"برات البلد .. جوات البلد".. النكتة التي تتفجر من الهموم اليومية
8 ديسمبر 2025
في يوم الجمعة 5 كانون الأول/ديسمبر على مسرح "روابط" بالقاهرة، بعد الساعة الثامنة بقليل – الوقت المُحدد للعرض المسرحي – رأيت "سعد حاجو" للمرة الأولى!
قبل هذا اللقاء كنت قد رأيت رسومات عديدة للفنان متعدد المواهب ورسام الكاريكاتير السوري من قبل هذا اللقاء. ولكن على المسرح الأمر يختلف، حيث يقف شخص واحد أمام الجميع ويحدّث كُلاً منهم على انفراد كما أن وجود هذا العرض في وسط المدينة كل هذا جعل من العرض تجربة مختلفة تمامًا.
عرفت سعد يوم وفاة زياد رحباني. يومها تحدثت مع الروائي الكويتي عبد الوهاب الحمّادي وعزيته وعزّاني؛ الوحيد الذي عزّاني في زياد. أما سعد الذي لم أره قبل العرض، كان لرسوماته القليلة – وقت الرحيل – أثر جعلني أشعر بشيء من المواساة. شيء جعلني أشعر بأن موت زياد رحباني لا يؤلمني وحدي، ولا يُبكيني وحدي، وأنني إذ أودع شخصًا شكّلت فنونه المتمردة جزءًا من روحي الفنية، فهو من فعل ذلك مع آخرين تقاطعت خيوط حياتهم معه وتقاطعت معه خيوط حيواتهم، وكان في ذلك شيء من العزاء!
"أنت يا سعد عم تنسى لأنك برّات البلد، وأنا عم أنسى لأني جوّات البلد. الله يحميك".
لا يوجد ديكور مسرحي أبسط من كرسي وشجرة وطاولة، ورغم صعوبة أن يقوم ممثل واحد بعرضٍ متواصل لمدة تزيد عن الساعة، فإن سعد السوري بالميلاد والهوية والسويدي بالجنسية، قد نجح في تقديم هذه المسرحية التي قرر كتابتها الكاتب والروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي منذ اللحظة الأولى التي شاهد فيها سعد.
"جوات البلد كان عندي قلب.. برات البلد كان عندي قلب، هو هو نفس القلب".
قبل العرض أشار لي المؤلف بوجود بعض المقاطع الضاحكة في هذه المسرحية المُستوحاة من سيرة بطل العرض، ولكن بمجرد أن خيّم الصمت بين الحضور وقت بداية العرض، وحتى نهايته لم تظهر أسنان الحضور إلا قليلًا. ولم تكن ضحكاتهم إلا لكسر حالة الرهبة والتماهي الشديد مع حالةٍ عامة نجح سعد في خلقها بطاقته الهائلة على خشبة المسرح.
لا يجسّد العرض المونودرامي سيرة سعد وحده – رغم أنها سيرته – ولكنه يجسّد سيرة تتقاطع مع حيوات كثيرين، ومع مسارات وبلدان أكثر.
الفنان السوري الذي حلم بأن يكون رسام كاريكاتير منذ طفولته، والذي غادر من الشام إلى بيروت لإكمال حلمه، والذي وضعه القدر مع زياد رحباني في طريق المسرح، سيكرر غيابه من وإلى أماكن أخرى.
ونجحت ناندا محمد مخرجة العرض المسرحي في خلق حالة من الترقب المستمر لأداء سعد لسيرته، وذلك عن طريق إضاءة هادئة في سنوات وجوده داخل الشام أو بيروت واستخدام إضاءة حادة خلال فصول حياته في السويد التي قرر الخروج إليها فجأة.
لا يجسّد العرض المونودرامي سيرة سعد وحده – رغم أنها سيرته – ولكنه يجسّد سيرة تتقاطع مع حيوات كثيرين، ومع مسارات وبلدان أكثر
يمر العرض بمراحل متعددة ومتقطعة، تماشيًا مع سرد الأحداث من وإلى الشام ودمشق. فلا يتخلى سعد عن سخريته من الأمور التافهة التي أحيانًا قد تقلب الحياة رأسًا على عقبٍ. اللافت بالنسبة لي هو القدرة على تحويل الحزن إلى نُكتة، وتحويل الخوف من الجهات الأمنية إلى السخرية منها.
سعد بن دمشق يعرج في سيرته على أزمات عربية متعددة؛ يحكي عن الرقابة والضرائب والفروع الأمنية التي قد تفوق أحيانًا عدد أبواب المدينة بمداخلها ومخارجها. ويعرض النصّ أزماتنا العربية المشتركة، وليس هموم بطله الأوحد فقط. ويستدعي أزمتنا الدائمة وهي الحنين إلى بلادنا حتى لو لم نحصل من هذه البلاد إلا على كومة من الأمراض النفسية وحفنة روائح مثل رائحة الشارع والمدرسة والبيت، أو بعض الأصوات مثل أصوات العواصم الكبرى الخاصة بنا، مضافًا إليها أصوات الناس الذين يتحدثون بصوتٍ عالٍ. فكلها أشياء تضغط على قلوبنا، خصوصًا حينما يغادر كل مواطن بلده بسبب القبضة الأمنية الظالمة. ففي حالة سعد الذي رحل من سوريا إلى بيروت، وعجز عن العودة إليها، لأنه خلال إقامته في لبنان نشر مجموعة من رسوماته المناهضة للسُلطة مع الجرائد البيروتية، أو كما يقول: "صار بينه وبين البلاد رسومات ممنوعة". فقرر الرحيل.
في مقدمة العرض التي وُضعت على الباب يحكي الحمادي عن ظروف الكتابة وسببها، والصُدفة التي جعلته يلتقي حاجو في القاهرة بعد ثلاثين عامًا عرف فيها سعد من خلال التسجيل التليفزيوني للمسرحية الأخيرة لزياد رحباني "لولا فسحة الأمل"، والتي جمعت سعد بزياد.
يحضر الرحبانية عبر صوت فيروز بافتتاحية العرض "قال يا بيتًا لنا"، في سيرة بيروت واللقاء الذي حوّل فيه سعد وجه للمرة الأولى من دمشق إلى لبنان، وفي الحادث الكبير – اغتيال رفيق الحريري – الذي هزّ البلد في عين سعد، وقرر بعدها الرحيل.
يسخر سعد من كل شيء، يضحك كأن السنين لم تمر، يضحك رغم دموع أغلب الحضور في الجزء الأخير من المسرحية حينما يقرر سعد زيارة بيته بعد سقوط نظام الأسد. وبعدما فقد، سوريا وفقد بيته فيها، بعد وفاة أمه التي رفضت مغادرة البلاد رغم الحرب وتمسكت بكرسيها الكائن في صالة بيتها مرددة "لا أرحل قبل أن يرحل". ولكن المرض الغادر والنظام القاتل تمسّكا، ورحلت الأم في 2018 ورحل النظام في 2024 بعدما خرب البلد وهجر أهله.
رغم خصوصية السيرة لفنانٍ تمسك بحقه في التعبير عن نفسه بالرسم، رافضًا أن يُفرض عليه تلخيص سيرة حياته بالكتابة أو بالتوقف عن التعبير، فإنها سيرة كل مواطن عربي. سيرة أي إنسان يمكن أن يمنعه الأمن من الخروج إلى البلاد المجاورة، ومن الرسم في الجريدة أو نشر الرسومات على الفيس بوك. سيرة رجل لم يتوقف عن الأمل. حَلم بأن يكون رسامًا وحلم أن يكون ممثلًا. حلم بأن يكون سقف الحرية أعلى من رأسه بقليل، حتى لا تصطدم رؤوسنا بأسقف الحريات.
في زيارة إلى إسبانيا سكن سعد قرطبة لليلة، ومر في شوارعها، فآلمه الحنين إلى الشام التي وضعه في جيبه ومر بها على كل مدينة يرتحل إليها. شعر بالشام في دولةٍ بعيدةٍ، لأن الشام في قلبه. وحينما هاجر إلى السويد، وجد الشام في طعم مياه الدولة الباردة، فقط لأنه مباشرة من الحنفية، وليس ماء من الفلتر. وجدّها أيضًا في سقف الحرية الذي انخفض أحيانًا حينما منعوا بعض رسوماته هناك وكأنها لعنته!
في سيرة الفنان السوري حاجو التي خلق نصّها على مدار حياته، وساهم في ظهورها إلى النور مع صديقه الكويتي الحمادي شيء من طبيعتنا، جزء متجذر فينا جعل أغلب من خرجوا من العرض يمسحون دموعهم. هي سيرة عربية بامتياز يجسّدها سوري ويكتبها كويتي ويكون أول جمهورها مصري في قلب المدينة، فيما يشبه إعادة إنتاج للنكتة التي لم تجعل أغلب الحضور في حالة من الضحك فقط، ولكنهم أيضًا كانوا في حالة من التوحد مع همومهم المشتركة.







