برناردو برتولوتشي.. رحيل الكاميرا القلقة

برناردو برتولوتشي.. رحيل الكاميرا القلقة

برناردو برتولوتشي (1941-2018)

ليس أمرًا سهلًا أن تبحث عن عبارةٍ أو مقولةٍ تختزل تجربة المخرج السينمائي الإيطاليّ برناردو برتولوتشي (1941-2018) إطلاقًا. السينمائيّ المنحدر من مدينة بارما شمال إيطاليا، غادر عالمنا صباح الأمس بعد صراعٍ طويلٍ مع مرض عُضال أصاب عموده الفقري، وألزمهُ، لعدّة سنواتٍ، كرسيّه المُتحرّك.

جاء برناردو برتولوتشي إلى السينما قادمًا من فضاءات الشّعر وكتابة القصص القصيرة

صحيفة "لوموند" الفرنسية اختارت من عبارة "سينمائيّ الاختراق" ما يُعبّر أو يختزل تجربة هذا المخرج الكبير. مؤكِّدةً من خلال عبارة كهذه أنّ برناردو برتولوتشي صبّ جلّ اهتمامه عبر أعماله في هدم ما كُرِّسَ من قيمٍ وأخلاقياتٍ وأنماطٍ وأشكال قديمة وباهتة، وفي مكانٍ ما، مُقدَّسة أيضًا. إذًا، ما كان برناردو برتولوتشي ميّالًا إليه دائمًا هو ارتكاب الآثام بجرأةٍ عالية بحقّ ما سبق وأن كرّسهُ الآخرون قبلًا.

اقرأ/ي أيضًا:5 من تحف السينما الإيطالية

جاء برناردو برتولوتشي إلى السينما قادمًا من فضاءات الشّعر وكتابة القصص القصيرة. وهذان الأمران إن دلّا على أمرٍ ما، فهما يدلّان، دون أدنى شك، على شغف السينمائيّ الإيطاليّ باللحظة؛ التقاطها وتوثيقها، دون أن تكون بالضرورة لحظة واقعية، تحدث لتوّها أمامه، وإنّما لحظاتٍ مُخترعة في ذهنه. وهنا، في هذا السياق، من الضروري أن نستعيد رغبة برناردو برتولوتشي في التوّجه نحو كتابة الرواية بشكلٍ خاص، لما من الممكن أن تمنحهُ لهُ من مساحاتِ خيالٍ رحبة، وعوالم كان يُخطِّط ربّما لأن يطأ أرضها للمرّة الأولى، بعد أن أهملها الآخرون لأسبابٍ مختلفة تتعلّق بالجرأة والقدرة على هدم ما هو مكرّس. عليه، يكون برناردو برتولوتشي كائنًا بشريًا باحثًا عن لغةٍ خاصّة به، تخصّهُ وحده دون الآخرين، وأيضًا، دون يكون أن بحثه هذا قائمًا على لغةٍ تكون أقرب إلى مكانٍ لصناعة الأسماء، صقلها، وتعبيد الطريق أمام منحها اعترافاتٍ واسعة ورحبة، محليةً كانت أو عالمية.

اللغة التي كان يبحث عنها برناردو برتولوتشي، هي لغة يسعى من خلالها إلى ترجمة ما يدور في ذهنه من أفكار تنهض جميعها على التجديد والتحديث وعدم الانسياق خلف ما وضعه الآخرون قبلًا. بهذا الشكل، كانت السينما، كما دأب على التصريح دومًا، لغته الخاصّة التي عثر عليها مصادفةً، دون أن يُخطِّط للأمر، ولكنهُ حتمًا تبنّاها بقناعةٍ تامّة، وثقةٍ مُطلقة بأنّ هذه اللغة هي الأكثر قربًا مما يجول في خاطره، ومما كان يُخطِّط لأن يفعلهُ في حال تبنّى الكتابة الأدبية، بمختلف أصنافها وأجناسها.

أن نتحدّث عن برناردو برتولوتشي، فمن الضروري أن نتحدّث عمّا سار به نحو السينما، وصنع منهُ اسمًا شهيرًا ومكرّسًا في السينما الإيطالية، والعالمية أيضًا. ففي العشرين من عمره، عمل برناردو برتولوتشي مُساعدًا للمخرج الإيطاليّ بيار باررو بازوليني. اختيار الأخير لبرناردو الشّاب آنذاك كان قائمًا على عاملين، الأوّل هو الصداقة التي جمعت بازوليني بوالد برتولوتشي، والذي كان شاعرًا معروفًا آنذاك. والثاني، ولربّما هو الأكثر أهميةً، هو إعجاب بازوليني بما كان يكتبه برتولوتشي من قصصٍ وأشعار عبّرت عن مساحات الخيال الشاسعة التي يمتلكها السينمائيّ الراحل.

وما يشدّ الانتباه هنا أنّ السنة التي قضاها برناردو برتولوتشي بصحبة بازوليني، كانت كافيةً لأن يُخرج في الواحد والعشرين من عمره أوّل أفلامه، تحت عنوان "La Commare Secca"، تبعهُ بعدها بعامين فقط شريطٌ آخر تحت عنوان "Before The Revolution"، وهو الشريط الذي أحدث ضجّة واسعةً إبّان صدوره، ويُمكن القول إنّه حدد أيضًا الملامح الثابتة لأعمال المخرج الراحل برناردو برتولوتشي، وهي: الثورية، التمرّد، الرفض، القلق، الخروج عن المألوف، واستغلال الصورة والاشتغال عليها بشكلٍ مميز. ناهيك عن الحرص الذي عُرف به لجهة مقاربة وسبر ما هو مخبوء في باطن النفس البشرية الفردية، واشتغاله على خلق صورة تُقارب تحوّلاتها في بيئة كثيرة التحوّل والانقلاب من حالةٍ إلى أخرى.

لُقِّبَ برناردو برتولوتشي بـ"مؤلف النصوص المسكونة بسيناريوهات فرويدية"، و"صاحب الكاميرا القلقة وغير المستقرّة"

دون شك، سيظلّ شريطه المصوّر سنة 1972 تحت عنوان "التانغو الأخير في باريس"، العلامة الفارقة والبارزة في تجربة برناردو برتولوتشي. وصاحب النصيب الأكبر من الاستعادة والنقاش والجدل أيضًا. ولكنّ الأمر لن يُلغي من أهمية ما قدّمهُ الراحل من أعمال أخرى. ومن المعروف أنّ الشهرة التي حظي بها شريطهُ الذي تناول حياة رجل في منتصف عمره، يعيش حياته مُحطّمًا ومكسورًا، ويدخل في علاقة جنسية مع فتاةٍ فرنسية، تُشكّل جوهر الشريط؛ جاءت بفعل ما يحملهُ من صدمات متعدّدة للمشاهد، والجرأة غير المسبوقة في تصوير وتقديم المشاهد الجنسية، لا سيما وأنّ بطلة الفيلم خرجت منذ مدّة لتقول بأنّ تلك المشاهد كانت أقرب إلى الاغتصاب الحقيقيّ منها إلى التمثيل. وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ برتولوتشي صوّر فيلمه هذا بعد مرحلة حرجة من حياته، اتّسمت بالاكتئاب والتفكير الجدّي بالانتحار، وهو ما انعكس على بطل الفيلم الذي قيل إنّه كان يُعاني أيضًا أوضاعًا صعبة، وبالتالي، يكون الراحل آنذاك قد قام بجمع معاناةٍ واحدة موزّعة على شخصين في شخصية واحدة.

اقرأ/ي أيضًا: 4 من أجمل أفلام السينما الإيطالية على الإطلاق

إلى جوار "التانغو الأخير في باريس"، حظي شريطه "1900" (1976) بشهرة واهتمامٍ واسعين. الشريط الذي قدّم برناردو برتولوتشي من خلاله حياة شابّين ولدا في يومٍ واحد في إحدى المقاطعات الإيطالية، بدءًا من صغرهما وحتّى الكبر؛ كان مساحةً استعرض فيها الراحل، عبر اليوميات والتفاصيل الدقيقة، الصراع الحاد بين الطبقات الاجتماعية المتناقضة، والحياة في إيطاليا مطلع القرن العشرين، وكلّ مل مرّت به البلاد من تحوّلات ومتغيّرات وآثارها على البشر هناك، بما في ذلك الحرب العالمية الثانية. وهذا الشريط كان إشارةً أخرى إلى الثورية التي اتّسمت به أعمال برناردو برتولوتشي، وطموحه في الخروج دائمًا عن المألوف. حتّى لُقِّبَ نقديًا بـ "مؤلف النصوص المسكونة بسيناريوهات فرويدية"، و"صاحب الكاميرا القلقة وغير المستقرّة" وغيرها من الألقاب والأوصاف النقدية الأخرى.

اقرأ/ي أيضًا:​

5 أفلام للنجم ليوناردو دي كابريو نرشحها للمشاهدة

فيلم "Gun City"... كيف تنشأ الحرب الأهلية؟