"برلمانات الشباب".. عندما شخصت مدرّجات الملاعب واقع العالم العربي

تيفو للجماهير الجزائرية بعنوان "وجهان لعملة واحدة"

اعتبر الكثيرون الرياضة بما فيها من ألعاب جماهيرية ككرة القدم وكرة السلّة، منفذًا حقيقيًا لطاقات الشعوب، خصوصًا المقهورة منها ونعني بذلك نسبة كبيرة من الشعوب العربية، ولم يعد دور المشجّع العربي مقتصرًا في كثير من البلدان على مؤازرة فريقه ضدّ الخصم، بل صار يستغل التجمّع "الوحيد تقريبًا" المتاح في بلاده من أجل التعبير عن قضاياه.

الكاريكاتور الساخر لم يعد حكرًا على الصحف والجرائد، بل وصل إلى المدرّجات بصيغة لا تعبّر عن رأي من رسمه فقط، بل عن آلاف الحاضرين

 ومع مرور الوقت بات صدى أصوات المشجّعين أكثر انتشارًا من أصوات الساسة، وأكثره قربًا من وجدان وقلوب الشعوب، لأنّه خارج عن إطارات الدبلوماسية، وينبع من أفواه أناس ذاقوا الظلم والحرمان، فتكلّموا عن حالتهم بلسانهم، بعكس ما هو معتاد من قبل، حينما كان المتحدّث باسمهم جالسًا في برجه العاجي، ويتحدّث نيابة عمّن خويت بطونهم جوعًا، وامتلأت عروقهم غضبًا، اختلفت الآية الآن، فمدرّجات كرة القدم بألف نقابة، وتحكي قصّة الشعوب ومعاناتهم الحقيقية، وتتكلّم عن توجّهات البلاد السياسيّة خارجيًا وداخليًا بصدق تام أكثر من أي سياسي أو وزير خارجيّة.

اعتمدت جماهير الكرة في العالم العربي في تعبيرها عن آراءها السياسية والمجتمعية بالدرجة الأولى على الهتافات والأغاني، إضافة إلى "التيفوهات"، أي الصور كبيرة الحجم والتي تشرح الرسالة المراد إيصالها، فالكاريكاتور الساخر لم تعد تحتكره الصحف والجرائد، بل وصل إلى المدرّجات بصيغة لا تعبّر عن رأي من رسمه فقط، بل عن آلاف الحاضرين، وهنا نستعرض أبرز حالات البوح التي سردتها مدرّجات الملاعب العربية.

اقرأ/ي أيضًا: روعته ببساطته وشموله.. الكشف عن شعار كأس العالم قطر 2022

وجهان لعملة واحدة

في السادس عشر من كانون الأوّل/ديسمبر 2017، وبعد أيام قليلة من قرار ترمب اعتبار القدس عاصمة لـ "إسرائيل"، استغل مشجعو نادي عين مليلة الجزائري مواجهة منافسهم في البطولة المحلّية فريق غالي معسكر، فأشهروا لافتة كبيرة تجمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، وكُتب تحتهما عبارة "وجهان لعملة واحدة" باللغة الإنجليزية، وعلى يسار الصورة وُضع رسم لمسجد قبّة الصخرة، وكُتب تحته عبارة "البيت لنا، القدس لنا"، وكان ذلك احتجاجًا من الجماهير الجزائرية على صمت السعودية حليفة أمريكا إزاء قرار ترمب المذكور.


التراس عين مليلة

لم يقتصر دور المدرّجات في الملاعب الجزائريّة على الدفاع عن القضيّة الفلسطينية فحسب، بل وصل الأمر إلى انتقاد السلطات بالجزائر، ففي وقت سرت به أنباء عن نيّة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة الترشّح لولاية رئاسيّة خامسة، شكّلت المدرّجات منابر يصدح بها المشجّعون مردّدين هتافات منادية بالحرّية وإسقاط نظام بوتفليقة، وهو ما حدث في لقاء كأس الجزائر بين اتحاد عنّابة ووفاق سطيف.

في بلادي ظلموني

عندما تكلّم عن دور المدرّجات وأثرها في التعبير عن مطالب الشعوب، لا بد هنا أن نرحل إلى المغرب ونتابع أبهى صور التعبير وأكثرها تأثيرًا وعاطفة، ونعني بذلك قطبي مدينة الدار البيضاء، الوداد والرجاء، هذا الأخير أطلق أغنية ردّدتها جماهيره، وانتشرت في مواقع التواصل كالنار في الهشيم، وتخطّت حدود المغرب ووصل صداها إلى العالميّة، أنشودة "في بلادي ظلموني" صدح بها عشرات الآلاف من المشجّعين في ملعب محمد الخامس، كلّهم عبّروا بوقت واحد عن ألم مكنون داخلهم، وصرخوا بأعلى صوتهم بكلمات كأنّها تخرج لأوّل مرّة من صدورهم المثقلة، وكلمات هذه الأغنية لوحدها كفيلة بشرح ما يعانيه من يؤديها.

إن أردت أن تعرف ما يدور بالعالم العربي من الداخل، فلا تستمع لوزراء الخارجيّة، بل أنصت لمدرّجات الجماهير

أوه أوه أوه، لمن نشكي حالي، الشكوى للرب العالي، أوه أوه أوه، هو اللي داري.

فهاد (في هذه) البلاد عايشين في غمامة، طالبين السلامة، انصرنا يا مولانا.

صرفوا علينا حشيش كتامة (صرفوا علينا القنب الهندي الذي يوجد بمدينة كتامة المعروفة بزارعة الحشيش) خلونا كي اليتامى نتحاسبو في القيامة (تركونا مثل اليتامى وسنتحاسب يوم القيامة).

مواهب ضيعتوها، كيف بغيتو تشوفوها (كيف تريدون أن تروها).. فلوس البلاد كع كليتوها (أكلتم أموال البلاد)، للبراني عطيتوها (أعطيتموها للأجانب).

لنادي الوداد الغريم الأزلي للرجاء في الدار البيضاء نصيب في نقد الحالة المعيشية الصعبة عبر المدرّجات، إذ تحوي أغنية "قلب حزين" على شرح حقيقي لما يعانيه شباب المغرب بشكل خاص، والعالم العربي بشكل عام، "تانا اجتهدت وقريت بغيت نخدم ما لقيت، بلادي ما عطاتنيش تعطي للبراني" (اجتهدت وتابعت دراستي، وأردت أن أعمل ولم أجد، بلادي لم تعطني، أعطت للأجانب فقط)، وتحكي الأنشودة عن الأسباب التي تجعل الشباب يختارون طريق البحر الخطر، ويجازفون بحياتهم من أجل الهجرة للعيش في وطن أفضل، ومن كلمات هذه الأغنية الاجتماعية-السياسية، "عييت ما نصبر (تعبت بالصبر)، جيت اليوم نحكي في السطور، وربي رزقنا بجوج (اثنين) بحور وكلشي (الكل) كيتصدر (يتم تصديره)، والشعب عايش مقهور، السبيتارات (المستشفيات) مراض (مريضة) كلشي ولا بريفي (الكل أصبح خاصًا)، ووفيق (فق) يا المسؤول الجونيس (الشباب) كاع حركات (هاجروا بطريقة غير نظامية).

اقرأ/ي أيضًا: رغم توقف النشاط الرياضي في اليمن.. لماذا تشهد المصارعة ازدهارًا استثنائيًا؟

طنجاوي معانا ربي

باتت الهجرة مصيرًا محتومًا للشباب العربي، نظرًا لصعوبة متطلّبات الحياة الكريمة، فالقارّة الأوروبية هي بوصلة هذا الجيل، والذي ستجبره الظروف على ترك محبوبته، وعليها أن تبيع الخاتم وتمسح دموع الفراق الأزلي، كونه سيتزوّج من أخرى أوروبية، هي آمال متعلّقة بنجاح رحلة الموت، فالهجرة غير الشرعيّة، هي المصير الأكيد بعد ضيق العيش، إثر غلاء الأسعار، وانتشار الفقر والبطالة في المجتمع، وازدياد التفاوت الطبقي بين فقراء مسحوقين وأغنياء ولصوص يسكنون الشقق الفاخرة، هذا ما شرحته أغنية جمهور فريق اتحاد طنجة في مباراة فريقه ضد الفتح الرباطي، حملت اسم "طنجاوي معانا ربي".

طنجاوي ومعنا ربي

وربي لن ينسانا

حظنا مختفي

قريبًا منا وراء البحر

وإذا ضاع الماضي

نحن نفكر في الغد

حقيبة الظهر على ظهري

والغربة بين عيني

من فضلك يا بحريّ

ساعدني على العبور

هنا ضاع صغري

وربي أعلم بي

يا عمري (خطيبتي) اعذريني

الخاتم بيعيها

كفى ولا تذرفي دمعًا

أنا أريدها أوروبية

أدخلها في ديني

وعلى يدي أربيها

يا باخرة “فسّحينا”

من هذه البلاد أريحينا

هذه بلاد الحكرة (الظلم)

ودموعنا فيها سالوا

العيشة فيها مرةّ

صدقوا الذين قالوا:

قتلتمونا بالكلام

ولم نرى منكم أي شيء

في مهرجان موازين

شكيرة أخذت مليار

ونحن طلبنا أشياء بسيطة

فحرقتمونا بغلاء الأسعار

أنت والله مافيا كبيرة

كلكم لصوص

بين الأزقة الشعبية

الفقراء يصطفّون

ينيرون بالشمع

والماء بالصنبور العمومي

وهم  يضحكون علينا

من فلوسنا يشترون الفيلات

رجاوي فلسطيني

لم تغب بالطبع فلسطين عن حناجر الهاتفين في المدرّجات المغربيّة، بل أبدع عشرات الآلاف من جماهير الرجاء والوداد بالهتاف لنصرة القضيّة، فألّفت جماهير الرجاء أغنية رجاوي فلسطيني، وكان ذكرها حاضرًا بشكل شبه دائم في مباريات الفريق، فتبدأ كلمات الأغنية بالقول "يا لي عليك القلب حزين، وهادي (منذ) سنين تدمع العين للحبيبة يا فلسطين، آه وين العرب نايمين، آه يا زينة البلدان، قاومي"،ولا ينفكّ فريق الوداد أن يهتف باسم فلسطين أينما ارتحل، حاله كحال فرق مغربية ومغاربية عديدة.

هذا غيض من فيض، فالمدرّجات باتت مع مرور الوقت منبرًا حقيقيًا لتطلّعات الجيل الشاب الذي يشكّل تعداده النسبة الأكبر من عدد سكّان العالم العربي، فضاق ذرعهم بلا مبالاة الحكومات، وإن اكترثت تستجيب بالقمع وكم الأفواه، ورأت من المدرّجات فرصة للبوح الحقيقي، هذه المدرّجات التي نجحت بجمع الشباب أكثر ما فعلته أي نقابة تحمي حقوقهم، وفي التعبير عن آراء الشعب الحقيقية فيما يخصّ القضايا الداخليّة والخارجيّة، فإن أردت أن تعرف ما يدور بالعالم العربي من الداخل، فلا تستمع لوزراء الخارجيّة، بل أنصت لمدرّجات الجماهير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة صلاح والاتحاد المصري من جديد.. والسوشيال ميديا: "#صلاح_يأمر"

دراسة: محمد صلاح يساهم في انخفاض نسبة الجرائم!