بدلًا من رصاصة

بدلًا من رصاصة

غرافيتي لـ بانسكي في بيت لحم

 

انطلق بالاتجاه المعاكس للوصول إلى بيتي منافيًا بذلك كل قوانين الطبيعة، فقوانين الاحتلال أقوى من ذلك الهراء، يتفرّع الشارع إلى شعبتين شعبة لذوي اللوحات الصفراء وأخرى لذوي اللوحات البيضاء، لتتزاوج طريقي مع أوتوستراد سريع معد أساسًا لذوي الديانة الصحيحة، وتلتقيان تمامًا على عتبة الحاجز العسكري الكبير لدخول "الأرض الموعودة".

اقترب من الحاجز جندي ضجر يصوب نحوه بندقية أوتوماتيكية من نوع مستقبلي تشبه أفلام الخيال العلمي، أتخيل نفسي سوبر مان ذا الجلد المقاوم للرصاص، رغم أنني لست متأكدًا أنه كان ليصمد أمام صليات هذا الرشاش، يطير سوبرمان نحو الشرّير، يطلق أشعة الليزر ليفجر تحصيناته، ثم يصل إلى هذا الجندي ويقذفه بيد واحدة نحو الجحيم.

تزحف السيارة ببطء شديد نحو المعبر، مجندة سمراء البشرة بأصول أثيوبية واضحة، تشير إليّ بالاقتراب بإصبع يدها اليسرى، بينما تعانق يدها اليمنى رشاشًا بنصف طولها، ها أنذا أعبر قطعة من وطني صارت خارج الوطن، إلى وطني الذي خرج علينا.

لقد تمّ تقسيم أوصال بلادي وأهلها إلى مستويات عديدة وبهرمية واضحة، أعلاها أولئك الذين أعطاهم المحتل اسمه وهويته، وأدناها أولئك الذين لا يمكن رؤيتهم سوى من فوهة بندقية قناص، أو عبر الإغلاق على الهدف في شاشات الطائرات.

يدحرج هذا الانتظار العبثي لعبور أوصال وطني إفرازات البلغم في فمي لتتحول إلى كتلة متراصة أحاول عبثًا في خيالي تحويلها إلى رصاصة، فلتكن في أسوأ الأحوال "بصقة"... فهي أضعف الإيمان.

أتخيل نفسي محتجزًا أو سجينًا وكل البرج الورقي الذي بنيته يتداعى تحت دكّ هذه المنظومة التي احتوتني، وحاولت كل جهدها عبثها لفرز رغباتي الفردية وتحقيقها عن رغباتي الجماعية وردمها.

حانت ساعة الصفر، أفتح الشبّاك تنظر إلينا تلك السمراء، وأشغّل كل محفّزاتي العنصرية لأراها تنزل عن شجيرة موز قبل هنيهة من وصولها إلى وطني لتستلم ملابس الجندية وتلك البندقية الرخيصة، فحتى في توزيع بنادق المحتل هنالك مقامات، ومقامها في أسفل سلمهم مضمون حتى يكاد يلامس مقامي من الأعلى. يزداد حنقي على البشر بسبب حقارتي في تفعيل تلك الصورة النمطية، التي لقّمني إيّاها عقلي الباطن بكل أريحية وعفوية.

تشير بإصبعها دون أن تتكلم حيث يبدو أنها سئمت تكرار الأمر مئات المرّات، تناولني والدتي وزوجتي هوياتهما وأضيف خاصّتي لأناولها البطاقات الثلاث، تنظر إلى الصور، تؤكد ملامحنا ولا تنتبه إلى قطع الحقد التي تسقط من وجهي المحتقن، تبدل التحديق بيني وبين والدتي قبل أن تسألني

-إيما شيلخا ؟ (أمّك؟)

أومئ برأسي ففمي مليء بالمقذوفات التي تتحين اللحظة المناسبة.

تقول لي وهي تبتسم:

-شتيباديل لحييم أروكيم (أطال الله في عمرها)

ابتلع ريقي وأجيبها

-توداه (شكرًا)

 

وانطلق مبتعدًا عن الحاجز بأقصى سرعتي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن الخوف

اسمي أربعُة أرقام