بطولة المحاولة أسمى من بطولة العبور وأبقى
15 مايو 2026
في روايته السيريّة "عبور مؤجل"، الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، يوثّق الكاتب العربي السوري عبد الله مكسور تجربة شديدة الخصوصية، يسرد من خلالها محاولته دخول الأراضي الفلسطينية عبر الأراضي الأردنية، رفقة صديق فلسطيني، كان من المفترض أن يغدو دليله في الأرض المحتلّة.
جسر الملك حسين، جسر اللنبي، معبر الكرامة، كلها مسمّيات مختلفة لذات الفجوة الزمنيّة المنغرسة في الحدود الفاصلة بين الأردن وفلسطين وفق خرائط سايكوس بيكو، هناك حيث ينتصب الجنود والحدود والبوابات والأعلام على حد سواء، لا لشيء سوى للتأكد من تعكير صفو الحلم الفلسطيني في العبور إلى الوطن، والتيقّن من تنكيس كافة الرايات التي لم تزل تخفق في قلوب العائدين إلى وطنٍ ما عادوا يملكون من أمره شيئًا.
يمضي مكسور صوب البوابات بقدمين ثابتتين، نافيًا بذلك أيّة علاقة بين حلمه ولقبه، فعبد الله لم يعرف في هذه الرحلة انكسارًا، على الرغم من أنها لم تُفضِ سوى إلى تأجيل جديد للحلم الجامع لغالبية العرب الشرفاء، أي العبور، العبور بكافة تفاسيره وطيوفه ونتائجه، العبور كمرادف للخطو فوق عتبة الخوف، هو عبور الخائف من ظلمة الكابوس، وعبور الكلمات فوق ألسنة اعتادت أن تُلجم فلا تبوح، وعبر أفواه دجّنت على أن تنغلق فلا تتنفس من هواء بلادها إلا النُذر اليسير، فقط ما يكفي لاستمرار صفة الحياة، وليس ما يملأ الصدور.
يمتلك مكسور عينًا لاقطة وذاكرة فوتوغرافية، ويوظّف ذلك لنقل تجربة قاسية يعيشها الفلسطينيون كل يوم، وكل ساعة، تجربة انكسار عمدي، صبغها التكرار بالعادية، فما عادت أمرًا يستحق الذكر، حتى في المرويّات الأدبية الفلسطينيّة، إلا فيما ندر. نحن هنا نسير حذو عبد الله مكسور، نرى من خلال عينيه، نختبر صبرنا ونخابر القلق مع كل خطوة يزرعها فوق أراضٍ تناديه ولا يقو على صد النداء، وتستنجد بنا فنتوارى خلف ظل عبد الله مكسور، وكلنا أمل في أن يفلح هو في عبوره، فنحتفل بانتصاره، ثم ننسبه إلى أنفسنا.
يمتلك مكسور عينًا لاقطة وذاكرة فوتوغرافية، ويوظّف ذلك لنقل تجربة قاسية يعيشها الفلسطينيون كل يوم، وكل ساعة، تجربة انكسار عمدي، صبغها التكرار بالعادية، فما عادت أمرًا يستحق الذكر، حتى في المرويّات الأدبية الفلسطينيّة
يُشرّح كاتبنا العربي هنا عقلية الاحتلال ونفسيّة جنوده، يلتقط كافة الأدلة المتاحة من اللافتات والنظرات والوجوه والكلمات ولغة الجسد، ليثبت أن الاحتلال حالة معيشيّة كاملة، لا يمكن اختزالها في جندي ودبابة أو صاروخ ومُسيّرة، إذ هو حياة يعيشها الفلسطيني منذ اليقظة وحتى السبات، تجربة اكتملت فيها أركان الردع والقهر والمذلة، خلية سرطانية غير مرئية، زرعت في كل جسد فلسطيني مثخن بالهزائم، فنمت وترعرعت أسفل عيون العالم، وبمباركة دوله العظمى ومجالسه الأممية.
يشحذ هذا الاحتلال كافة السبل والوسائل التقنية والبشرية، لكي يُرسّخ في صدر الفلسطيني شعورًا بأن حياته برمتها محصورة بين لوحين زجاجيين يقبعان أسفل الميكروسكوب، لا عين سوى عين الاحتلال تراه، ولا أحد غير المحتلّ يراقب أنفاسه، ويتحكّم في مسارات حياته، بداية من تحديد إقامته بين حدود لا تنفك تتكاثر في كل صبحيّة تهلّ على أرض فلسطين، ومطاردته بالعدسة المكبَّرة إبان ركضه في دروب تغدو في كل نهار أضيق من الليلة الفائتة، وحتى عبر التصاميم الهندسية التي يضعها ليربك الفلسطيني ويثبّت القلق في خلاياه من انكشاف جرم أو خطأ لا يعرف ماهيته، ولا يدرك متى ارتكبه، لكن الاحتلال لا يرضى سوى بمراكمة تلك الهواجس في نفسه، حتى بات كل امرئ يتنفس من خلال قبضة الاحتلال، يحتفل بانتصاره إذ ينال -بعد لأي- واحد من أبسط حقوقه الإنسانية، تلك هي استراتيجية الاحتلال، الذي لا يفوته أن يعلق في غرف تحقيقاته لافتة تقول "ونحن أقرب إليك من حبل الوريد"!
لقد حشد عبد الله مكسور كمًّا هائلاً من تفاصيلٍ لا تتوقف أمامها غالبية العابرين، لكنه أحسن بذلك إلى حكايته وأخلص، بل إنه برع في صبغ روايته بصدقيّة نادرة كلما أوغل في سرد رحلته بتصويرٍ سرديٍ ذي إيقاع بطيء أشبه بالسينما التسجيليّة، فنحن هنا لسنا أمام حكاية عادية تستلزم في كتابته مفتتح وتمهيد ثم ذروة، بل إننا نعيش تجربة شعورية كاملة نجح الكاتب في نقلنا إليها ببراعة وإتقان نادرين، حد أنني خرجت من آخر صفحات هذه الرواية، وقد شعرت بإنهاك عظيم.
فور انتهائي من قراءة هذه الحكاية الأليمة، عدت بالزمن إلى الوراء، كما الناظر إلى الأثرِ إذ يؤثر الابتعاد حتى تتضح الصورة وتنجلي تفاصيلها، شردتُ في فصول التاريخ منذ بداية القرن الماضي، ثم تساءلت عن أهليّتنا كعرب للعبور، سؤال مشروع عن أمة عبرها التاريخ، وما تزال بحلم العبور متشبثة، ففطنت إلى ما مرّرته هذه الرواية منذ عتبتها الأولى، أي عنوانها، وارتدت إلىّ أصداء الصرخة التي أطلقها عبد الله مكسور في مستهل كتابه، وانشغلت عنها بتتبع مفردات التجربة ورصد حياة تسري وراء التفاصيل.
ختامًا، وكما تقول اللافتة المعلقة في مكاتب الشاباك، تلك الأشواك الباردة المنغرسة في غرة فلسطين: "العبرة بما قيل، وليس من قاله"، يمكن أن نقول أن العبرة في المحاولة، وليست فيمن حاول. هكذا يقدم عبد الله مكسور نفسه هنا كتجربة، كحالة شعورية، كعلامة إعراب تسبح فوق رأس المفعول بهم، لا ليتبوأ مكانة البطل، بل لكي يلفت الأنظار إلى الإعراب الصحيح لما جرى ويجري.
العبور هنا لا يضمن الانتصار، وكل عابر ليس بالضرورة بطلاً، إذ تكمن البطولة في محاولة العبور إلى الضفة الأخرى من تاريخك المخطوف، حتى وإن كنت باستحالة فرصتك عليمًا. وفي ذات الوقت، فإن الهزيمة لا يمكن تصويرها بالفشل في العبور رغم تراكم العقبات، لقد أصبحت الآن على ثقة من أن الفشل الوحيد الذي يتوجب علينا تفاديه، هو أن نتوقف عن المحاولة، مهما تراصت على حدودنا المستحيلات.