تعهد ماكين علنًا بعرقلة أي اختيار لعضوية المحكمة العليا، سواء من اختيار أوباما أو كلينتون وصوت بنسبة 83 في المائة لصالح أجندة ترامب، متحديًا إياه في قضايا من قبيل رفع سقف الديون لمنح الإغاثة لمتضرري الأعاصير، وفرض العقوبات على الخصوم الجيوسياسيين. وقد كانت الأساطير التي بُينت حول ماكين مغرية للغاية لدرجة أن الصحفيين الذين قاموا بإنشاء هذا المقياس، أصيبوا بحيرة كبيرة فيما يتعلق بشرح أهمية خطاب ماكين المتناقض.

ووصل ذلك إلى ذروته مع المشهد غير الواقعي في وسائل الإعلام الرئيسية، الذي أولى أهمية كبيرة إلى عودة ماكين المصاب بسرطان في الدماغ من إقامته في المستشفى الممول من دافعي الضرائب، لتوجيه الدعوة إلى حزبه بشأن إلغاء مشروع قانون الرعاية الصحية الأمريكي "أوباما كير"، في حين أنه صوت مرتين للمضي قدمًا في هذا القانون ذاته. فقد صوّت ماكين، الذي راهن بسمعته السياسية على مدى السنوات التسع الماضية على وعده بتجريد الملايين من رعايتهم الصحية، بشكل مفاجئ ضد "الإلغاء الضعيف" لمشروع القانون في النهاية، وذلك نظرًا لأنه لم يستطع الحصول على ضمانات بإلغاء أوسع للقانون. ثم صوَّت لصالح مشروع قانون الضرائب البلوتوقراطي الهزلي الذي أصدره الحزب الجمهوري، والذي أُفسد بسببه قانون أوباما كير، بينما سمح لأبناء ماكين بتلقي ميراث يقدر بحوالي 22 مليون دولار مُعفى من الضرائب.

 استخدم ماكين انتقاداته لترامب لإخفاء دعمه الراسخ لأجندة الرئيس، وأعماله الآن مدفونة باستمرار تحت غطاء من التغطية الإعلامية

يُعد رفض ماكين ترك مقعده آخر أعماله على الإطلاق، على الرغم من تغيبه عن مجلس الشيوخ منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي، وعلى الرغم من أن 62% من ناخبي الحزب الجمهوري يعتقدون أنه كان يجب أن يستقيل للسماح بانتخاب بديل، فقد أكد أن المقعد سيتم شغله من قبل مرشح جمهوري، خلال انتخابات عام 2020.  مما يعني أن اختيار ترامب لأعضاء المحكمة العليا، الذي يؤيده ماكين، من المرجح أن يتم تأكيده، وأن ترامب والحزب الجمهوري سيكون لهما حليف آخر في الكونجرس حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لقد كان ذلك نهاية مناسبة لمسيرة ماكين المهنية. فبينما كان على وشك الموت، نفذ مناورة حزبية حاذقة، منح من خلالها ترامب انتصارًا كبيرًا من شأنه أن يساعد على خنق التشريعات التقدمية في المستقبل، ويحتمل أن يحصن الرئيس من التحقيق، كل ذلك في الوقت الذي تتحدث فيه العناوين الرئيسية في الصحف عن مدى كراهية الرجلين لبعضهما البعض.

ممر آمن وسريع لأجل المحافظين الجدد

يستحق جزء واحد من إرث ماكين اهتمامًا خاصًا: ألا وهو سياسته الخارجية.

من المصادفات الملائمة أن الاسم الأكثر ارتباطًا بماكين "المستقل"، هو نفسه اسم صاروخ جو- أرض "مافريك" الذي استخدم لأول مرة في فيتنام، ومنذ ذلك الحين استخدم في كلا الحربين ضد العراق. وإلى جانب دعمه الهادئ لترامب، يتمثل إرث ماكين طويل الأمد، في المدنيين الذين قتلهم، والبلدان التي دمرها، والمناطق التي زعزع استقرارها من خلال سياسته الخارجية العدوانية.

لم يبدأ ماكين حياته السياسية داعيًا إلى الحرب. فقد عارض التدخل العسكري في وقت مُبكر، مستخدمًا تجربته المروعة في فترة الحرب كمبرر، وعارض قرار ريغان بنشر القوات المستمر في لبنان عام 1983، ووجه الانتقادات لميزانيته الدفاعية المتصاعدة، وحثه على الضغط من أجل الحد من التسلح مع الاتحاد السوفييتي. وأعرب عن معارضته لتدخل بيل كلينتون في هايتي وحاول إجباره على سحب قواته من الصومال، قائلًا إنه "كلما طال تواجدنا، ازدادت صعوبة المغادرة"، وأن الخسائر في أرواح الأمريكيين هناك كانت "مأساوية" و "لا داعي لها".

 لعب ماكين عام 2000 لعبة التودد إلى الديمقراطيين في بعض الولايات بينما كان يوبخ بوش الإبن على أنه ليبرالي أكثر من اللازم في الولايات الأخرى

كان ماكين واقعيًا أكثر من كونه مناهضًا للتدخل العسكري في الدول الأخرى. فقد كان دعمه للمغامرات الأجنبية مرتبطًا دائمًا بمفهومه عن مصالح الولايات المتحدة وإمكانية النجاح. ولذلك، بعد تحذير بوش من التدخل العسكري في بنما، أيد ماكين الإطاحة بنورييغا عام 1989 بالقوة. وأثار ضجة حول رغبته في إبقاء الولايات المتحدة خارج العراق أثناء حرب الخليج الأولى، لكنه أيدها في النهاية، معلنًا أنه "إذا أخفقنا في التصرف، فسيكون هناك حتمًا سلسلة من الدكتاتوريين أمثال صدام حسين".

اقرأ/ي أيضًا: انسحاب الضرورة لا السلام.. عن أكاذيب البروباغندا الأمريكية حول حرب فيتنام

كان ماكين خلال حقبة الثمانينات، مؤيدًا صامدًا لقوات الكونترا في نيكاراغوا، وهي القوات شبه العسكرية المعروفة بشن موجة من القتل والتعذيب والاغتصاب في أمريكا الوسطى. وعندما قطع الكونغرس المساعدات إلى الكونترا (وهي خطوة قال ماكين إنه سيُنظر إليها على أنها "نقطة متدنية في تاريخ الولايات المتحدة" من قبل المؤرخين)، تبرع بمبلغ 400 دولار من ماله الخاص إلى المؤسسات الخيرية التي أنشئت لتحويل الأموال إلى فرق الموت.

في ذلك الوقت، كان ماكين عضوًا في المجلس الاستشاري لمجموعة أنشأتها الرابطة العالمية المناهضة للشيوعية، وهي منظمة موالية للكونترا، وكان فرعها في أمريكا اللاتينية معاديًا للسامية بشكلٍ كبير وداعمًا لمجموعات مؤيدة للنازية. عملت هذه المجموعة كواجهة عامة لإمداد المساعدات غير القانونية إلى الكونترا.

انتقل ماكين في تسعينات القرن الماضي، بعد انتهاء الحرب الباردة وبعد التدخلات العسكرية في الخليج ويوغسلافيا، التي دعمها أيضًا، بشكل جدي إلى اليمين المحافظ الجديد. وشغل منصب رئيس مشروع المواطنة الجديد الذي أسسه بيل كريستول، المؤسسة الأم لمشروع القرن الأمريكي الجديد - PNAC، وبدأ الضغط من أجل شن الحرب في العراق في أواخر عام 1990. وبعد أحداث الـ 11 من أيلول/سبتمبر بشهر واحد، اقترح ماكين ارتباط العراق بموجة هجمات الجمرة الخبيثة التي ضربت الولايات المتحدة. وانضم المحافظون الجدد البارزون من مشروع القرن الأمريكي الجديد إلى حملته الرئاسية.

امتد دعم ماكين للتدخل الأمريكي في الدول الأخرى لما هو أبعد من مجرد التدخل العسكري. فمنذ عام 1993، شغل ماكين منصب رئيس المعهد الجمهوري الدولي، وهو منظمة شبه حكومية ممولة من الشركات الخاصة يقوم بالتدخل في سياسات الدول الأخرى، لدفع إصلاحات السوق الحرة. وفي التسعينات، ساعد المعهد على التأثير في الانتخابات في منغوليا وروسيا، مسببًا عواقب وخيمة لمواطني الدولتين. وإلى جانب الانخراط في هذا النوع من التدخل في الشؤون الانتخابية الذي وصفه ماكين في الآونة الأخيرة بأنه "عمل حربي"، ضاعفت المنظمة جهودها كأداة لتفعيل نفوذ مجموعات الضغط ومديري الأعمال لكي تحظى بالقبول لدى ماكين.

 دعم ماكين جميع النزاعات العسكرية التي جاءت في طريقه منذ تحوله واقترابه من المحافظين الجدد، بما في ذلك حرب أفغانستان والحرب الكارثية في ليبيا. لم تتسبب هذه الحرب الأخيرة في ظهور أسواق العبيد العلنية في البلاد فحسب، بل أدت إلى تفاقم أزمة المهاجرين الحالية، وزعزعة استقرار المنطقة من خلال السماح بتدفق الأسلحة إلى المتطرفين في سوريا ومالي والحدود التونسية.

امتد دعم ماكين للتدخل الأمريكي في الدول الأخرى لما هو أبعد من مجرد التدخل العسكري، وصولًا للتدخل في سياسات الدول الأخرى، دفعًا لشروط  السوق الحرة

وإلى جانب مزاحه بشأن قصف إيران، دعا ماكين جديًا إلى استخدام القوة لمنعها من الحصول على الأسلحة النووية، واقترح على إسرائيل أن "تتصرف بعنف" لتقويض اتفاق أوباما مع إيران. كما ضغط من أجل شن غارات جوية ضد كوريا الشمالية، وانضم مؤقتًا لأوباما في الدعوة إلى شن هجمات على سوريا، وقام بإرسال أسلحة إلى المملكة العربية السعودية من أجل حربها في اليمن، وهي كارثة إنسانية لا توصف. في تلك الأثناء، شبه أوباما بنيفيل تشامبرلين عندما صافح راؤول كاسترو.

منح انتخاب ترامب ماكين انتصارًا كبيرًا في السياسة الخارجية. فقد وجه ماكين انتقادات لترامب بشكل شبه حصري بسبب خطابات السياسة الخارجية، والذي اعتبرها غير متشددة بشكل كاف تجاه روسيا، وهو استمرار لنفس الانتقادات التي وجهها ماكين خلال سنوات إدارة أوباما. وعلى الرغم من انتقاد ماكين لترامب علنًا​​، فقد سمحت إدارته أخيرًا ببيع الأسلحة إلى أوكرانيا، وهي سياسة أمضى ماكين سنوات دون أن ينجح في تحقيقها في ظل قيادة أوباما.

ومثلما كان دعم ماكين للقوى المعادية للشيوعية في الثمانينات سببًا في وضعه في نفس الصف مع القوى الموالية للنازية، كذلك كان دعمه لأوكرانيا في السنوات الأخيرة من حياته. لقد وقف ماكين جنبًا إلى جنب مع الفاشيين الجدد المعادين للسامية عدة مرات كجزء من دعمه للتحصين ضد بوتين في أوكرانيا، وهناك أدلة على أن بعض الأسلحة الأمريكية قد وصلت إلى أيدي قوات اليمين المتطرف هناك.

من السابق لأوانه أن نتوقع كيف ستصبح السياسة الأوكرانية التي ضغط ماكين من أجلها حتى يوم وفاته. ولكن اعتمادًا على كيفية تطور الأمور، يمكن أن يصبح إرث سياسته الخارجية أكثر قتامة مما هو عليه بالفعل.

أعظم خدعة

 صمد ماكين لما يقرب من أربعة عقود في قلب القوة الأمريكية النابض، مُسلّحًا بتواضعه وذكائه الملفت للنظر وقصة حياته القوية التي تحفز مشاعر الوطنية، من خلال الإعلام الساحر والثقافة السياسية التي تتطلع دومًا إلى اليمين العقلاني المعتدل. في سنواته الأخيرة، كان واحدًا من أوائل السياسيين الذين أدركوا قوة إدانة ترامب في الخطابات، واستخدمها بنجاح في دفع اهتماماته التقليدية، وهي السياسة الخارجية شديدة العدوانية واقتصاديات السوق الحر، ودعم جدول أعمال ترامب بدون أن يلوث تراثه بسبب عدم شعبية الرئيس.

وقف ماكين جنبًا إلى جنب مع الفاشيين الجدد دومًا نظرًا لتشربهم قواعده للسياسة الخارجية

كما يعتبر دعمه لجدول أعمال ترامب، بالإضافة إلى عمله الذكي وجهده الناجح على الأرجح في ضمان الحصول على أغلبية يمينية في المحكمة العليا، هو حكم إعدام فعلي لأي من الأسباب المعتدلة التي ادعى ماكين مناصرتها. وإذا ما تم إنقاذها، فلن يكون ذلك بسبب خطابات ماكين، ولكن بسبب حركة جماهيرية تتألف من الأمريكيين العاديين الذين تضرروا بشكل مفرط من السياسات التي دفعها ماكين أثناء وجوده في السلطة.

ربما كان أكبر انتصار لماكين هو أنه مات بعد أن حقق "الشهرة والنفوذ" التي لطالما كان يتوق إليهما. وبعد أن أدت خطبته الانتخابية البذيئة وعرقلته في عهد أوباما إلى إضعاف مكانته العامة، أعاد إصلاح صورته، ونال الكثير من التقدير بشكل مفرط بعد وفاته من قبل الطبقة الإعلامية التي رفضته في وقت من الأوقات، وكل ذلك لم يغير شيئًا من سياساته، وإن كان هناك أي تغيّر فهو تحركه أكثر نحو اليمين المتطرف. هكذا إذًا تكون أصول لعبة الخداع في مسرح عرائس السياسة الأمريكية!

 

اقرأ/ي أيضًا: 

خسائر فادحة في صفوف الجنود الأمريكيين والسبب.. تعاطي الأفيون!

تشاك هاجل.. كنا سنضرب الأسد!