بضع بتلات سمراء تصنع رمزًا وطنيًا لفلسطين

بضع بتلات سمراء تصنع رمزًا وطنيًا لفلسطين

(Getty)

تلتف بتلاتها اللامعة على بعضها البعض، تصطبغ باللون البنفسجي المائل للسمرة، وتتخذ الواحدة منها شكل السهم، تتوسطها بقع صفراء اللون، ترتكز جميعها على ساق خضراء متينة تتشبث بالأرض بكل قوتها، وتصطف واحدة تلو الأخرى لتشكل مشهدًا فريدًا من نوعه، وكأنها بساطة غجرية قاتمة تفترش سهول فقوعة الخضراء لتنتهي مع التقاء السماء بالأرض.

لا تنحصر أهمية السوسنة على المعاني الجمالية والوطنية المختزلة فيها، بل تعدتها لفوائد علاجية، حيث تستعمل أوراقها لعلاج الحروق والجروح والسعال

في مطلع نيسان من هذا العام، كانت قرية فقوعة الفلسطينية على موعدها السنوي مع ازدهار سوسنتها النادرة، واحتفاءً بهذه المناسبة توجت الملكة السمراء لتكون الزهرة الوطنية لفلسطين، حيث صادق مجلس الوزراء الفلسطيني على هذا القرار خلال جلسته الأسبوعية في مدينة رام الله قبل عدة أيام.

اقرأ/ي أيضًا: غزة..ورود دانا للسلام

تتمتع هذه السوسنة بالكثير من المزايا التي دفعتها لتحظى بهذا اللقب، فهي نبتة متفردة عالميًا، تتوطن مناطق فقوعة وجلبون الواقعتين بالقرب من مدينة جنين، وتعتبر من أندر أنواع السوسن في العالم، كما تتبع للصنف الملكي من الأزهار، وتنتمي لعائلة السوسنيات.

من جهته يقول عالم النباتات البرية، والخبير في التنوع الحيوي د.بنان الشيخ: "لم يكن اختيار هذه الزهرة عشوائيًا، إنما جاء مبنيًا على الكثير من التجارب والمقياسات العلمية، والمعايير الوطنية، والتي دفعت بالمختصين لاختيار السوسن ليكون رمزًا لنا، وليروي حكاية جذوره العميقة والمتأصلة في هذه الأرض".

ويردف: "للسوسنة أبعاد وطنية ظهرت منذ القدم، فهي الرمز الذي يتكون منه شعار الكشافة الفلسطينية، كما أنها تتمتع بجمال قل نظيره، حتى أن سحرها يلفت كل من ينظر إليها لتلك الدرجة التي دفعت بالأباطرة وملوك الغرب لنقش صورتها على جدران قصورهم وأبوابها".

ولقد اعتبرت سلطة جودة البيئة اختيار سوسن فقوعة زهرة وطنية ما هو إلا تثبيتًا للحق الفلسطيني، ودعمًا لصمود المواطن في أرضه، لما تعانيه دولتنا من محاولات تزييف وسرقة التراث الطبيعي والثقافي وتحويله لصالح شعب آخر، وأشارت في تصريح صحفي بأن فلسطين تزخر بتنوع حيوي قل نظيره في بقاع العالم، فمثلاً سوسنة فقوعة لا توجد بأي مكان في العالم سوى فلسطين، كما أنها نبتة مقدسة لدى الكثير من الديانات والشعوب لظنهم بأنها تسبح لله، فتزرع فوق المقابر بهدف التخفيف عن الموتى.

وعلى إثر اختيار هذه الزهرة كرمز وطني فلسطيني، يدعو مجلس الوزراء جميع المؤسسات المعنية إلى إضافتها لقائمة الشعارات الوطنية، ويطالب الجهات المسؤولة بإصدار الطوابع والميداليات والرموز التي تكرس هذه النبتة كعنصر أساسي من تراث بلادنا، كما يوجه وسائل الإعلام المحلية إلى العمل على تنمية الوعي الجماهيري بأهمية حماية البيئة، والمحافظة على عناصر التراث الطبيعي من السرقة والتزييف، علاوة على إظهار الوجه الحضاري والمتميز للمجتمع الفلسطيني في حماية محيطه الأخضر.

لم يقتصر لون السوسن الفلسطيني على البنفسجي القاتم الذي امتازت به سهول فقوعة عن غيرها من المناطق، فقد تواجد منه البنفسجي الفاتح والأزرق والأبيض، وينتشر في جبال نابلس، وجنوب برية القدس، ومنطقة البحر الميت والأغوار، وصحراء النقب.

اقرأ/ي أيضًا: أجمل 6 أعياد شعبية في أوروبا

كما تتوارى قوة وصلابة عجيبة لهذه الزهرة خلف جمالها الآسر، فهي تحظى بقدرة عالية على تحمل الظروف البيئية القاسية، والصمود وسط الصحراء القاحلة، وتحمل درجات الحرارة المرتفعة، علاوة على بزوغها من بين الصخور والأودية والتلال.

لا تنحصر أهمية السوسنة على المعاني الجمالية والوطنية المختزلة فيها، بل تعدتها لفوائد علاجية، حيث تستعمل أوراقها لعلاج الحروق والجروح والسعال، عدا عن استخدام زيتها كدواء مسكن لبعض الآلام، وأما ساقها الأرضية فيمكنها معالجة السعال والربو عن طريق غليانها وشربها، كما يستخرج من أزهارها زيت عطري يدخل في صناعة الصابون، وبعض أنواع مساحيق التجميل، ومعاجين الأسنان.

إن الاهتمام بهذه الزهرة يتزايد نظرًا لتعرضها لخطر الانقراض، وذلك لقلة أعدادها، وصغر المساحات التي تنمو فيها، فالمجتمع النباتي لهذه الأنواع محدود ومحصور في مساحة جغرافية ضيقة، إضافة لعدم قدرتها على التكاثر بالبذور المحصورة داخل كبسولة صلبة جدًا وصعبة الكسر للإنبات.

وفي هذا الصدد يقول مدير عام المصادر البيئية في سلطة جودة البيئة، د.عيسى عدوان: "تسعى سلطة البيئة للحفاظ على زهرة السوسن الفريدة، والتقليل من خطر تعرضها للانقراض، حيث يتم ذلك بعدة طرق، أهمها التركيز على التوعية الجماهيرية بمكانة هذه الزهرة، وضرورة الحفاظ عليها في موطنها الأصلي الذي خرجت منه".

يتابع: "تتم هذه التوعية عن طريق التعاون المشترك بيننا وبين المزارعين والمواطنين في مناطق فقوعة وجلبون وغيرها، وذلك لحثهم على تقدير النبتة، ووقف الممارسات الخاطئة بحقها، ومحاولة الحفاظ على المناطق التي تنمو فيها كمحميات طبيعية بعيدًا عن الرعي الجائر والزحف العمراني".

ويذكر عدوان طريقة أخرى يتبعونها للحد من انقراض السوسنة، تكمن في محاولة تلقيحها والعمل على تكاثرها في المختبرات من أجل إنتاج مجموعات جديدة منها مما يحفظ استمرار وجودها وإمكانية استعمالها كنبتة زينة، مما يجعلها ذات أثر ومردود اقتصادي، وهذا يدفع المواطنين للتمسك بها بشكل أكبر.

من الجدير بذكره أن فكرة اعتماد زهرة وطنية ليست بالجديدة، فقد طرحت قبل حوالي ست سنوات، وكان هناك عدة مقترحات تتضمن أهم النباتات البرية في فلسطين مثل الزنبق، والزعتر البري، والنرجس، وغيرها لكن المنافسة الأقوى كانت تدور بين شقائق النعمان وزهرة السوسن.

ومما لا شك فيه أن هناك عدة امتيازات حظيت بها السوسنة لتجعلها تتفوق على شقيقة النعمان بالحصول على هذا اللقب، وفي هذا يقول عدوان: "شقائق النعمان زهرة تنتشر بكثرة في حوض البحر الأبيض المتوسط كاملاً، فهي متواجدة في الأردن، وسوريا، ولبنان، وغيرها، كما أنها غير مهددة بالانقراض، وعلى النقيض من ذلك فإن ندرة سوسنة فقوعة، وتوطنها في فلسطين دون أي مكان آخر بالعالم هو الذي دفعها لأن تستحوذ على هذا المركز الوطني، فمن خلال تنصيبها كزهرة وطنية يمكننا تسليط الضوء عليها أكثر، وتعريف العالم بها والدعوة للحفاظ عليها".

اقرأ/ي أيضًا: 

سيوة..مدينة الملح والتاريخ

المغرب..دعوات لتخصيص يوم وطني للخصوبة