بذريعة مكافحة المخدرات.. واشنطن تمهّد لتدخل عسكري بري في أميركا اللاتينية
14 أغسطس 2026
قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إن واشنطن تخطط لشن هجمات برية ضد مهربي المخدرات في أميركا اللاتينية، وإن الحكومة الكولومبية الجديدة، برئاسة اليميني المتطرف أبيلاردو دي لا إسبرييلا، طلبت تعاون الولايات المتحدة لتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة داخل أراضيها ضد الجماعات المرتبطة بتهريب المخدرات، في خطوة قد تفتح الباب أمام توسع مباشر للتدخل العسكري الأميركي، والانتقال من الضربات الجوية والبحرية ضد مهربي المخدرات إلى عمليات عسكرية برية.
وجاءت تصريحات هيغسيث خلال اجتماع "تحالف الأميركيتين لمكافحة الكارتلات" في بنما، الذي شارك فيه مسؤولون دفاعيون وقادة عسكريون من نحو 19 دولة، ويهدف إلى تنسيق الجهود لمواجهة شبكات تهريب المخدرات والجماعات التي تصنفها واشنطن "إرهابية".
ولا تزال المكسيك والبرازيل وفنزويلا وكندا خارج هذا التحالف القاري، الذي يتألف بصورة رئيسية من حكومات يمينية.
وقال هيغسيث إن كولومبيا "طلبت بالفعل من وزارة الحرب الانضمام إليها في معركتها ضد الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، مضيفًا أن بوغوتا وافقت على تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.
وعندما سُئل عما إذا كان قد ناقش مع نظيره الكولومبي احتمال تنفيذ ضربات مشتركة ضد جماعات مسلحة، بينها "جيش التحرير الوطني" وبقايا "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك)، أجاب: "نعم".
وأضاف: "المنظمات المصنفة إرهابية، وبالشراكة مع الحكومات، ستكون أهدافًا مشروعة للحكومة الأميركية"، في إشارة إلى إمكانية تنفيذ عمليات أميركية مباشرة داخل كولومبيا بالتنسيق مع سلطاتها.
يثير الخطاب تساؤلات بشأن ما إذا كانت تجربة "الحرب على الإرهاب"، التي قادت واشنطن إلى تدخلات عسكرية واسعة في أفغانستان والعراق ودول أخرى، تجد اليوم صيغة جديدة في أميركا اللاتينية تحت عنوان "الإرهاب المرتبط بالمخدرات"
كولومبيا تنضم إلى "درع الأميركيتين"
أعلن هيغسيث أيضًا انضمام كولومبيا إلى مبادرة "درع الأميركيتين"، لتصبح العضو التاسع عشر فيها. وكانت المبادرة قد انطلقت عقب قمة عقدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في آذار/مارس مع عدد من دول أميركا اللاتينية بهدف توحيد جهود مكافحة كارتلات المخدرات.
ولم يكن الرئيس اليساري السابق لكولومبيا غوستافو بيترو مدعوًا إلى تلك القمة، في ظل التوتر الذي شاب علاقته بإدارة ترامب، بينما أبدى الرئيس الجديد دي لا إسبرييلا استعدادًا أكبر للتعاون الأمني مع واشنطن.
وكان دي لا إسبرييلا قد تعهد خلال مراسم أدائه اليمين الدستورية بـ"القضاء نهائيًا على آفة المحاصيل غير المشروعة"، كما حمّل سلفه مسؤولية توسع الجماعات المسلحة في البلاد.
وقال وزير الدفاع الكولومبي خورخي إدواردو مورا، وهو لواء متقاعد، إن بلاده يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في مكافحة شبكات التهريب على ساحلي المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، معتبرًا أن الوقت حان لكي تواجه تلك الجماعات "قوة وقدرات نصف الكرة بأكمله بقيادة الولايات المتحدة".
توسع عسكري أميركي في المنطقة
تأتي الخطوة ضمن توسع ملحوظ في سياسة إدارة ترامب تجاه أميركا اللاتينية، التي لم تعد تقتصر على ملفات الهجرة وقناة بنما والنفوذ الصيني، بل امتدت إلى عمليات عسكرية مباشرة ضد شبكات تهريب المخدرات.
ومنذ بدء الضربات الأميركية على قوارب يشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات في أيلول/سبتمبر الماضي، قُتل أكثر من 200 شخص، فيما نفذت قوات بقيادة أميركية في كانون الثاني/يناير عملية عسكرية في فنزويلا أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو، بالإضافة إلى فرض حصار على كوبا، التي تعيش أسوأ حالاتها في ظل نقص المحروقات وانقطاع الكهرباء.
وشبّه هيغسيث مهربي المخدرات بعناصر تنظيمي "القاعدة" و"الدولة الإسلامية داعش"، مؤكدًا أن واشنطن تنظر إلى الجماعات المصنفة إرهابية باعتبارها أهدافًا عسكرية محتملة.
وخلال الاجتماع، أعلن هيغسيث شعار التحالف الجديد: "نفعل أشياء سيئة بالأشخاص السيئين"، وقال إن الهدف يتمثل في "إضعاف شبكات إرهاب المخدرات وتفكيكها وتدميرها".
وفي تصريح منفصل، حذر وزير الحرب بأن جميع الخيارات مطروحة للتعامل مع كوبا، بما فى ذلك المسارات والخيارات العسكرية.
هجوم على المحكمة الجنائية الدولية
وفي موازاة توسيع العمليات الأمنية، شن هيغسيث هجومًا على المحكمة الجنائية الدولية، وحث الدول المشاركة في التحالف على عدم الاعتراف بها والانسحاب منها.
وقال إن العمليات الأميركية ضد الجماعات المرتبطة بتهريب المخدرات "قانونية بالكامل بموجب القانون الدولي الإنساني"، بينما يرى منتقدون أن بعض الضربات الأميركية تثير تساؤلات قانونية، وقد ترقى إلى انتهاكات تستوجب التحقيق.
وطالب هيغسيث الدول المشاركة برفض ما وصفه بمحاولات المحكمة انتزاع "سيادة" الحكومات ومحاكمها الوطنية.
ويأتي ذلك في إطار حملة أوسع تقودها إدارة ترامب ضد المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية مذكرات توقيف صدرت بحق مسؤولين إسرائيليين كبار بسبب الحرب على غزة، إضافة إلى تحقيقات سابقة تتعلق بأفراد أميركيين في أفغانستان.
وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد ذكرت أن الضربات الأميركية ضد قوارب قالت إدارة ترامب إنها تُستخدم في تهريب المخدرات، وأسفرت عن مقتل 14 شخصًا على الأقل، تمثل "عمليات قتل غير قانونية خارج نطاق القضاء". وشددت المنظمة على أن مجرد الاشتباه في تهريب المخدرات لا يجعل الأشخاص أهدافًا عسكرية مشروعة.
كما وصفت منظمة العفو الدولية الضربات الجوية الأميركية في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بأنها "غير قانونية"، وقالت إن الحملة أسفرت حينها عن مقتل 57 شخصًا على الأقل، مطالبة الكونغرس بالتدخل لوقفها. واعتبرت المنظمة أن هذه العمليات تمثل قتلًا متعمدًا لا تبرره مكافحة المخدرات.
وفي آذار/مارس من العام الجاري، قدم خبراء ومنظمات حقوقية، خلال جلسة خاصة أمام لجنة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان بشأن العمليات الأميركية، حجة مفادها أن الأشخاص الموجودين على تلك القوارب يظلون مدنيين، وأن تهريب المخدرات جريمة جنائية لا تحول مرتكبيها إلى مقاتلين يجوز استهدافهم عسكريًا.
التدخل في الدول
وتشير التصريحات الأميركية الأخيرة إلى أن مكافحة المخدرات تتحول بصورة متزايدة من ملف أمني وقضائي إلى إطار يسمح باستخدام القوة العسكرية خارج الأراضي الأميركية، مع بروز كولومبيا بوصفها أحدث ساحة محتملة لعمليات مشتركة تقودها واشنطن في المنطقة.
ويعكس هذا الخطاب تحولًا في المقاربة الأميركية من "الحرب على المخدرات" بصيغتها الأمنية التقليدية إلى التعامل مع شبكات التهريب بوصفها تهديدًا عسكريًا وإرهابيًا. وهو تحول يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت تجربة "الحرب على الإرهاب"، التي قادت واشنطن إلى تدخلات عسكرية واسعة في أفغانستان والعراق ودول أخرى، تجد اليوم صيغة جديدة في أميركا اللاتينية تحت عنوان "الإرهاب المرتبط بالمخدرات".
وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت في تدخلاتها العسكرية السابقة مبررات مختلفة، من بينها محاربة الإرهاب، أو ذرائع مثل امتلاك أسلحة دمار شامل، أو وجود تهديد نووي، للتدخل في دول أخرى وشن حروب عليها. فقد غزت أفغانستان بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وأسقطت حكم حركة طالبان، ثم غزت العراق عام 2003 وأسقطت نظام الرئيس صدام حسين، قبل أن تنفذ لاحقًا هجمات وعمليات عسكرية ضد إيران. وأسفرت هذه الحروب والتدخلات عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، فضلًا عن مقتل آلاف الجنود الأميركيين.
تقرؤون المزيد في: كولومبيا تعترف بضم الجولان.. انقلاب اليمين الجديد على إرث بيترو









