بروباغندا باللون الوردي.. كيف توظف إسرائيل المثلية الجنسية لشرعنة جرائمها؟

بروباغندا باللون الوردي.. كيف توظف إسرائيل المثلية الجنسية لشرعنة جرائمها؟

تستغل إسرائيل قضايا المثليين لتغطية انتهاكاتها (Getty)

ألترا صوت - فريق التحرير

يلقى الخطاب الإسرائيلي بخصوص قضايا المثلية الجنسية، اهتمامًا بالغًا في هذه الأيام، حيث صار من المكشوف استخدام السلطات الإسرائيلية لهذا الخطاب، من أجل التعتيم على الانتهاكات الحقوقية بحق الفلسطينيين، وللتأكيد على الصورة النمطية التقليدية، عن واحة الديمقراطة الوحيدة في الشرق الأوسط، التي يحيط بها التخلف والاستبداد من كل الجهات.

تستقطب تل أبيب عشرات آلاف السياح، ما حولها إلى وجهة للسياحة المثلية، من خلال تصدير صورة المجتمع المنفتح المتقبل والرائد في قضايا الجنسانية

وتتكرر المشاهد بين الفترة والأخرى، التي تستغل من خلالها إسرائيل هذا الخطاب الحقوقي، حيث تنتشر في المدونات والصحافة أخبار عن الرعاية الرسمية للحركة المثلية في إسرائيل، وعن المساواة التي يحظى بها المثليون والمتحولون جنسيًا في المؤسسات الإسرائيلية، أو عن المكان الآمن الذي يفر إليه بعض المثليين العرب والفلسطينيين من ويلات مجتمعاتهم، لكن الأهم، أن هذا الخطاب يتجاوز هذه الدعايات المتفرقة، وقد وصل بالفعل في السنوات الأخيرة إلى مستوى ممنهج ومنسق من البروبغاندا، ترعاه الدولة بشكل مباشر.

بدأت الحكومة الإسرائيلية في عام 2005، بوبمساعدة من خبراء تسويق أمريكيين، حملة بعنوان "براند إسرائيل"، تستهدف الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا. وقد سعت الحملة، كما أفاد موقع The Jewish Daily Forward، إلى تصوير إسرائيل على أنها دولة معاصرة ومتسايرة مع العالم الحديث. فيما قامت الحكومة في وقت لاحق بتوسيع خطة التسويق من أجل تسخير أكبر لمجتمع المثليين والمتحولين جنسيًا لتغيير صورتها العالمية.

اقرأ/ي أيضًا: دماء "الهنود الحمر" من أجل غسل ذنوب إسرائيل

وقد اعتمدت إسرائيل في هذه الحملة، على مسيرة الفخر السنوية، التي تستقطب عشرات آلاف السياح من جميع أنحاء العالم، ما حولها إلى وجهة للسياحة المثلية، من خلال تصدير صورة المجتمع المنفتح المتقبل، والرائد في قضايا الجنسانية، وهو ما يشكك فيه كل عارف بالطريقة التي تسير بها الأمور داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يتحول يومًا بعد آخر إلى مجتمع متدين أكثر.

وفي العام الماضي، أفادت صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية، أن مجلس السياحة في تل أبيب قد بدأ حملة تقدر بنحو 90 مليون دولار لإضفاء الطابع التجاري على المدينة "كوجهة دولية للمثليين". وضم هذا العرض الذي حصل على دعم من وزارة السياحة والقنصليات الإسرائيلية في الخارج، صورًا لأزواج من المثليين يتفاعلون مع الفضاء العام "المنفتح والليبرالي"، وكذلك تمويل عروض الأفلام المؤيدة لإسرائيل في المهرجانات السينمائية في الولايات المتحدة.

وتطلق الحركات المثلية المناهضة لإسرائيل، وكذلك مجموعات مختلفة من الناشطين والأكاديميين، على هذه الحملات اسم الغسيل الوردي "Pinkwashing"، في إشارة إلى الاستراتيجية المتعمدة لإخفاء الانتهاكات المستمرة للفلسطينيين خلف الصورة المعاصرة لمجتمع المثليين في إسرائيل. وقد تم استغلال قضايا "حقوق المثليين" إلى الدرجة التي أصبحت فيها "أداة علاقات عامة"، على الرغم من أن "السياسيين المحافظين والمتدينين بشكل خاص لا يزالون يعادونها بشدة"، حسب ما يوضح أستاذ القانون في جامعة تل أبيب، إيال غروس، لصحيفة نيويورك تايمز.

وبالإضافة إلى ترويج نفسها باعتبارها فردوس المثليين، فإن إسرائيل تعزز أيضًا من الصورة الرائجة حول أوضاع المثليين في المجتمعات العربية، وفي المجتمع الفلسطيني بشكل خاص، التي تهول من رفض الناس لهذه الظاهرة بشكل مطلق، مع تجاهل واسع للمجموعات والمؤسسات المناصرة لتلك الحقوق، والتي تناهض الاستعمار الإسرائيلي أيضًا.

أهداف اقتصادية أيضًا

وسوى الأهداف الدعائية، التي تستخدمها إسرائيل من أجل غسل انتهاكاتها ضد الفلسطينيين، وإضفاء شرعية على وجودها، فإن هناك أهدافًا اقتصادية أيضًا وراء تنظيم مثل هذه المناسبات، حيث تستقبل مدينة مثل تل أبيب مئات آلاف السياح المثليين بشكل سنوي من أجل الانضمام لمسيرة "الفخر" وللفعاليات المرافقة لها، ويقضون أسبوعًا على الأقل حسب البرنامج السنوي.

وليست مسيرة "برايد" تل أبيب استثناءً في هذا المجال، حيث تقام مجموعة من الفعاليات الربحية في مدن عالمية مختلفة، وهو ما يلقى انتقادات واسعة باعتباره تسليعًا للقضايا الحقوقية، ومتاجرة بها.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تصبح اتفاقيات حقوق الإنسان ستارًا للانتهاكات؟

وعلى الرغم من الادعاء الإسرائيلي بأن هذه القضايا منفصلة عن الشأن السياسي، وهي قضايا حقوقية خالصة، فإن حتى الأهداف الربحية مرتبطة بتعزيز وجود الاستعمار، وتمكين قدراته، بالإضافة إلى مجابهة الجهود التي تبذلها حركات مقاطعة الاحتلال في العالم.

انتهاك حقوق المثليين بتوظيف قضاياهم

وقد تطورت في السنوات الأخيرة، نقاشات جدية فيما يتعلق بالدور الدعائي الذي تلعبه متاجرة إسرائيل بحقوق المثليين والمتحولين جنسيًا، وقد جوبهت المحاولات الإسرائيلية برفض من مؤسسات وناشطين مثليين، اعتبروا أن إسرائيل تستغل قضاياهم من أجل إباحة الانتهاكات وفعل الاحتلال. فيما تحاول مجموعة إقامة مسيرات فخر بديلة، أو رفع شعارات مناهضة للغسيل الوردي في الفترات التي تقام فيها هذه المناسبات.

يعتبر عدد من الناشطين أن ما تقوم به إسرائيل، لا يتعدى كونه انتهاكًا للحقوق المثلية من خلال توظيفها في قضايا غير مشروعة

ويعتبر عدد من الناشطين أن ما تقوم به إسرائيل، لا يتعدى كونه انتهاكًا للحقوق المثلية من خلال توظيفها في قضايا غير مشروعة، وهو ما يعني تحويل المثليين إلى مجرد مواضيع للاستخدام السياسي من قبل السلطة.

فيما يتم استخدام الموقف من الخيارات الجنسية، باعتباره معيارًا وحيدًا للحكم على الوضع الحقوقي أو مسألة الحريات في بلد ما، وهو ما يتم من خلال توظيف إنجازات خطاب المثلية خلال سنوات طويلة، في تبريء إسرائيل من عمليات التطهير والتمييز العنصري التي تقوم بها ضد الفلسطينيين، وهو ما يسلخ قضايا المثليين عن السياق الحقوقي الذي تبلورت من خلاله بالضرورة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إلغاء "بيروت برايد".. لبنان يغلق أبوابه أمام "مجتمع الميم"

"مقاطعة إسرائيل".. قضية محورية في انتخابات ولاية جورجيا الأمريكية وحجة للقمع