بردى النهر، بردى الزجاج..  لكل سوريّ عطش

بردى النهر، بردى الزجاج.. لكل سوريّ عطش

البديل هو ألمازا اللبنانية (لؤي بشارة/أ.ف.ب/Getty)

لكل بلدٍ رموزه، وشئنا أم أبينا، فإن منتجاتنا التجارية باتت تشكل جزءًا من هوياتنا كجماعاتٍ على الأقل، وإن لم تعنِ الكثير للأفراد. لا يمكن الحديث عن الولايات المتحدة دون مالبورو أو ماكدونالدز، حتى لا يمكن التفكير بولاية كنتاكي دون الدجاج المقلي. في بلداننا العربية نادرًا ما نملك هذا الشعور بالغبطة. وإن كانت العلامات التجارية المعروفة ذات الموطن العربي قليلة، فإن بعضها – وإن كانت ذات جودة متدنية – تشكل بالنسبة للكثيرين جزءًا من تفاصيل الوطن الذي يعرفونه وإرثه.

في سورية، الحنين إلى المنتجات الوطنية، التي لا تستطيع العقوبات الاقتصادية التي تتالت على البلاد منذ عقود إقفال الحدود بوجهها، ليس جميع المنتجات الوطنية، إنما فقط قائمة من المنتجات التي تحتفظ بمكانة معنوية لدى الكثيرين، وإن كانت تلاقي استهجان آخرين، سجائر الحمراء، عرق الريان، تلفزيونات سيرونيكس، "قطنيات" حنين، وأخيرًا وليس آخرًا، الحاضرة الغائبة... بيرة بردى.

بعد فترة من شحها في الأسواق ومن ثم انقطاعها، نُشر في السادس عشر من حزيران/يونيو 2012 فيديو لاحتراق معمل بيرة بردى في ريف دمشق، وفي حين اتهم الموالون للنظام المعارضة المسلحة التي سبق لها إتلاف كميات من الكحول وعقاب بائعيها في المناطق التي سيطرت عليها، كان رد المعارضين باتهام القصف العشوائي للجيش السوري بالتسبب بالحريق. سجال سياسي لا يعني الكثير بالنسبة لرواد المشروب الكحولي الوطني الأكثر شعبية، ورغم استمرار إنتاج بعض المنتجات الوطنية الكحولية الأخرى كعرق الريان، فإن غياب بردى كان له أثر اقتصادي قبل أي شيء، إذ أصبح الخيار التالي هو البيرة اللبنانية التي يساوي سعرها تقريبًا ضعف سعر بيرة بردى، بل ويلمح الكثيرون إلى أن توقف المعمل عن الإنتاج كان هدفه أصلًا "تنفيع" البيرة اللبنانية والأوربية.

انخفاض سعرها جعلها خيارًا دائمًا ملائمًا لأصحاب الدخول المنخفضة، فقد كان سعر زجاجة بيرة بردى في حدود خمسة وثلاثين ليرة سورية (قبل انخفاض سعر صرف الليرة)، وكان يمكنك – كما هو الحال بالنسبة لزجاجات حليب المعامل الحكومية – أن تستبدل الزجاجات الفارغة لتوفر من عشرة إلى خمس عشرة ليرة من سعرها. وعلى عكس صندوق البيرة "الأجنبي" الذي يحوي ستة زجاجات، فإن بردى كانت تأتي في "سحارة" بلاستيكية، تحوي أربعًا وعشرين زجاجة، ما كان يسهل "تموين" البيرة في المنزل.

على عكس صندوق البيرة "الأجنبي" الذي يحوي ستة زجاجات فإن بردى كانت تأتي في "سحارة"

لا يتعلق الأمر فقط بالثمالة منخفضة التكلفة، فبردى من الأنواع الخفيفة عمومًا بنسبة كحول تبلغ 3.4%، منخفضة حتى عن شقيقتها الحلبية الشرق (3.7%). إنما يتعلق الأمر بالنسبة لكثيرين ببيرة يمكن الحصول عليها بعد أيام قليلة من إنتاجها في المعمل، ودون الشعور باستغلال في الأسعار من قبل الموردين والتجار، كما كانت تمثل بالنسبة للكثيرين رمزًا لحد أدنى من الحريات الشخصية، بوجود معمل محلي ذو ملكية حكومية ينتج الكحول، ليكون غيابها رمزًا للكبت المتزايد للحريات الشخصية في سورية تحت شتى الذرائع، رغم عدم غياب سواها، كعرق الريان مثلًا.

"عشرة آلاف"، يصر سومر حداد – الذي يملك بار "La Marionnette" – أنه شرب أكثر من عشرة آلاف زجاجة بيرة بردى، ويؤكد أنه إذا عاد المعمل للإنتاج بنفس الجودة سيبيعها في حانته بالتأكيد، "هي ما بحبها" يقول وهو يشير إلى بيرة ألمازة (اللبنانية) التي تأخذ مكان بردى حاليًا كخيار اقتصادي، ويضيف أن الأخيرة تشكل مع بيرة (ستيلا أرتوا) الفرنسية و(كارلسبرغ) الدنماركية "أفضل ثلاثة أنواع بيرة في العالم"أنها– بردى –بالنسبة له من ضمن أفضل ثلاثة أنواع من البيرة تذوقها في حياته.

أبو عصام الذي لا يحب الحديث للصحافة اكتفى عند سؤاله بترديد عبارة الله يرحم بردى

بعيدًا عن ميزاتها التعبوية، وبحثًا عن أثرٍ لها، كان لا بد من التوجه إلى بار "أبو جورج" حيث تتربع في صدر المكان الصغير لوحة تحوي نشيد بيرة بردى باللغة الإنجليزية، وإلى جانبه "عشرون سببًا لكون البيرة أفضل من المرأة" (وهو مصطلح ذكوري لكنه مضحك). أبو عصام الذي لا يحب الحديث للصحافة اكتفى عند سؤاله بترديد عبارة "الله يرحم بردى". البحث عن مصدر هذا النشيد على الإنترنت لم يجدِ نفعًا، والزبائن المخضرمون الذين تسنى لنا الحديث إليهم عن النشيد، يؤكدون أنه من عمل أحد الأجانب الذين كانوا يملؤون دمشق القديمة، من طلاب ومستشرقين وموظفي مؤسسات دولية، وأن هؤلاء بالذات كانوا محبين أوفياء لبيرة بردى أكثر من السوريين ربما.

ليست بيرة بردى المشروب الوحيد الذي فقد، أو الكحوليات بشكل عام. مشروب "ميلو" من شركة نستله غير متوافر أيضًا بالكثرة التي كان بها سابقًا. وليس الجانب الاستهلاكي هو ما قد ينغص على السوريين بخصوص "مشروباتهم المفضلة"، إنما الشعور بوصول أثر العقوبات والحرب إلى طاولات طعامهم وسهرهم، وفي المقابل، حيث يسيطر التطرف الديني، قد يصل الأثر إلى أسرّتهم حتى.

اقرأ/ي أيضًا:
الصناعة السورية.. "ما ضل شي"
دمشق ما قبل الكتابة.. خريطة معاناة