برنامج الدراسات الإسرائيلية في جامعة بيرزيت.. الفلسطيني كباحث لا كموضوع

برنامج الدراسات الإسرائيلية في جامعة بيرزيت.. الفلسطيني كباحث لا كموضوع

يسعى برنامج الدراسات الإسرائيلية إلى إنتاج معرفة نقدية فلسطينية عن إسرائيل (تويتر)

منذ أن نشرت الباحثة الأمريكية، والأستاذة في جامعة ديوك، ريبكا ستين، قبل فترة، هذا التقرير المفصل حول برنامج الدراسات الإسرائيلية، الذي تطرحه جامعة بيرزيت بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، تم تسليط الضوء على هذا البرنامج الذي يعيد تشكيل مفهوم الدراسات الإسرائيلية في العالم على حد وصف الكاتبة، أكثر وأكثر. انفتح نقاش واسع حول البرنامج، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي، أو من خلال مساحات التفاعل في المجلات والمواقع التي نشرته، مثل mondoweiss وMiddle East Report Online، وغيرها.

يحاول الطلّاب وأعضاء هيئة التدريس هناك في بيرزيت وتلك كلماتهم "إنتاج معرفةٍ فلسطينية حول المجتمع الإسرائيلي" من خلال الاشتباك الحادّ والناقد مع المجتمع الإسرائيلي وثقافته وسياساته

بعد رواج التقرير وحصوله على مشاركات واسعة، يلاقي البرنامج الذي يقوم عليه كل من جامعة بيرزيت والمركز العربي للأبحاث، احتفاء أكبر، خاصة بعد أن خرّج عددًا من دفعاته بالفعل.

اقرأ/ي أيضًا: ماجستير الدراسات الإسرائيلية ببيرزيت: أول من نوعه

 يعرض التقرير الذي يترجمه ألترا صوت، المحاور الأساسية التي انبنى عليها البرنامج، والنقاش الجاري حوله، بالإضافة إلى خبرات بعض الأساتذة والطلاب، بخصوص هذه التجربة.


هناك أفواجٌ آخذة في الازدياد من الشباب الفلسطيني الذي يدرسون للحصول على درجة الماجستير في الدراسات الإسرائلية من جامعة بيرزيت (BZU)؛ الجامعة المقامة على مشارف بلدة بيرزيت شمال رام الله في الضفّة الغربية المحتلّة. قُبلت أولى دفعات البرنامج عام 2015، وبحلول صيف 2019 سيكون هناك 30 طالبًا تقريبًا قد حصلوا على شهاداتهم.

يحاول الطلّاب وأعضاء هيئة التدريس هناك في بيرزيت وتلك كلماتهم "إنتاج معرفةٍ فلسطينية حول المجتمع الإسرائيلي" من خلال الاشتباك الحادّ والناقد مع المجتمع الإسرائيلي وثقافته وسياساته، مع الاشتغال عادةً على النصوص الأساسية في أصلها العبري. ويطمحون في تلك العملية إلى إعادة الصياغة الجذرية للبرادايغم المهيمن على الدراسات الإسرائيلية المُتشكِّل في الولايات المتّحدة، وأكثر منها في بريطانيا العظمى مع انتدابها "الدعوي" نيابةً عن الدولة الإسرائيلية. حيث يقلب برنامج بيرزيت هذا البرادايغم رأسًا على عقب، مزوّدًا الطلّاب ببديلٍ جذري.

ظهرت فكرة البرنامج إلى النور بصفةٍ غير رسمية عام 2010 بعد محادثاتٍ بين أعضاء هيئة تدريس جامعة بيرزيت، بإيعازٍ من رئيس الجامعة، ومؤسّسة الدراسات الفلسطينية في رام الله. وكان هناك بعض الخلافات الطفيفة بين أعضاء هيئة التدريس حول المبادئ التأسيسية للبرنامج، كما اتّضح في النزاعات حول تسمية البرنامج، إذ رُفضت تسميته بـ"دراسات الاستعمار الاستيطاني" التي فضّلها البعض، لصالح تسميته بـ"الدراسات الإسرائيلية". وبعد موافقة وزارة التعليم الفلسطينية، أُمّن التمويل أخيرًا من خلال شراكة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، المعهد الذي يرأسه الأستاذ السابق في جامعة بيرزيت، والعضو الفلسطيني سابقًا في الكنيست الإسرائيلي، عزمي بشارة. وقُبلت أولى دفعات البرنامج في خريف 2015.

كما هو الحال مع التقسيمة الجغرافية الأوسع لطلّاب بيرزيت، فمعظم طلّاب برنامج الماجستير من سكّان منطقة رام الله، مع أعدادٍ أقلّ من مناطق أخرى في الصفّة الغربية بما فيها القدس وطلّابٍ من قطاع غزّة بين الحين والآخر ممّن حصلوا على التصاريح اللازمة من إسرائيل. وهناك حوافز ماليةٍ مُعتبرة، بفضل الدعم الممنوح من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لذا يمتلك البرنامج القدرة على تقديم منح دراسية كاملة وبدل معيشة لطلّابه، وبهذا يمكنه جذب بعض خيرة طلّاب بيرزيت. ومعظم أعضاء هيئة التدريس في البرنامج من أساتذة بيرزيت، كما ويستعينون بأعضاء هيئة تدريس بدوام جزئي من مؤسّسات أخرى، بما في ذلك باحثين فلسطينيين من داخل إسرائيل.

هدف البرنامج واضح، ويتمثّل في تأسيس قاعدة فلسطينية للمعرفة النقدية حول إسرائيل وتاريخها الاستعماري الاستيطاني من خلال الاشتباك الحادّ مع أنظمة إسرائيل السياسية وفكرها الديني ومجتمعها وثقافتها. ويطلعنا المدير الحالي للبرنامج، الدكتور منير فخر الدين، على مبرّرات تأسيسه على النحو التالي: "جاءت فكرة البرنامج من إدراكنا اليقيني لعبثية بقائنا تحت الاحتلال لـ50 عامًا، مع ما يزيد عن قرن من الصراع مع الصهيونية، من دون أن يكون لدينا أي إنتاج فلسطيني للمعرفة الأكاديمية حول إسرائيل. لذا فالفكرة الأساسية تكمن في حاجتنا إلى تلك الخبرة.. لكن تلك الفكرة تثير الكثير من الأسئلة. أبإمكانك دراسة إسرائيل والقَطع مع الإنتاج المعرفي الإسرائيلي السائد؟ والإجابة بالطبع كانت نعم".

منهج البرنامج الدراسي متعدّد التخصّصات جدًّا. إذ يتلقّى كلّ الطلاب تدريبات مكثّفة على العبرية، وتُتاح لهم فرصة الاختيار بين المقرّرات الدراسية في مواضيع كالأيدولوّچية الصهيونية وتاريخها، وتاريخ اليهود واليهودية وفكرهما، والأنظمة السياسية والاجتماعية داخل أراضي 48، والديموغرافيا الإسرائيلية، والاقتصاد السياسي الإسرائيلي، والثقافة والأدب الإسرائيليين، وهلم جرّا. ويعتبر إطار الاستعمار الاستيطاني أساسيًا في المناهج الدراسية، كإطار للتحليل المقارن، كما يشير الدكتور فخر الدين:

استراتيجيتي الأساسية تتمثّل في التوضيح لهم أن كلّ فظائعِ الصهيونية والاحتلال في الأساس فظائعٌ متقاربة موجودةٌ في سياقٍ أوسع. فلا نكتفي مثلًا في مساقي الخاصّ بعنوان "قضية الأرض" بالحديث عن الاستعمار الاستيطاني والاستحواذ الصهيويني على الأراضي. بل أتحدّث أيضًا عن الرأسمالية؛ لأن الاستعمار الاستيطاني استفاد من تاريخ الملكية الخاصة.. وبعبارةٍ أخرى، أفكّك الشعور المفرط بالتفرّد. وذلك شيءٌ جديد في أذهان الطلّاب ودرسٌ شديد الأهمّية.

تعقيد الحكاية

عندما قابلت عزّ الدين أعرج، المقيم في رام الله، في بيرزيت في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، كان في الأشهر الأخيرة من دراسته للماجستير. حصل على شهادة البكالوريوس من بيرزيت، مثلما هو الحال مع الغالبية العظمى من زملائه في البرنامج، في تخصّص علم الاجتماع. كما اختار مسار أطروحة لثلاث سنوات في البرنامج (يختار بعض الطلّاب الدورات الدراسية التي تنتهي في غضون عامين)، وعندما التقيت به، كان ينهي أطروحته حول سياسات الديموغرافيا داخل إسرائيل، أي الطرق التي يتم فيها تمثيل التوازنات الديموغرافية الإسرائيلية- الفلسطينية ضمن النقاشات السياسية الداخلية. وخطوته التالية، كما يأمل، دراسة الدكتوراة في المملكة المتّحدة، شريطة حصوله طبعًا على التأشيرات اللازمة من إسرائيل.

مردّدًا تصوّرات الآخرين، وصف لي تجربته التعليمية بأنها عملية دهشة متواصلة، خاصّةً خلال إعداد أطروحته. إذ تجاوز تنوّع وتعقيد المواقف الإسرائيلية تجاه مسألة الديموغرافيا كل التوقّعات السابقة. "يجادل طرف أن عليهم (أي الإسرائيليين) الحفاظ على أغلبيةٍ يهودية دون الحاجة إلى السيطرة على مزيدٍ من الأراضي. بينما يرى الطرف الآخر أنّ الأرض أهمّ ويجب ألّا يعبئوا بالمشكلة الديموغرافية. اندهشت من الكيفية التي أصبح بها هذا النقاش العامل الرئيسي في تحديد من هو يمين ومن هو يسار في إسرائيل".

كما أضاف أن الكثير ممّا تعلّمه عن إسرائيل كان جديدًا تمامًا بالنسبة إليه، مشيرًا إلى تأثير السكّان اليهود الأرثوذكس المتطرّفين على المشهد السياسي والاجتماعي الإسرائيلي، والتفاوتات العديدة بين سكّان الدولة اليهودية، والتباين الهائل بين الخطابات السياسة، والقائمة تطول. وبيّن لي أن ذلك التعقيد أجبره على إعادة التفكير في كل من البرادايغمات السياسية والنماذج النظرية التي كان يعوّل عليها سابقًا. إذ يقول: "صُدمت تمامًا بعدما أنهيت الفصل الدراسي الأول؛ لأنّنا جميعًا كنّا نعرف عن إسرائيل عندما دخلنا البرنامج. إلّا أنّني أدركت أن معظم ما كنت أعرفه.. حسنا، لم يكن خاطئًا تمامًا. لكنني بدأت أفكّر بعمقٍ أكثر في المجتمع الإسرائيلي".

كما بدأ "يفكّر في إسرائيل كمجتمع استعماري استيطاني، لا كمجرّد جنود". لكنه شعر أن حتّى هذا لا يبدو ملائمًا لتنوّعات وتقلّبات المشهد الاجتماعي والسياسي الإسرائيلي. إذ قال لي: "نحن نفهم الصراع من خلال نموذج واحد: الاستعمار الاستيطاني أو الفصل العنصري. لكن أعتقد أن بإمكاننا استخدام نماذج أعقد.. فهل يمكننا فهم إدارة الضفة الغربية في الإطار ذاته المستخدم لفهم إدارة غزّة؟".

ربّما يكون جعل معرفة الطلاب السابقة حول إسرائيل مركبة أكثر، المهمّة الرئيسية للبرنامج! وفي تلك العملية، تخضع الخطابات والنماذج السياسية الإسرائيلية والفلسطينية السائدة للتمحيص النقدي. ويضيف د.فخر الدين مرّةً أخرى: "أؤمن بالتفكير الناقد والشامل وامتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة. من السهل للغاية في حالتنا المبالغة في تبسيط الاحتلال الإسرائيلي، وإيجاد اتّفاقات معينة حول ماهية الصهيونية، وتلك مواقف حرجة للغاية لأنّنا ضحايا إسرائيل. لكن في معظم الحالات، كلّ ما نعرفه عن إسرائيل: العنف الموجّه تجاه الفلسطينيين. نحتاج إلى تجاوز ذلك ودراسة النظام الإسرائيلي المُنتج لذلك العنف.. بإمكانك تحديد مشاكل السلطة على أكمل وجه إذا ما عرفت نظام السلطة".

في محادثاتي مع أعضاء هيئة التدريس والطلّاب، تعلّمت من تجارب الطلاب العديدة المشابهة، أي من الخبرات الدراسية والبحثية التي تحدّت مفاهيمها السابقة حول المجتمع الإسرائيلي وتاريخه وسياساته. فيروى الأستاذ نبيه بشير، الباحث في الفكر اليهودي في العصور الوسطى، لنا قصّةً مماثلة عن أول اشتباك لطلّابه بالأدب العربي اليهودي في مساقه عن التاريخ والفكر اليهودي: "بعد بعض الفصول التمهيدية، أي بعدما أصبحوا على دراية بالأبجدية العبرية، أعطيت الطلّاب صفحاتٍ من مخطوطةٍ قديمة ليقرؤونها... وأجمل لحظاتي كانت عندما أرى حماستهم بعدما توفّرت لديهم الأدوات اللازمة لقراءتها".

أدوات السيّد

كانت مرح خليفة طالبة في أوّل دفعة من برنامج الدراسات الإسرائيلية. حيث دخلته عام 2015 وحصلت على شهادتها عام 2017. تخبرنا مرح أنّ إسرائيل بالنسبة لها، عندما بدأت الدراسة "كانت باختصار: العدو والمستعمر"، وتضيف "لم أكن أعرف أكثر من ذلك". وأنهته مع "معرفةٍ متعمّقة بالمجتمع الإسرائيلي.. وذلك جزء من معرفة عدوّك، جزء من المعرفة المقاوِمة".

بدأت مرح دراستها في البرنامج بعدما حصلت على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من بيرزيت مباشرةً. وركّزت في موضوع أطروحتها على كتابات الكاتب الإسرائيلي المزراحي سامي ميخائيل. وكان تعدّد جوانب تاريخ ميخائيل الشخصي أكثر ما أثار اهتمامها به، ورفضه الانزواء تحت تصنيفات سلطة الدولة الصارمة، إذ كان "شيوعيًا، وعراقيًا، وغير صهيوني كما يسمّي نفسه، كما كان إسرائيليًا! حاولت استكشاف كيفية تعامله مع كلّ تلك الهويات المتعدّدة والمتناقضة  في هذا السياق الاستعماري".

كما وتخبرنا أن تصوّرها السابق عن إسرائيل كدولة مستعمرة ومجرمة لم يكن كافيًا كوسيلة لفهم هوية ميخائيل باعتبارها (في نظرها) تمثل "الضحية والجلّاد"، وعندما فكّرَت في احتماليات مقابلة سامي ميخائيل من أجل بحثها، وذلك ما سترفصه في النهاية، وجدت ضالتها في العودة إلى المبادئ الأساسية المناهضة للاستعمار: "في البداية قلت لنفسي الرجل عراقي لذا فلا بأس في ذلك. لكنّه في النهاية إسرائيلي وكان في الجيش وجزءٌ من هذا المجتمع الاستعماري.. وهو يستخدم الأدوات التي تمنحها له إسرائيل، ولا يصنع أدواتٍ جديدة".

عادت مرح في مناقشتها لبرنامج بيرزيت مرارًا إلى مجاز أودري لورد "أدوات السيد"، كما استخدمته في وصفها للعلاقة الفلسطينية بالنظام القانوني الإسرائيلي التي كانت موضوع إحدى حلقاتها الدراسية في الدراسات الإسرائيلية. فتنتها المادة رغم تأكيدها على الحاجة إلى أدوات سياسية فلسطينية بديلة: "كيف بإمكانك شرعنة استعمار شعب ما؟!.. تحاول الدولة الإسرائيلية أن تكون شرعية وملتزمة بالقانون. وفي الوقت ذاته، فالقانون الإسرائيلي هو ما يضفي الشرعية على احتلال الضفّة الغربية بل وعلى النكبة نفسها! فهل نحن كفلسطينيين نستخدم النظام القانوني الإسرائيلي أم أن النظام يستخدمنا؟ الأمر أشبه باستخدام أدوات السيّد لتفكيك منزله".

"جغرافيتان استعماريتان"

هناك في بيرزيت تُتاح للطلّاب فرصة التعلّم من الأساتذة والباحثين الفلسطينيين من أراضي 48 (المصطلح الفلسطيني المفضّل للإشارة إلى المجتمعات الفلسطينية المقيمة داخل إسرائيل كمواطنين). ورغم كونهم الأقلّية المُقرّرة من أعضاء هيئة التدريس في جامعة بيرزيت، فبصمتهم في تعليم الطلّاب ملفتة للنظر خصوصًا في برنامج الدراسات الإسرائيلية. أحد هؤلاء الأساتذة هو مجيد شحادة وهو من سكّان الجليل وخبير في دراسات ما بعد الاستعمار، ودرَّس في البرنامج ما بين 2015-2018، بما في ذلك مساق حول مجتمع فلسطينيي الـ48 وسياساته. ووَجد أن معظم طلّابه يواجهون ذلك الموضوع للمرّة الأولى، أي تاريخ التمييز الإسرائيلي الذي ترعاه الدولة ونقص التنمية وتراجع التعليم داخل مجتمعاتها الفلسطينية. كانت المادّة الدراسية جديدة ومهمة عند طلّابه، لكن لقاءاته معهم ومع غيره من أساتذة الـ48 فتحت الأعين عليهم. تقول مرح خليفة:

"نحن فلسطينيو الضفة الغربية لا نتعامل مع فلسطينيي الـ48. كانت فكرة أن أتمكّن من العيش في الناصرة وأن أكون في رام الله ظهرًا جديدةً بالنسبة لي.  فمن الصعب علينا نحن فلسطينو أراضي 67 (من الضفة الغربية)، أن نكون في مكانين وفي منطقتين جغرافيتين استعماريتين في اليوم نفسه. فإمّا أن تستيقظ مبكّرًا جدًّا صباحًا أو أن تصل متأخّرًا جدًّا ليلًا. لكن الأمر كان مختلفًا مع الأساتذة، إذ تتّصل به صباحًا وهو في الناصرة وفي الثانية ظهرًا يكون في الصفّ معنا!".

شهد وضع  طلّاب الـ48 في الجامعات الإسرائيلية والفلسطينية تحوّلًا كبيرًا على مدار العقد الماضي.  فمن ناحية، كان هناك تدفق لطلّاب الـ48 إلى جامعات الضفّة الغربية، وخاصة إلى الجامعة العربية الأمريكية (AUJ) في جنين، التي اجتذبتهم من خلال تدريبها للمساعدين الطبّيين وقربها من الجليل. ومثّلوا للمؤسّسة مصدر إيرادات هي في أمسّ الحاجة إليه، لذا سعت إلى استقطابهم. ويمثّلون اليوم 55% من طلّاب الجامعة الأمريكية. كما هناك جامعاتٌ أخرى في الضفّة الغربية تحاول استقطاب طلّاب الـ48 كجامعة النجاح المتلهّفةً للحصول على تلك الإيرادات.

شهدت الفترة نفسها ارتفاعًا متزامنًا في عدد الطلاب الفلسطينيين من الـ48 المسجّلين في الجامعات الإسرائيلية. كانت الجامعات الإسرائيلية في العقود السابقة محظورة على المواطنين الفلسطينيين، بالنظر إلى شروط القبول الصارمة التي تميل إلى تفضيل الطلاب الإسرائيليين اليهود. أمّا اليوم، تسلّط العديد من المؤسّسات الإسرائيلية الضوء على أعداد الطلّاب الفلسطينيين المتزايدة كدليلٍ على الاندماج الديمقراطي. كما هو الحال في الجامعة العبرية في القدس، التي تستقطب فلسطينيي القدس الشرقية. ويتّهم منتقدو تلك السياسة الجامعة العبرية بأنها تعزّز محاولات ضمّ القدس الفلسطينية.

تعمل هيئة التدريس الفلسطينية من الـ48  في بيرزيت داخل منطقة رمادية قانونيًا. إذ لا يُسمح للمواطنين الإسرائيليين بالدخول إلى المنطقة أ (الجزء الذي تديره السلطة الفلسطينية من الضفة الغربية، حيث تقع الجامعة) وفقًا للقانون الإسرائيلي. كما يشير البروفيسور بشير: "نحن نخرق القانون الإسرائيلي في كلّ مرّةٍ نمرّ فيها كفلسطينيين من إسرائيل، عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية".لكن السلطات الإسرائيلية اختارت غضّ الطرف حاليًا.

تطبيع؟

ليس برنامج الدراسات الإسرائيلية في جامعة بيرزيت سابقةً فلسطينية. إذ بدأت جامعة القدس برنامج الدراسات الإسرائيلية عام 2005، ويقع ضمن برنامج ماجستير الدراسات الدولية. كما ويعمل برنامج بيرزيت مع عددٍ من المراكز البحثية الفلسطينية الأخرى التي تدرس المجتمع الإسرائيلي وسياساته، بما في ذلك مدى الكرمل (المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية ومقرّه حيفا) ومدار(المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ومقرّه رام الله). وكما الحال مع برنامج جامعتي بيرزيت والقدس فكلاهما من مؤسّسات ما بعد أوسلو.

كما لبرنامج الدراسات الإسرائيلية سوابق إقليمية. إذ أُتيحت الفرصة، على مدى عقود للطلّاب العرب في مؤسّسات التعليم العالي في الشرق الأوسط، لدراسة العبرية والإيديولوجية الصهيونية كجزءٍ من البرادايغم التعليمي "اعرف عدوّك". كما وُجدت مثل تلك المشاريع التعليمية خارج سياق الجامعة. فمثلًا، في سبعينات القرن الماضي، شارك مركز الأبحاث التابع لمنظّمة التحرير الفلسطينية في بيروت في برنامج تعليمي مشابه خاص به، بما في ذلك ترجمات عربية لكتابات صهيونية تأسيسية. أمّا اليوم، فلا يوجد أيّ برنامج مكافئ لبرنامج بيرزيت خارج فلسطين بسبب شبهة التطبيع- أي عملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل ممّا يضفي شرعية على نظامها وسياساتها على جانبي الخط الأخضر. إذًا تقدّم جامعة بيرزيت وجامعة القدس برنامجي الماجستير في الدراسات الإسرائيلية الوحيدين في العالم العربي.

لم يواجه برنامج الدراسات الإسرائيلية في بيرزيت من جانبه مثل تلك الانتقادات من داخل المؤسسة رغم موقف الجامعة الصارم المناهض للتطبيع ودعمها لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. تقول أستاذة الأنثروبولوجيا في بيرزيت ريما حمامي: "لم تكن هناك مشكلةٌ داخل الحرم الجامعي أبدًا"، و"حتّى المجموعات الطلّابية التي أثارت مسألة التطبيع حول أحداثٍ وأساتذةٍ بعينهم، لم تثرها قطّ حول برنامج الدراسات الإسرائيلية".

إلى جانب التطبيع، لا يزال بعض الطلاب وأعضاء هيئة التدريس يعبرون عن عدم ارتياحهم لمبادئ البرنامج الأساسية. وكان الأستاذ شحادة من بين مؤسسي البرامج الذين أثاروا مخاوف مبكرة حول اسم البرنامج، مفضّلين "دراسات الاستعمار الاستيطاني" كوسيلة للتمييز بين البرنامج والبرادايغم الأكاديمي المهيمن في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. كما  وأشار إلى حالةٍ مماثلة من عدم الارتياح بين بعض الطلّاب الذين درَّسهم، المُثار خارج الفصول الدراسية أكثر من داخلها، إذ عندما يعود الطلاب إلى منازلهم وعائلاتهم، ويقولون لهم "نحن نقوم بدراسات إسرائيلية"، ينظر إليهم المجتمع حينها نظرات مشبوهة نوعًا ما.

يجذب برنامج بيرزيت مزيدًا من الانتباه في الأوساط الجامعية الإسرائيلية، لا سيّما في ظلّ الدعم الدولي المتزايد لـBDS. ويعود ذكر جامعة بيرزيت بالعديد من الإسرائيليين إلى تاريخ  التنظيم السياسي الراديكالي الخطر خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عندما كان الطلّاب وأعضاء هيئة التدريس على الخطوط السياسية الأولى. كما وأخبرنا البروفيسور نبيه الذي يشغل أيضًا منصب عضو هيئة تدريس في الجامعة العبرية بشكوك زملائه اليهود الإسرائيليين تجاهه: "حالما يعلمون أنني أدرّس في جامعة فلسطينية، يبدأون باستجوابه، كما لو كانت هناك أسرار يهودية سأكشفها للعدو.. لا يمكنهم تخيّل أن رجلًا من رام الله يريد دراسة اليهودية دون إضماره نوايا شريرة". التغطية الإعلامية أو التدقيق الإسرائيلي حول برنامج جامعة بيرزيت ضعيف جدًّا حتّى اللحظة.  لكن في ظلّ المناخ السياسي الحالي لا يستبعد أن تكون عملية التدقيق والتغطية تلك مجرّد مسألة وقت.

"أدواتنا الخاصة"

يتزامن نمو برنامج الدراسات الإسرائيلية مع التحدّيات الجديدة التي تواجه الجامعات الفلسطينية في الضفّة الغربية. خلال السنة والنصف الماضية، رفضت إسرائيل تمديد تأشيرات الدخول للعديد من الأساتذة والباحثين الدوليين الذين يدرّسون في تلك المؤسّسات، ولا سيّما تلك الداعمة لنشاط حركة المقاطعة. ووفقًا لبعض التقارير الحديثة، رُفض ما يقارب نصف أعضاء هيئة التدريس الأجانب العاملين في جامعات الضفة الغربية في السنة ونصف الماضية، ممّا أثّر جدًّا على بيرزيت. ودفع الجامعة، ممثّلةً بالمركز القانوني لحقوق الأقلّية العربية في إسرائيل "عدالة"، نحو رفع قضية قانونية إلى المحكمة الإسرائيلية العليا.

يستمر تعليم الطلّاب في ظل ظروف إكراه في جامعة بيرزيت كما هو الحال في الضفّة الغريية عامّةً. ويخضع الطلّاب وأعضاء هيئة التدريس للمراقبة الدائمة ويُستجوبون ويُعتقلون بانتظام. كما أشار عديدٌ من الطلّاب مع شيءٍ من السخرية: "لدينا خبرة مسبقة في الدراسات الإسرائيلية"، وذلك بفضل تجربة العيش تحت الحكم العسكري! وبينما تعاني جميع مؤسّسات التعليم العالي الفلسطينية في ظل الاحتلال العسكري، يخضع برنامج الدراسات الإسرائيلية لمجموعة خاصّة من القيود التي تواجه الطلّاب والأساتذة على حدّ سواء في أكثر تفاصيل أعمالهم التعليمية اليومية بساطةً، يقول د.فخر الدين:

"تقف علاقات القوّة ضدك كباحث فلسطيني في هذا المجال، إذ لا يمكنك مقابلة عدوّك، ولا القيام بتحليل إثنوغرافي، ولا تدريس ودراسة المصادر الإسرائيلية بسهولة.. وكما هناك العديد من القيود، هناك أيضَا العديد من الطرق للتغلّب على تلك المصاعب. أعتقد أننا نشهد ثمار الطلاب الذين يشتغلون على أطروحاتهم. إنّهم يطرحون أفكارًا مثيرة جدًّا عن السياسة الإسرائيلية".

اقرأ/ي أيضًا: حوار| لورنسو فرتشيني: قانون القومية مؤشر على أزمة إسرائيل الاستعمارية

يبدو المستقبل المهني لطلّاب البرنامج في ظلّ القيود المالية والسياسية المفروضة على فلسطين غير مطمئنّ. ويأمل بعض الخرّيجين الحصول على الدكتوراه في المجالات ذات الصلة داخل أوروبا أو الولايات المتّحدة، كما انتقل آخرون إلى العمل الحكومي أو الإعلامي داخل فلسطين، أو انضمّوا إلى المنظّمات غير الحكومية النيوليبرالية. ومن جانبها شغلت مرح خليفة للتوّ وظيفة في متحف فلسطين المُفتتح حديثًا، الواقع في الحرم الجامعي، حيث تعتقد بإمكانية توظيف مهاراتها التحليلية النقدية جيّدًا هناك.

يتزامن نمو برنامج الدراسات الإسرائيلية مع التحدّيات الجديدة التي تواجه الجامعات الفلسطينية في الضفّة الغربية. خلال السنة والنصف الماضية، رفضت إسرائيل تمديد تأشيرات الدخول للعديد من الأساتذة والباحثين الدوليين

يبدو التحاق المرء ببرنامج الدراسات الإسرائيلية من منظور الولايات المتّحدة، في غمار نموّ برامج الدراسات الإسرائيلية المحرّكة بتمويلٍ إسرائيلي بواجباتها الدعوية غير المستعدّة لتقديم الاعتذارات، كإعادة صياغة جذرية فكريًا وسياسيًا. بين أيدي أعضاء هيئة التدريس والطلّاب، في اشتغالهم عن كثب مع تفاصيل المجتمع الإسرائيلي وسياساته، وفي انفتاحهم على المفاجآت والتعقيدات الناشئة من أخذ الأرشيف والتاريخ جدّيًّا. تضيف مرح خليفة أخيرًا: "الإطار العام الذي ندرس في نطاقه واضح لنا. يتعلّق الأمر كله بنوع المعرفة التي نحاول إنتاجها. نحاول إنتاج معرفة فلسطينية حول المجتمع الإسرائيلي.. لصناعة أدواتنا الخاصة".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.. درب المعرفة نحو الحرية

المركز العربي يقارب الذكرى المئوية للحرب العالمية