بحرّه برّه.. درس في الجغرافيا

بحرّه برّه.. درس في الجغرافيا

فتاة تسير بجوار لوحة غرافيتي في بيروت (أ.ف.ب)

1، 2، 3

انتهى العد، جلس الجميع. انتهى الضحك. بدأ الدرس: تحدّه سوريا من الشمال والشرق، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط، ومن الجنوب فلسطين المحتلة. عاصمته بيروت، ومساحته 10452 كلم مربعًا. عدد سكانه 4 ملايين نسمة، ويتحدث أهله اللغتين العربية والفرنسية (!). مناخه معتدل، ويتميّز بقرب الجبل من البحر.

(هاهاها، هاهاها، قهقهة خفيفة في المقاعد الخلفية)

استقل لبنان عن فرنسا بعد اعتقال قادته في قلعة راشيا. Bla bla bla. هذا كثير. لا يمكن أن نكمل درس الجغرافيا بهذا الشكل.

الانتفاضة صحية. هذا هو الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من الذين يعيدون ترميم بيروت. أولئك الذين يبذلون جهدًا رهيبًا لاستبدال بلاط الجدران الكولونيالية، بالقليل من الهواء النظيف.

ملل، ملل، ملل.

بالنسبة للبنانيين الذين تلقوا تعليمًا مدرسيًا باللغة العربية، أو ما يعادله بلغات أخرى، فإن هذا المشهد سيبدو مألوفًا وبديهيًا. لكن الجغرافيا اللبنانية مثل التاريخ، بحاجة إلى إعادة تصحيح. على الأقل إلى توضيح، أو سلسلة من التوضيحات.

اقرأ/ي أيضًا: دفعة جديدة على حساب اللبنانيين: ما الذي سيحدث بعد تسديد اليوروبوندز؟

تحدّه سوريا من الشمال والشرق، ولكن سوريا ليست البعث

العمال السوريون الذين ضربهم لبنانيون في الأسابيع التي تبِعت 14 شباط 2005، عادوا وانتفضوا على النظام الذي كنا نعتقد بسذاجة، لوقتٍ طويل، أنه هو سوريا. أما الذين اعترضوا، وقالوا إنهم كانوا مع سوريا في 8 آذار من ذلك العام، فسرعان ما تبين أنهم لم يكونوا فعلًا مع السوريين. كانوا مع النظام، وحاولوا طوال الوقت إقناع أنفسهم أن هذه هي سوريا.

إعادة تعريف لبنان لا تقتضي إعادة تعريف سوريا. سوريا للسوريين ولبنان للبنانيين. لكن محاولة إعادة تعريف لبنان، اقتضت انتفاضة.

يحدّه البحر الأبيض المتوسط، لكنه تلّون

بفعل أنابيب الصرف الصحي لم يعد "أبيض". أما "متوسط" درجات تلوثه، فقد يبلغ 100٪ في كثير من الأماكن. الدراسات العلمية قادرة على تحديد نسبة الجراثيم، لكن رائحة إنجازات بلدية بيروت (والبلديات الأخرى) لا تحتاج إلى دراسات. يكفي الوقوف على درابزين عين المريسة - الجديد طبعًا - وستفوح رائحة الإنجازات. البحر من أمامكم، والبلدية من ورائكم.

تحدّه من الجنوب فلسطين المحتلة

أقبضوا جيدًا على "بوصلتكم". شدّوا عليها حتى تحمرّ عروقكم. الكز على الأسنان مسموح. لحظة من فضلكم، وقعت بعض الأخطاء في الاتجاهات. حيفا، حلب، بغداد – شيكاغو، شيكاغو - بغداد، القصير، نابلس، السابع من أيّار، إلخ، إلخ إلخ. البوصلة مستوردة من الصين، ربما؟ ولكن صحيح، لماذا لا نفتح الأسواق ونتاجر مع الصين؟ لماذا لا نصدّر البطاطا إلى العراق؟

عاصمته بيروت، وليس وسط بيروت

والأهم ليست "سوليدير". وليس الوسط التجاري. ولا "صيفي فيلليج" أو "سنترفيل" أو "داونتاون". استثناء البسطة وفرن الشباك إضافة إلى تجمع الضواحي الأخرى التي تشكّل بيروت، كان لوقتٍ طويل لخدمة "المركز" وصفة "المركزية". جاءت الانتفاضة ضدّ هذا أيضًا، لتؤكد أن علاقة بيروت بأهلها ليست علاقة أفضل من علاقة طرابلس بلبنان، أو علاقة صور ببيروت، أو علاقة النبطية بطرابلس، وعلاقة كل هؤلاء بذوق مكايل وببعلبك.

بيروت ليست مدينتي. وليست مدينتك. بيروت مدينة للعموم. واليوم، ربما لا وجود للمركز، إلا في سنتيمرات قليلة داخل رأس حاكم مصرف لبنان، السيد رياض سلامة.

مساحته 10452 كلم مربعًا، لكنها كانت ضيّقة على أهله قبل الانتفاضة

وعدد سكانه ليس 4 ملايين. لكن العدد ليس مهمًا. ما هو مهم فعلًا، عدد الذين انتفضوا ضدّ تحولهم إلى أرقام تمرّ في آلة الماضي، وتتحول إلى أرقام مجددًا. وظيفة الانتفاضة هي إعادة إنتاج الزمن. الخروج من الماضي. لسنوات طويلة لم يكن لدينا أي ماضٍ في لبنان. كان لدينا مجموعة أحداث. جمعناها على عجل وافترضنا أنها الماضي. باستسهال شديد، يمكن أن نتحدث عن الجماعات وخوف الجماعات من بعضها البعض. اخترعنا ماضٍ لا يمضي. ولكن بعينين مفتوحتين، ولو زائغتين قليلًا، يمكن أن نتحدث عن قطيعة مع الكسل بدأت في 17 تشرين الأول/أكتوبر.

لا نعرف الذين سجنوا في قلعة راشيا عن قرب

معظم اللبنانيين، عندما يتجاوزون المراهقة، يشعرون برغبة حقيقية بعدم تصديق هذه القصة. يمكننا أن نذكّر هنا بالتعبير الرهيب المستخدم في كتب التاريخ: "رجالات الاستقلال". وهذا غالبًا للتأكيد على ذكورية الحدث. "رجالات الاستقلال". يمكننا أيضًا أن نتخيّلها بصوت إميل لحود الأسطوري، لتكتسب قوة مضاعفة طبعًا. أما بأصواتنا، اليوم، فيمكن أن نقول: نساء الانتفاضة.

اقرأ/ي أيضًا: في بيروت.. زحمة يا دنيا زحمة

جزء كبير من اللبنانيين يعتبر أن "الميثاق الوطني" محطة طريفة، تطورت إلى إهانة مستمرة في قيود الأحوال الشخصية وفستيفالات الانتخابات النيابية وبرامج التوك شو التي تسبب تقرحات حادة في المعدة.

ننتبه هنا، إلى أن التاريخ القصير جزء من التاريخ الطويل: تقرح حاد في الذاكرة. الانتفاضة صحية. هذا هو الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من الذين يعيدون ترميم بيروت. أولئك الذين يبذلون جهدًا رهيبًا لاستبدال بلاط الجدران الكولونيالية، بالقليل من الهواء النظيف. ما تبقى من هذا الهواء.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"يسقط حكم المصرف".. عقدة رياض سلامة في منشار الاقتصاد اللبناني

صناديق الإعاشة للانتقام من الانتفاضة اللبنانية