بدعوى من الذاكرة أقول: ما زلت أؤمن بالربيع

بدعوى من الذاكرة أقول: ما زلت أؤمن بالربيع

صورة من اعتصام الـ18 يوما خلال ثورة الـ25 من يناير

قبل أن أبدأ هذه الكتابة، كنت أفكر في معضلة الذاكرة الانتقائية، تلك التي تعمل ضمن آليات ذرائعية معينة تقوم على أساسيْ "الفرمتة" والاحتفاظ، فهي مبرمجة على "فرمتة" وحذف كل ما لا تراه ضروريًا لصاحبها، مع الاحتفاظ بكل ما تراه مهمًا وضروريًا، لكن كيف تبني هذه الذاكرة معاييرها في الأهمية واللّاأهمية بالنسبة لمتعلقات صاحبها؟ أعتقد جازمة بأنها تراقبه عن كثب، تراقب ما يشغله وما لا يشغله، ما يهمه وما لا يهمه، وتسجل المتن والهامشي بالنسبة إليه، ثم تعمل على التخلص من الهامشي واللاضروري مع الاحتفاظ بالمتنيّ أو الضروري.

نعم.. كنتُ أفكّر في معضلة هذه الذاكرة الانتقائية التي تدخل ذاكرتي ضمن تصنيفها، وأستذكر انشغالاتي وكيف تؤثر على عمل هذه الذاكرة.

على مدار 6 أعوام تابعت الثورات العربية بشغف، وكما هللت لنجاح التجربة التونسية، عبرت عن أسفي للانتكاسة التي أصابت الثورة في مصر

سأبدأ هذه الكتابة الآن وأقول:
ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي دخل علينا فيه ذلك الأستاذ -صاحب المعطف البني الأنيق- في بداية فصل دراسي جديد، كنت لا أزال طالبة جديدة في تخصص العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، كان ذلك في بواكير عام 2011 مع بداية ثورات الربيع العربي، خلع ذلك الأستاذ معطفه البني ووضعه على الكرسي الذي بجواره وقال: "ليكن في علمكم أن تاريخًا جديدًا يكتب في المنطقة العربية اليوم".

الذاكرة الآن تتدخل، تعيد لي نصًا كتبته منذ زمن حول معطفي الذي ألقيته بشكل لامبالٍ على السرير، وسمعت تذمره من هذا الفعل، في شكل احتجاجي يحاكي ما حدث في ثورات الربيع العربي.

اقرأ/ي أيضًا: ما كتبه شهيد مجهول إلى صديقه

"اليوم فقط سمعت تذمره من طريقة إلقائه على السرير بهذا الشكل اللامبالي، لم أنتبه قبلًا وأنا أهم بارتدائه أنني وسط طقس تنصيب رسميّ لحاكمٍ عادل، يوزع دفئه على أجزاء جسدي بالتساوي، ولا يهمل جزءًا واحدًا، أو يترك قدمًا مني أو ذراعًا تذهب ضحية لعوامل التهميش، لم أنتبه إلى كونه يدفئي دون أن يقمع حرية بردي في التظاهر ورفع لافتات الاحتجاج، ولم أفهم أبدًا نظرة القلق في عينيه لما كنت أخلعه عني ويشير إلى بطانته الصالحة ليسألها عن شكل دفء أكثر عدلًا في مشواري القادم، عذرًا معطفي، عذرًا لأنّك كنت معي أجمل الحكام وكنت لك أسوأ الشعوب".

سأكمل هذه الكتابة الآن وأقول:
بعد أن عدت إلى منزلي في ذلك اليوم فتحت على النشرة الإخبارية بشغف وحماس، كانت هذه أولى النشرات الإخبارية التي أشاهدها في حياتي، شدتني مشهدية الشباب التونسي وهم يحملون لافتات مكتوب عليها بالفرنسية " Dégage" أي ارحل.

ها هي الذاكرة تتدخل مرة أخرى تعيد إلي أحد النصوص التي كتبتها وأنا أصف شعوري عندما رأيت مشهدية عبد الناصر العويني وهو يطلق صرخته الشهيرة في ليلة هروب المخلوع زين العابدين بن علي، أقول فيه:

حماسي وانشغالي بثورات الربيع لم يتوقف وظهر جليًا في عنوان رسالة الماجستير التي أعمل عليها حاليًا: "التخطيط والتنمية السياسية"

"يرد في القواميس في معنى القبلة أنها هي الجهة والمقصد والمبتغى، نعم.. أنا في هذه الليلة أفهم هذه المعاني جيدًا لكنّ حيرتي تأتي من شق آخر هو البدء والنشء والانبثاق، فلا يمكنني وأنا أتأمل في ملامح ذلك الرجل الذي يطلق صرخته مدوية إلا أن أسأل نفسي: من أين انبثقت تلك الصرخة حتى جاءت على هذه الشاكلة الجليلة الجميلة والمرهبة في آن؟ "بن علي هرب"، أعي أن عبد الناصر العويني عندما أطلق صرخته هذه كانت وجهته وقبلته كل الأحرار والمتطلعين إلى الحرية في هذا العالم، لكنني أجهل المصدر الأساس ومكان الانبثاق، أتذكر المشهد الأخير من فيلم “Brave heart” والصرخة التي أطلقها وليام والاس هناك، أتذكر شعور القشعريرة الذي أصابني وهو يتهجى تلك الكلمة ثم يطلقها مالئًا أرجاء الكون "Freedom"، هي نفس القشعريرة التي تنتابني الآن وأنا أشاهد ذلك الرجل في ظلام الليل البهيم يصرخ ويقول: "بن علي هرب، تحررنا، الشعب التونسي حر الشعب التونسي ما يموتش".

أعود لأسأل نفسي سؤال البدء والنشأ والانبثاق، من أي مكان انبثقت تلكَ الصرخات؟ كم عمر اختناقها في الحنجرة قبل أن تنطلق هكذا؟ يا إلهي، المحللون السياسيون يرسمون سيناريوهات متوقعة لليوم الأول بعد انقشاع ضباب ظلم المحتل أو استبداد الطاغية، لكن ماذا لو رسمت سيناريو متوقع لصرختي في اليوم الأول بعد زوال الاحتلال، كيف سيكون شكلها؟ من أين ستنبثق؟ ثم من له أن يتكهن بعمر اختناقها فيّ؟ أكاد أجزم بأنها ستكبرني بمراحل، ربما لها جذور تعود إلى النكبة أو أسبق.. وربما وأنا أطلقها آنذاك سأتذكر ما كتبت هنا مستلهمة صرخة ذلك الرجل ومسترجعة صوت الدرويش: كيفَ نشفى من حب تونس؟"

اقرأ/ي أيضًا: تيران وصنافير مصرية.. فلنشرب نخب النّصر أولًا

سأتابع هذه الكتابة الآن:
بعد ذلك اليوم وعلى مدار ستة أعوام تابعت مجريات الثورات العربية بشغف، وكما هللت لنجاح التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي، عبرت عن أسفي للانتكاسة التي أصابت مسار الثورة في مصر، وكتبت عن الغصة التي بقيت في نفسي جراء افتراض نجاح كان يمكن أن يكون ولم يحدث.

وهنا تعيدني الذاكرة إلى هذا النص:
"كان يمكن ولم يحدث"، هذا السياق بالذات يورّث في النفس غصة أكبر من غيرها، لا تشبه هذه الغصة أي غصة أخرى، كتلك التي تأتي في سياق "احتمالات الحدوث ضئيلة" أو "احتمالات الفشل أكبر من احتمالات الحدوث"، تلك الأولى تنفرد بالممكن بالاحتمال بالنسبة المئوية التي تفتح أبواب احتمالات الحدوث على مصراعيها، ليقف أمامها الجمهور متأهبين، متأملين، مشجعين، ينتظرون البارقة والنبأ والبشير، ثم عندما لا يأتي تنكسر آمالهم فيغلقون الأبواب وفي أنفسهم غصة كبرى تبقى معهم إلى آخر الدهر. هذا السياق هو ما حدث معي تمامًا في متابعتي لمسار الثورة المصرية خاصة، في نفسي غصة كبرى لن تمحوها تعاقب الأزمنة أو سريان الدهور".

الكتابة فعل احتجاج، تأثير الحجر الصغير الذي يلقى في المياه الراكدة ليحرك عاجلًا أم آجلًا مياه المحيط الكبير

سأستأنف هذه الكتابة بالإشارة إلى أنه بعد تخرجي من قسم العلوم السياسية في عام 2014، تابعتُ دراستي في نفس الجامعة في برنامج ماجستير "التخطيط والتنمية السياسية"، وأؤكد هنا أن حماسي وانشغالي بثورات الربيع لم يتوقف وظهر جليًا في عنوان رسالة الماجستير التي أعمل عليها حاليًا.

وفي هذا المقام، تأخذني الذاكرة إلى نص آخر وصفت فيه ردة فعلي أمام ذاك الأكاديمي، الذي تأتي صورته كانعكاس لصورة جموع المشككين في جدوى ثورات الربيع، وأقول فيه:

"لا أعتقد أنّها عبثية الصدفة ولا عشوائية الأقدار تلك التي جمعتني بذلك الأكاديمي العريق لبضع دقائق، ولا أظن أنها لحظة بلا معنى تلك التي وقفت عندها كثيرًا ثم قررت أن أكتب عنها. نعم. كانت لحظة سألني فيها بعد جمل تعارف قصيرة عن موضوع رسالة الماجستير التي شرعت في كتابتها قبل مدة، فأجبته أن محورها يدور حول الحركات الاحتجاجية وأنها عبارة عن دراسة مقارنة بين مصر وتونس والبحرين.

ونعم كانت لحظة قال لي فيها بعبارة تهكمية ساخرة: "هو في حركات احتجاجية صارت بهاي الدول؟ ما رجعنا لورا غير هاي الحركات". ونعم ثالثة كانت لحظة تأملت فيها تقاسيم وجهه فلاحظت هرمها، وأبصرت خطوطها الشاحبة التي كانت مخفية عني في زقة من زقاق اللاانتباه، جملته تلك نبهتني لها وجعلتني أبحث فيها عن تفسير، أهو من الذين تجذرت النكبات والنكسات في عقولهم وتركت بصمتها؟ أهو من المتبنين لوجهة النظر القائلة بأن كل ما حصل لا يخرج عن مساحات المؤامرة؟ ثم ما الذي رآه في ملامحي وجعله يتهكم من كلمة "الاحتجاج" بهذه الطريقة؟ ما الذي يعرفه عنها؟ عن أشكالها؟ ما الذي يخافه فيها؟ الشغب أم التمرد أم الخروج عن الأطر؟

اقرأ/ي أيضًا: نيران التصنيف

الكتابة بالنسبة لي -مثلًا- فعل احتجاج، هو لا يعرف ذلك، لا يعرف عن مدى إيماني بتأثير الحجر الصغير الذي يلقى في المياه الراكدة ليحرك عاجلًا أم آجلًا مياه المحيط الكبير، لا يعرف أن التغيير يحتاج إلى الحركة ويتنافى مع ألفاظ الركود والقعود والاستسلام التي أراها الآن تتوسد ملامحه، ولا يفهم أن أكبر انتكاسة حصلت حقًا لم تكن في مسيرة التغيير بل كانت في عودته في أذهان البعض باعتباره سبب كل انتكاسة.

إذن، لا أعتقد أنها عبثية ردات الفعل التي جعلتني أنصرف من أمام ذلك الأكاديمي بدون استئذان، إنه فعل تهكم وشكل احتجاج عليه، وعلى خطوط العمر في وجهه التي تريد أن "تضيعني وعالماضي اترجعني" بحسب حمزة نمرة قدس الله سره".

 أوجه نظري نحو التجربة التونسية في التحول الديمقراطي، التي تمثل النصف الممتلئ من الكأس، تلك التجربة التي تشبه البجعة البيضاء

إذن، سأختم هذه الكتابة بنص كتبته -مؤخرًا- في ذكرى انطلاقة ثورات الربيع العربي هذا العام، وأقول فيه:

"لست من أولئك الذين يدعون غيرهم إلى توجيه أنظارهم نحو النصف الممتلئ من الكأس، بل إنني أصنف نفسي -غالبًا- ضمن فئة أخرى أكثر تشاؤمية وواقعية تنظر إلى أي كأس ولا ترى فيه سوى نصفه الفارغ.

لكن ضمن مفاعيل ثورات الربيع العربي، أوجه نظري -دائمًا- نحو التجربة التونسية في التحول الديمقراطي، التي تمثل النصف الممتلئ من الكأس، تلك التجربة التي تشبه البجعة البيضاء التي تقلع عين كل المعممين المعادين للحرية والديمقراطية، الذين يتعاملون مع ثورات الربيع كما لو كانت سلسلة لامتناهية من الانتكاسات/البجعات السوداء التي ليس فيها بجعة بيضاء واحدة تكسر التعميم وتشكل الاستثناء الذي يتأسس عليه قاعدة تؤكد بأن عالمنا العربي صالح للديمقراطية. نعم.. أوجه نظري دائمًا نحو تلك التجربة، التي تمثل النصف الممتلئ من الكأس، وأرى فيها الكأس كله".

ثم أضيف عليه بالتأكيد على أن ذاكرتي الانتقائية لم تستعده هو وغيره من النصوص، إلا لأنه مثّل الجزء الأكبر من متابعاتي واشتغالاتي طوال الستة أعوام الماضية، وتبعًا لذلك، وبدعوى من الذاكرة أقول: رغم كل الانتكاسات، ما زلت أؤمن بالربيع.

اقرأ/ي أيضًا:
بلقنة الشرق الأوسط
الثورة المضادة.. والطريق المسدود