برج بابل

برج بابل "اللّغات" العربية

مسعود عربشاهي/ إيران

نقرأ، بين الحين والآخر، على مواقع التواصل الاجتماعي، دعواتٍ من بعض الكتّاب إلى تجديد اللغة العربية، وجعلها لغة عصرية، ولا نعرف بالضبط ما الذي يرمي إليه أصحاب هذه الدعوات! هل يقصدون تجديد النحو؟ كيف يا ترى يتجدّد النحو؟ هل نلغي وظيفة الأفعال؟ هل نمحو الأسماء؟ هل نستغني عن الضبط اللغوي بالحركات؟ أم تراهم يقصدون تجديد البلاغة؟ بمعنى أن تشمل عملية التجديد هذه الأساليب وطرق الأداء في الكتابة؟

 تغيّرت اللغة العربية بلاغيًّا، بين الماضي والحاضر، بل إنها خلال القرن الماضي فقط تحوّلت تحولات نوعية

سأفترض حسن النية واعتبر أن البلاغة هي المقصودة، لكن الذي يفوت هؤلاء الدعاة أن العربية تغيّرت بلاغيًّا، كثيرًا وعميقًا، بين الماضي والحاضر، بل إنها خلال القرن الماضي فقط تحوّلت تحولات نوعية. ثمة مثال قدّمته الروائية روزا ياسين حسن يصلح لتناول هذه التحولات، وذلك من خلال عرض ثلاثة نصوص عربية من أزمنة متباعدة، الأول للمتنبي، والثاني لـ عبد الرحمن الكواكبي، والثالث لـ طه حسين. المثال يقول إن لغة عبد الكواكبي بعيدة عن لغة المتنبي، الذي يبعد مقدار ألف سنة عن صاحب "طبائع الاستبداد"، وبعيدة في الوقت نفسه عن لغة طه حسين الذي يبعد عنه قرابة نصف قرن، وبدورها لغة طه حسين بعيدة جماليًا وأسلوبيًا عن لغة زمننا الراهن. في هذا المثال صورة عن التطور العفوي والطبيعي للبلاغة العربية، في حين أن الثلاثة يخضعون جميعًا للقواعد النحوية ذاتها.

اقرأ/ي أيضًا: عارف حجّاوي: أخاف من الخائفين على اللغة العربية

كتب ت. س. إليوت مرّة يقول: "لتكن حربًا على البلاغة، وليكن سلام على النحو". هذه المعادلة الإليوتية تختصر الكثير من الجدل، في صب جام التغيير والتجديد على الشكل والطرائق والأساليب، بحيث تتشابه مع حركة الواقع وإيقاعه. لكن المشكلة أن دعاة التجديد يصبون سهامهم ظلمًا على النحو، ظنًّا منهم أنه سدّ أمام التطور، وفي الوقت نفسه تجدهم يخطئون في قواعد اللغة وإملائها. وتراهم يدعون إلى العامية، رغم أن العاميّات العربية لها آدابها، شعرًا ومسرحًا، ولها أفلامها وأغانيها، بل إن كثيرًا من الروايات العربية تجمع بين الفصحى والعامية في سياق واحد.

ربما تكون واحدة من مشاكل العربية المعاصرة كامنة في ذلك التناقض الحاد بين العاميّات والفصحى، بما يجعل الحاجة تبدو ملّحة إلحاحًا شديدًا لإعادة ترتيب العلاقة بينهما، فمن جهة هناك حاجة إلى تقعيد العامية، بما يسهّل انتماءها إلى القواعد العامة للعربية، ومن جهة ثانية ثمة حاجة إلى إعداد معاجم لها، من شانها أن تثبّت نطق تلك الكلمات، وتشرح معانيها، وتعرض تصاريفها، وتضع المعاني الواضحة لها. هذا جهد مدعو إليه الكتّاب والنحاة على حدّ سواء، وكل في سياق عمله.

كذلك لا بدّ من معاجم حديثة للعربية الفصحى، تتخصص بالمصطلحات العلمية والتقنية التي لا تكفّ عن التوارد إلى المتن اللغوي، وهذه مشكلة تتفاقم على الدوام مع تأخر معالجتها.

هناك حاجة إلى تقعيد العامية، بما يسهّل انتماءها إلى القواعد العامة للعربية

اقرأ/ي أيضًا: تعلم العربية من الثورة المصرية (1 - 4)

لا شكّ أن النظرة الدينية التي ترى إلى العربية لغةً مقدسة تعيق مثل هذه التغيرات، وتحاول إبقاء الحال على شكل قديم، تغييره نوع من الكفر والتجديف، لكنّها لا تستطيع الوقوف في وجه السيل اللغوي الجارف الذي تقترحه الحياة نفسها، قبل الأدب والثقافة، وكذلك تلعب الأيديولوجيات القومية الدور ذاته، في محاربتها للهجات المحلية، التي سيكون تقعيدها حلًا للفصام القائم بين الفصحى والعامية في المنحى العام، وبين العاميّات نفسها في منحى خاصّ.

في ظل غياب العمل المنهجي على اللغة، يقوم الأدب، لا سيما في كتابات الشباب التي تتشرّب الجديد بسرعة فائقة، على تقديم مقترحات تطبيقية وعملية تستحق الدراسة، وهو ما يجدّد بدوره اللغة تجديدًا طبيعيًا، كما هو الحال في الأمثلة الثلاث السابقة، لكن ذلك يحدث فقط في سياق لغة الكتابة، أما العامي الذي يسيطر على فموياتنا وشفاهياتنا فذاهب إلى مأزق، لا يقل عن برج بابل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

15 كلمة إنجليزية سرقناها من العربية

اللغة والدلالة والسلطة في البيئة العربية