ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

بطلان وطعون وتشكيك.. هل تُعاد الانتخابات البرلمانية المصرية بالكامل؟

3 ديسمبر 2025
الانتخابات المصرية
شابت المرحلةَ الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية عملياتُ تزوير واسعة (Getty)
عماد عنانعماد عنان

بعيدًا عن ضجيج المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية المصرية، التي ما زال الحسم فيها معلّقًا، شهد المشهد السياسي مفاجأة غير مسبوقة بإلغاء نتائج نحو 70% من دوائر المرحلة الأولى، بينها 29 دائرة بحكم المحكمة الإدارية و19 دائرة بقرار الهيئة الوطنية للانتخابات.

إنها المرة الأولى في تاريخ البرلمان المصري التي تُسقط فيها أحكام الإلغاء بهذا الحجم المزلزل؛ فمعظم دوائر المرحلة الأولى تُعاد فيها الانتخابات من جديد، وكأن العملية برمتها تُكتب من الصفر.

هذه الأحكام الاستثنائية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد سيل من الطعون التي تقدم بها مرشحون أو ممثلوهم، وبعد مراجعة دقيقة لملفات الطعون ومحاضر الفرز وتقارير المفوضين، وفي النهاية رأت المحكمة أن "مخالفات جوهرية" ضربت جوهر العملية الانتخابية، وفق ما نقلته الصحف المحلية.

ولأن الصورة تجاوزت حدود الأخطاء الفردية، يرى مراقبون أن حجم الإلغاء واتساع نطاقه الجغرافي—الذي شمل معظم محافظات الجمهورية—وضع الانتخابات المصرية أمام علامة استفهام كبرى. فهل نحن مقبلون على إعادة الانتخابات من بدايتها؟ وهل يمكن تمرير برلمان بهذه التركيبة التي تعصف بها الشكوك؟

أسئلة ثقيلة تفرض نفسها، وتترك المشهد معلقًا بين القلق والترقب، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ البرلمانات المصرية.

إنها المرة الأولى في تاريخ البرلمان المصري التي تُسقط فيها أحكام الإلغاء بهذا الحجم المزلزل؛ فمعظم دوائر المرحلة الأولى تُعاد فيها الانتخابات من جديد، وكأن العملية برمتها تُكتب من الصفر

نزاهة الانتخابات على المحك

يرى الكاتب الصحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين المصريين، محمد سعد عبدالحفيظ، أن ما شاب العملية الانتخابية منذ لحظاتها الأولى، وما تلاها من قرارات صادرة عن المحكمة الإدارية والهيئة الوطنية، يضع نزاهة الانتخابات المصرية تحت المجهر، ويجعلها تقف على حافة الشك.

في مقالٍ حاد اللهجة، يذكّر عبدالحفيظ بأن الهيئة الوطنية للانتخابات، بما تمتلكه من صلاحيات دستورية وقانونية، هي هيئة قضائية مستقلة لا يحق لأي طرف—مهما كان موقعه—أن يقترب من عملها أو يملي عليها قرارًا، فإذا شعرت الهيئة، ولو للحظة، بأن حكمًا ما قد مسته تدخلات خارجية أو ضغوط غير معلنة، فإن واجبها الأخلاقي والقانوني يحتم عليها التنحي لحماية حيادها وهيبتها أمام الرأي العام.

ويتابع مشيرًا إلى أن "الفيتو" الذي لوّح به الرئيس عبد الفتاح السيسي تجاه بعض التجاوزات الانتخابية أعاد إحياء النقاش القديم الجديد حول مساحة التداخل بين السلطة التنفيذية والهيئة الوطنية، في وقتٍ لا تزال فيه ثقة الناس في الإشراف القضائي حجر الزاوية في ضمان نزاهة أي استحقاق انتخابي.

ولأن النزاهة ليست شعارًا بل ممارسة، يؤكد عبدالحفيظ أن الطريق إليها يتطلب إرادة سياسية واضحة لا لبس فيها؛ إرادة تبدأ بـ مراجعة القوانين الانتخابية، ورفع يد السلطة التنفيذية عن تفاصيل العملية الانتخابية، وضمان حرية الأحزاب والمرشحين في الحركة والتعبير، وتوفير منابر إعلامية عادلة ومتوازنة.

كما يشدد على ضرورة منح الهيئة الوطنية اليد العليا في إدارة المشهد الانتخابي من أوله لآخره، وتمكينها من اتخاذ قرارات حاسمة بحق المخالفين، ومحاسبة المسؤولين الذين يتقاعسون عن تطبيق القانون.

بهذا المنطق، يضع عبدالحفيظ إصبعه على الجرح، مؤكدًا أن استعادة نزاهة الانتخابات ليست أمنية، بل مسؤولية شجاعة تبدأ من أعلى مستويات الدولة وتنعكس على كل مفصل في العملية الانتخابية.

عوار في النظام الانتخابي

من الواضح أن النظام الانتخابي المعمول به في هذه الانتخابات — ذلك النظام المختلط الذي يجمع بين 50% مقاعد فردية و50% فقط للقائمة المغلقة — كان كفيلاً بإشعال الجدل قبل أن تُعلن نتائجه حتى، فالقائمة المغلقة، التي احتكرتها القائمة الوطنية المكوّنة من أحزاب الموالاة ومعها بعض أحزاب المعارضة الرمزية، كانت قد ضمنت الفوز مسبقًا تقريبًا، فيما انحصر نطاق الإلغاء حتى الآن — وفق قرارات المحكمة الإدارية العليا — على مقاعد الفردي في الدوائر التي شهدت خروقات واضحة.

ويرى محللون أن جذور الأزمة السياسية الحالية لا تنبع من الطعون وحدها، بل من صلب النظام الانتخابي ذاته، ففي قراءة حادة للمشهد، يعتبر نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، أن هذا النظام هو الذي دفع العملية الانتخابية نحو المأزق الراهن.

ويصف نظام القائمة المطلقة بأنه "نظام مصادرة لإرادة الناخب"، لأنه يفتح الأبواب على مصراعيها أمام المال السياسي، والرشاوى الانتخابية، وبيع المقاعد داخل الأحزاب، بل وحتى توريثها داخل القائمة الوطنية، على حد قوله.

ويجد هذا التشخيص صدى لدى أستاذ القانون الدستوري، الدكتور جمال جبريل، الذي يؤكد أن القائمة النسبية الحزبية هي الخيار الأمثل لمصر في هذه المرحلة، ففي هذا النظام، يخوض كل حزب الانتخابات بقائمة مستقلة ويحصل على مقاعد تتناسب مع النسبة الحقيقية لأصواته، ما يعني تمثيلًا أدق وتعددية سياسية أوسع، بعيدًا عن احتكار مشهد انتخابي بأكمله لصالح قائمة واحدة.

ويشير جبريل إلى أن مفتاح التغيير الحقيقي يكمن في يد البرلمان نفسه، فهو الجهة الوحيدة المخوّلة دستوريًا بتعديل النظام الانتخابي وتحديد مستقبله، الأمر الذي يضع مسؤولية ثقيلة على عاتق المؤسسة التشريعية: إما تعزيز التعددية السياسية، أو الإبقاء على نظام يفاقم الاحتقان ويزيد فجوة الثقة بين الناخبين وصناديق الاقتراع.

بهذه الآراء، يتكشف أن الأزمة ليست تقنية ولا إجرائية، بل سياسية بامتياز؛ أزمة نظام انتخابي يحدد شكل الحياة الديمقراطية قبل أن يُدلي الناخب بصوته.

الإعادة هي الخيار الأفضل

يمضي هاشم ربيع في كشف ملامح الخلل الذي أصاب العملية الانتخابية، مؤكدًا أن قرار المحكمة الإدارية العليا لم يكن قانونيًا فحسب، بل يحمل إنذارًا سياسيًا ثقيلًا بأن العملية برمتها فقدت نزاهتها وحيادها.

فالهيئة الوطنية — كما يقول — اتخذت سلسلة من القرارات الخاطئة: بدءًا من الإصرار على نظام القائمة المغلقة المطلقة، مرورًا باستبعاد مرشحين معارضين قبل الاقتراع، وصولًا إلى الصمت عن مظاهر القبلية وشراء الأصوات وتجاوزات اللجان الفرعية، وهي كلها عوامل صنعت المشهد المرتبك الذي يعيشه المصريون اليوم.

ويصف ربيع هذه الانتخابات بأنها إحدى أعقد اللحظات الانتخابية في تاريخ مصر الحديث، خاصة بعد إلغاء نتائج 48 دائرة دفعة واحدة، مما يضع البرلمان المقبل أمام امتحان شرعية لا يُستهان به، مؤكدًا أن أقل ما يمكن فعله هو إعادة الانتخابات في الدوائر التي أُبطلت، بينما يرى أن الحل الأمثل هو إعادة الانتخابات كاملة واعتماد نظام انتخابي جديد، بعدما أثبت النظام الحالي عجزه وفشله في إنتاج تمثيل حقيقي يعبر عن إرادة الناخبين.

ويشير ربيع إلى أن حجم الإخفاقات كان كبيرًا لدرجة دفعت الرئيس عبد الفتاح السيسي للتدخل لوقف ما وصفه بـ"الانزلاق نحو تكرار مشاهد 2010"، معتبرًا هذا التدخل سابقة سياسية لم يشهدها النظام منذ تعديل مبارك عام 1984.

الإعادة بين الاستبعاد والسيناريوهات

مع اتساع رقعة الإلغاءات التي طالت معظم دوائر المرحلة الأولى، ومع ترقّب موجة جديدة من الطعون ضد نتائج المرحلة الثانية، عاد الجدل إلى الواجهة حول سيناريو إعادة الانتخابات بالكامل، وهو طرح أشعل خلافًا واضحًا بين الساسة والخبراء، فالبعض يرى أن ما حدث ينسف العملية من أساسها، فيما يعتبر آخرون أن الحديث عن إعادة كاملة هو مجرد توقعات لا تستند إلى أرض صلبة.

في هذا السياق، استبعد المستشار المدير التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات، أحمد بنداري، بشكل قاطع إمكانية إلغاء انتخابات مجلس النواب برمتها، رغم بطلان نتائج 48 دائرة من أصل 70 في المرحلة الأولى. وأكد في تصريحاته صحفية له أن الهيئة ماضية في استكمال جدولها الزمني دون تراجع، مشددًا على أن "فكرة الإلغاء الشامل مستحيلة في غياب أي سند تشريعي أو دستوري يدعمها"، خاصة بعد إعلان نتائج رسمية وفوز مرشحين بالفعل.

ويتفق معه عدد من الخبراء الدستوريين، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الله المغازي، الذي أوضح أن إعلان نتائج المرحلة الأولى «أغلق الباب قانونيًا ودستوريًا أمام إلغاء العملية من بدايتها»، لكون هذا الخيار كان متاحًا فقط قبل إعلان النتائج.

ومع ذلك، لا يغلق المغازي الباب تمامًا، مشيرًا إلى وجود سيناريوهين استثنائيين قد يفتحان الطريق لإلغاء شامل: الأول عبر حكم من المحكمة الدستورية العليا، والثاني من خلال قرار رئاسي بحل البرلمان وفقًا للصلاحيات التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية.

بهذا المشهد المزدحم بالاحتمالات، تبقى العملية الانتخابية المصرية معلّقة بين ضرورات الاستمرار ومتطلبات الشرعية، في لحظة سياسية لا تخلو من الأسئلة الثقيلة.

مأزق قانوني حرج

من جهته، يرى المحامي والحقوقي والمرشح البرلماني السابق صبري جاد أن ما جرى من إلغاءات أصاب شرعية العملية الانتخابية في جوهرها، حتى باتت في نظر المصريين عملية مهتزة فقدت ثقتهم، فحتى لو أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أبطلت، يعتقد جاد أن الضرر وقع بالفعل، وأن الشعب لن يتعامل بجدية مع برلمان "يولد مشوهًا"، ولن يمنحه الثقة أو يحترم ما يصدر عنه من قوانين وقرارات.

ومن هنا يؤكد أن الحل الوحيد هو إعادة الانتخابات كاملة وفق نظام يتيح القوائم النسبية، ويمنع أي تدخل إداري، مع مواجهة المال السياسي بصرامة لا تهاون فيها.

وفي قراءة أكثر تعقيدًا للمشهد، يتوقع جاد أن تواجه العملية الانتخابية أزمة قانونية حادة في حال مضت الهيئة الوطنية للانتخابات في تحديد مواعيد جديدة للدوائر الملغاة، تزامنًا مع مباشرة محكمة النقض النظر في الطعون المحالة إليها.

إذ قد يحدث أن تُعاد الانتخابات في دوائر معينة ويفوز مرشحون جدد، بينما تقضي محكمة النقض في الوقت ذاته ببطلان فوز مرشحين سابقين لم يدخلوا الإعادة أصلًا، وفي هذه الحالة ستُبطَل الدائرة بالكامل من جديد، ويعاد فتح باب الترشح أو تعاد الانتخابات بين جميع المرشحين، في حلقة قانونية معقدة تهدر المال العام وتربك العملية الانتخابية برمتها.

 يرى الحقوقي والمرشح البرلماني السابق صبري جاد أن ما جرى من إلغاءات أصاب شرعية العملية الانتخابية في جوهرها، حتى باتت في نظر المصريين عملية مهتزة فقدت ثقتهم، فحتى لو أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أبطلت

ويذهب الحقوقي المصري إلى أن المخرج القانوني الآمن يتمثل في مسار واضح يبدأ بإرجاء تحديد مواعيد الإعادة في الدوائر الملغاة، ثم الإسراع في إحالة ملفات الطعون إلى محكمة النقض، وتحديد جلسات عاجلة للفصل في شقّها العاجل دون تأخير.

وبعد انتهاء محكمة النقض من نظر الطعون وحسمها، يمكن للهيئة الوطنية للانتخابات تحديد موعد جديد لإجراء العملية الانتخابية على أساس قانوني مستقر، يضمن تكافؤ الفرص، ويجنب البلاد تكرار الفوضى الانتخابية والمزيد من إهدار المال العام.

اختبار حسّاس

في ضوء هذا المشهد الملتهب، تبدو الانتخابات الراهنة أكبر اختبار يتعرض له النظام السياسي المصري منذ سنوات، اختبارًا يكشف هشاشة البنية الانتخابية ويهدد بظهور برلمان مشوّه يفتقر إلى “الدسم الشرعي” وإلى الحد الأدنى من الثقة الجماهيرية.

فبين دوائر أُبطلت، وطعون تتراكم، ونظام انتخابي يصرّ على إنتاج الإقصاء بدل التمثيل، تقف البلاد أمام مفترق طرق خطير: إما تصحيح المسار قبل أن يفقد البرلمان المقبل مكانته وشرعيته، أو المضي نحو مؤسسة تشريعية تولد مثقلة بالشكوك، عاجزة عن أن تكون صوتًا حقيقيًا للشعب أو ركيزة مستقرة لدولة تبحث عن اتزانها السياسي.

وفي كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف انتخابي، بل إنذار مبكر بأن الثقة—وهي رأس مال أي عملية ديمقراطية—تتآكل على نحو غير مسبوق، وأن استعادتها باتت ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.

كلمات مفتاحية
عدن

عدن المخنوقة بالمعسكرات تبحث عن حياة مدنية

على مساحة لا تتجاوز 750 كيلومترًا مربعًا، أي كامل الرقعة الجغرافية للعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تتوزع معسكرات وتشكيلات عسكرية عدة داخل أحياء مكتظة بالسكان

ترامب في الأمم المتحدة

مشروع ترامب لتجاوز الأمم المتحدة: "مجلس السلام" في غزة يفتح باب الصدام الدولي

مجلس السلام يحمل في طياته بياناً سياسياً خطيراً؛ مفاده أن العالم لم يعد يُحكم بالقانون، بل بالقوة التي تمتلك السلاح والنفوذ

دونالد ترامب

ترامب بعد عام من ولايته الثانية: إعادة رسم الشرق الأوسط بقوة النفوذ والصفقات

بعد انقضاء عام على بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بات جليًا أنه عاد إلى البيت الأبيض بنهج أكثر صدامية، وبجرأة أكبر في توظيف النفوذ الأميركي خارجيًا

صورة تعبيرية
علوم

دراسة علمية: التفكير الإيجابي يعزز فعالية اللقاحات

تعزّز هذه الدراسة الفكرة القائلة إن العقل والجسد يعملان كوحدة متكاملة، وأن للحالة النفسية دورًا يتجاوز الشعور بالراحة ليصل إلى التأثير في العمليات البيولوجية الأساسية

غسان كنفاني
قول

حلقتان ضعيفتان في الأدب الفلسطيني

لا توجد كتابة أدبية ناضجة تحن إلى ماضٍ جميل باندفاعات عاطفية سطحية

منتخب المغرب
رياضة

تصنيف الفيفا.. المغرب يحقق أعلى تصنيف في تاريخ المنتخبات العربية

كان لنتائج كأس أمم أفريقيا تأثير كبير على تصنيف الفيفا، حيث شهد التصنيف تغييرات ملحوظة في مواقع العديد من المنتخبات

عدن
سياق متصل

عدن المخنوقة بالمعسكرات تبحث عن حياة مدنية

على مساحة لا تتجاوز 750 كيلومترًا مربعًا، أي كامل الرقعة الجغرافية للعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تتوزع معسكرات وتشكيلات عسكرية عدة داخل أحياء مكتظة بالسكان