بسام حجار في نثره.. محاورة الأزمنة

بسام حجار في نثره.. محاورة الأزمنة

ملف: بسام حجار.. شاعر المتاهة

إذا كان الشعر عند بسام حجار (1955 – 2009) هو اللاوعي المُحمل بالشك والقلق والريبة، والمساحة التي يُعبّر فيها، إلى جانب أشياء كثيرة، عن التزامه وانشغاله بقضايا الفرد الذاتية، من خلال روايته قصة إنسانٍ يقيم علاقة فريدة مع الحياة، بما تنطوي عليه من متاعب وتجارب مؤلمة؛ فإن نثره هو المساحة التي يمكن فيها لمس وعيه، والتعرف إليه كمثقفٍ موسوعي مُلم بالأدبين العربي والعالمي معًا.

يأتي بسام حجار إلى الكتابة محملًا بالقلق والارتياب، ولا يجد طمأنينته سوى في النص الذي يعادل عنده البيت

تتقاطع هذه الترسيمة، إلى حدٍ ما، مع رؤية الشاعر البرتغالي فرناندو بيسو للنثر، باعتباره شيئًا من الحرية المُطلقة، ووسيلة تضمن للكاتب التحدث بحرية تامة. إذ إن النثر، وبحسب تعبير حجار، تجسيد حرفي للكلمة الحرة، ومساحة توفر إمكانية غير محدودة للتعبير عن العالم والتفكير فيه أيضًا، وقناة تتيح نقل نتاج عملية التفكير هذه إلى الآخر بلغةٍ رفيعة، تبدو غامضةً بقدر وضوحها.

اقرأ/ي أيضًا: ملف| بسام حجار في الآخرين.. كما لو أنه قصيدة جماعية

وبغض النظر عن رؤية بسام حجار للنثر، إلا أنه يمكن اعتبار نثره إشارةً إلى هذه الحرية التي تحدث عنها بيسو في كتابه "اللاطمأنينة"، وهي حرية نجدها، إن تتبعناها، في التنوع والثراء المعرفي والثقافي الذي تنطوي عليه نصوصه النثرية، والإشارة المستمرة ضمنها، باطنًا وظاهرًا، إلى كتّابٍ وشعراءٍ كُثر، قرأهم حجار وأقام معهم علاقة فريدة من نوعها، مثل بيسو وبورخيس وابن عربي ومجنون بن عامر وغيره.

الإشارة إلى هؤلاء الكتّاب، أو إلى بعض نصوصهم بشكلٍ أدق، يجعل من النثر عند الشاعر اللبناني مساحة مخصصة لمحاورة كتّابه المفضلين، بحيث يعيد ضمنها مقاربة أفكارهم وإعادة قراءتها وبنائها في سياقاتٍ مختلفة تمامًا.

ويشير هذا الحوار الباطني، بدوره، إلى سعة ثقافة حجار ووعيه، وانشغاله أيضًا بأسئلةٍ وقضايا ثقافية مختلفة، وقدرته على كتابة نثرٍ عابرٍ للأزمنة، بلغةٍ متماهية مع التراث العربي الكلاسيكي أحيانًا، كما هو الحال في كتابه "معجم الأشواق"، وأخرى معاصرة ولينة تنتمي إلى زمننا الراهن في أحيانٍ أخرى، وهو ما ينطبق على مجموعته "الرجل الذي أحب الكناري"، فبينما يبدو "معجم الأشواق" قادمًا من زمن مضى وانتهى، لا سيما لجهة لغته الكلاسيكية الرفيعة، تبدو مجموعته الأخيرة، بلغتها المرنة، كما لو أنها وليدة اللحظة، وربما مكتوبة على مواقع التواصل الاجتماعي لتوّها.

في "معجم الأشواق" يتجلى وعي ومعرفة بسام حجار بالأدب العربي الكلاسيكي عمومًا، والشعر خصوصًا، وهو وعيٌ بلوَرَ عنده قناعة مفادها أن أدب العرب وشعرِهم انشغل بالجنس على حساب الحب، الأمر الذي دفعه إلى وضع مؤلَّفه هذا الذي اقترح فيه كتابةً جديدة عن الحب، حاور فيها ابن حزم وابن عربي، وأعاد تأليف ما قدّماه وفق قراءته الخاصة، فتجاوز الحب إلى تفاصيله الصغيرة، مثل اللمس: "أعمق لحظات التخاطب بين متكلمين أو صامتين"، والنظر الذي: "يُستكمل به الاطمئنان المتكرر لحضور الآخر"، والإصغاء أو الإنصات بما هو: "تنبّهًا ويقظة حواس"، وغيره.

وبالإضافة إلى وعيه، نعثر في نثر الراحل، "معجم الأشواق" مثالًا، على شخصيته كقارئ، لا عبر محاورته لكتّابه المفضلين فقط، وإنما من خلال الاقتباسات الصغيرة التي سبقت نصوصه، حيث يحضر فيها أبو حامد الغزالي، وابن حزم، ومجنون بني عامر، وابن عربي، والأصبهاني، وسيوران، وغيره. وعبر حضورهم، نتعرف إلى حجار قارئًا يُتقن طريقة توظيف قراءاته في نصوصه بعد تفكيكها وإعادة تركيبها، مما يجعل من مُجمل أعماله النثرية خريطة سرية لقراءاته المختلفة.

يحمل "معجم الأشواق" إشارة إضافية إلى بسام حجار القارئ، تتمثل في سؤال: كيف تمكن شاعرٌ تتصفُ حياته بالصمت والعزلة والانزواء، بالإحاطة بكل هذه التفاصيل الدقيقة حول الحب وتفاصيله؟ الغريبة منها والمألوفة؟ بالقراءة، قراءة الأدب، مهنته الخفية الحاضرة في مجمل أعماله النثرية.

"صحبة الظلال" أحد أعماله التي تشكل صورته كمثقفٍ وقارئٍ شديد الحساسية، ولعل أول نصوصه المعنون بـ "ها أنت الآن"، هو أحد أكثر النصوص المحملة بالمعاني داخل المجموعة، إذ تتداخل فيها صورة القارئ مع صورة الكاتب، بالتزامن مع إشاراتٍ مستمرة إلى بورخيس وبيسو وأجوائهما القريبة جدًا من مناخ النص، بل ويمكن وصفه بأنه نصٌ بورخيسي بيسيوي بامتياز.

يسرد النص قصة شخص تحاصره في طريقه إلى بيته فكرة ضياع البيت، وغيابه عن ناظريه، الأمر الذي يُثير قلقه فيسرع الخُطى باتجاه البيت قبل أن يختفي، بالتزامن مع دخول أفكار/ مخاوف جديدة على الخط، يقول: "ماذا لو قامت الحرب الآن؟ ماذا لو أغمي عليّ؟ وماذا لو لم يكن أحد هنا؟ ماذا لو أخطأت المدينة والشارع والوقت؟ ماذا لو أن كل ذلك مجرد حلم، وأنني ما زلت هناك (في المكان الخطأ) وأحلم بالأمتار القليلة وبالنافذة الشمالية وماذا لو لم أصل؟".

كتابات بسام حجار النثرية هي المساحة التي يمكن فيها لمس وعيه، والتعرف إليه كمثقفٍ موسوعي مُلم بالأدبين العربي والعالمي معًا

ينتهي النص بدخول شخصه إلى البيت، حيث سيشعر بالطمأنينة أخيرًا بعد سيل المخاوف التي حاصرته في طريقه إليه. وعدا عن الإشارة إلى بيسو وبورخيس وأجوائهما، يمكن اعتبار النص وصفًا دقيقًا لرحلة بسام حجار نحو الكتابة، فهو يأتي إليها محملًا بالقلق والارتياب، ولا يجد طمأنينته سوى في النص الذي يُعادل البيت، حيث يجد طمأنينته.

اقرأ/ي أيضًا: ملف | مختارات من قصائد بسام حجار.. كمن يتكلم في نومه

وبالإضافة إلى ما سبق، يمكن اعتبار النص أعلاه وصفًا لطريقته في القراءة وتوظيف قراءاته في نصوصه النثرية خصوصًا، إذ يبدو صاحب "مهن القسوة" تمامًا كما لو أنه يخشى نسيان ما يقرأ، أو غياب معناه تحديدًا، فيذهب باتجاه توثيقه وأرشفته عبر إعادة كتابته في نثره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بسام حجار: مَزارٌ بِجَنبِ الطريق

الأعمال الشعرية الكاملة لبسام حجّار.. كلمات صاحبها الأسى