بحجة الإصلاح.. مجانية التعليم المصري في خطر

بحجة الإصلاح.. مجانية التعليم المصري في خطر

ملفات ضخمة أمام وزير التعليم المصري للوفاء بوعوده وإصلاح القطاع (محمد حسام/الأناضول)

رغم تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن التعليم قضية أمن قومي بالنسبة لمصر، إلا أن واقع الأحوال يقول إن الدولة التي تتشدّق بأهمية التعليم لا تفعل أي شيء من شأنه تغيير الوضع التعليمي المزري، وأغلب الظن أم مصر نفسها لا تعرف بالضبط ماذا تريد من التعليم والمتعلمين.

دعم وزير التعليم الجديد في مصر طارق شوقي تقليل الإنفاق الحكومي على التعليم وهو ما اعتبر مسًا من مكسب مجانية التعليم

يقول المسؤولون بداية من رئيس الجمهورية إلى أصغر موظف بوزارة التعليم كلامًا عامًا وفضفاضًا وعائمًا، لكن لا أحد يجيب بوضوح على الهدف من التعليم في مصر، بل لا توجد دراسات علمية جادة عن العلاقة بين التعليم وسوق العمل، رغم أننا نسمع دائمًا عن ضرورة ربطهما ببعضهما البعض، لكن على أرض الواقع لا يخرج هذا الكلام من إطاره النظري الجامد الصالح للمؤتمرات والتصريحات الصحفية فقط لا غير.

اقرأ/ي أيضًا: عن مجانية التعليم في مصر وعوالم موازية

مؤخرًا، كان رحيل الهلالي الشربيني عن وزارة التعليم حدثًا يستحق التأمل في كيفية إدارة الدولة وتسيير الأمور في مصر، فالرجل الذي تولى إدارة وزارة التربية والتعليم لم يملك أي مقومات إدارية أو مهنية، يخطئ في الإملاء، ويخوض معارك وهمية ضد الفساد، الأمر الذي أعاد الحديث عن أزمة السياسات التعليمية وجهل القائمين عليها. هذا الجهل هو ما راكم الأزمات في عقود خلت دون قدرة على حلّها، فتوقفت القدرة على تحديد المشكلات ونُحّي التفكير الخلّاق جانبًا، ليدخل التعليم المصري نفقًا مظلمًا مفوّتًا فرصًا كثيرة لتحقيق التقدم.

رحل الشربيني وجاء طارق شوقي وزيرًا للتربية والتعليم والتعليم الفني، والحقيقة أن هناك فارقًا شاسعًا بين الرجلين، فالأخير رجل أكاديمي له تاريخ طويل من العمل المشترك كعضو في فريق عمل، وهذه مسألة مهمة، وتولى لمدة عامين رئاسة المجلس الاستشاري لشؤون التعليم والبحث العلمي التابع لرئاسة الجمهورية، وحاصل على دكتوراه من جامعة أمريكية، وشغل منصب مدير مكتب اليونسكو الإقليمي للعلوم والتكنولوجيا في العالم العربي، ما يعني أن لديه خبرات دولية وإقليمية ومحلية تفوق سلفه بأشواط كثيرة.

لكن أحاديث الوزير الجديد بدّدت كثيرًا من تفاؤل المعطيات التي يحملها ملفه الشخصي، فالوزير الجديد هو صاحب المقترح الشهير لتقليل الإنفاق الحكومي على التعليم، ويرى ضرورة أن يكون هناك نظام جديد لتحمّل الدولة المصروفات الدراسية في مراحل التعليم المختلفة.

وكان شوقي قد صرّح عندما كان رئيسًا للمجلس الاستشاري للتعليم أن الدولة "ستتحمل المصروفات الدراسية للطلاب الحاصلين على 70% على الأقل من مجموع درجاتهم وسيدفع الطلاب الحاصلون على أقل من هذه النسبة جزءًا من المصاريف الدراسية، بينما يتكفّل الطلاب الراسبون بدفع مصاريف الدراسة بشكل كامل". وقال شوقي بكل وضوح حينها إن "السياسة الجديدة تستهدف تغيير عقلية المصريين فيما يخص مجانية التعليم، فالنظرة إلى التعليم المجاني كحق مكتسب آن لها أن تنتهي".

بعد تعيينه في منصبه الجديد، حاول شوقي التراجع عن هذه التصريحات مؤكدًا أن الدستور نصَّ على مجانية التعليم، إلا أن كثيرين، بحكم خبرة تعاملهم مع رجال الدولة الحاليين، يعرفون جيدًا أن الدستور يأتي في ذيل اهتمامات النظام الحاكم، وهناك مخرج قانوني دائمًا تختلقه الحكومة لتنفذ به سياستها، أو ربما يتصدّى البرلمان بنفسه لتنفيذ تلك السياسات، طالما أن البرلمان برلمان النظام والحكومة حكومة النظام. ورجّح البعض اختيار عبد الفتاح السيسي لوزير التعليم الجديد لأنه صاحب مقترح تقليل الإنفاق الحكومي على التعليم، في ظل ميل النظام الحالي لفرض إجراءات تقشفية على المواطنين.

اقرأ/ي أيضًا:  التعليم المصري.. أزمات مستمرة ووزير يثير الجدل

تطوير التعليم.. كيف؟

أعلن وزير التعليم المصري عن استيائه من منظومة التعليم الحالية لكن العام أوشك على النهاية ولم يتغير شيء تقريبًا

لم ينتظر وزير التعليم المصري الجديد سوى أيام قليلة بعد تعيينه في منصبه ليعلن عن استيائه من منظومة التعليم الحالية، سواء في الاجتماعات والمؤتمرات التي حضرها أو في توصياته المتعلقة بتطوير التعليم بحكم منصبه السابق كمستشار للرئيس لشؤون التعليم.

شوقي الذي سبق له الإشارة إلى خلو النظام التعليمي الحالي من المتعة وعوامل الجذب وسيطرة المناخ الطارد لمواهب الطلاب وتطويرها، إضافة إلى كونه يستنزف عقول الطلاب ويساعد في استمرار كارثة الدروس الخصوصية، التي تحوّلت إلى مفرخة لتحفيظ الطلاب المناهج الدراسية ورصّها في ورقة الامتحان في نهاية العام.

شوقي أيضًا هو صاحب رؤية لتطوير التعليم المصري كان قد أعلن عنها في حزيران/يونيو الماضي، تشمل خطة كان من المفترض تنفيذها اعتبارًا من العام الدراسي الحالي وتطبيقها على الطلاب الملتحقين بمراحل التعليم الأساسي، وتقضي الخطة بعدم تطبيق نظام الثانوية العامة على هؤلاء الطلاب الجدد عندما يصلون إلى تلك المرحلة بعد مرور 12 عامًا، وكذلك القضاء على الدروس الخصوصية ومنع الغش وتسريب الامتحانات. لكن أيًا من هذه الخطط والاقتراحات لم تجد لها سبيلًا لتنفيذها، فبدأ العام الدراسي وأوشك على الانتهاء دون تفعيل خطوة واحدة من تلك الخطط.

والآن وبعد أن أصبح الرجل المسؤول التنفيذي الأول داخل وزارة التعليم، يبدو التطلع إلى تنفيذ رؤيته حول "الإصلاح التعليمي" أمرًا ملحًا ودليلًا على المصداقية وإلا فإنه يكون قد وضع نفسه في موضع كل مسؤول يلقي اقتراحات يعجز عن تنفيذها عندما يمتلك قرار التنفيذ. ولعل ما يزيد المخاوف هو أن شوقي يأتي وزيرًا للتعليم من خارج منظومته، فهو لم يكن وكيلًا للوزارة ولا أحد موظفيها الكبار، مما يشكّل تهديدًا لمحاولات "تطوير التعليم" التي يسوّقها حيث من المتوقع أن يجد مقاومة كبيرة من جانب المستفيدين من بقاء المنظومة التعليمية على حالها.

في سياق متصل، يواجه الوزير الجديد تحديًا مضاعفًا مع اقتراب نهاية العام الدراسي وهو مشكلة الغش وتسريب الامتحانات وتفعيل منظومة الأسئلة والأجوبة الجديدة "البوكليت" أو تنفيذ رؤية أخرى تنسجم مع تحقيق هدف منع التسريب الذي أضحى عاديًا ومألوفًا في السنوات الأخيرة، بما لا يجعله عرضة للمواقف التي واجهها سلفه وبدا عاجزًا تمامًا عن التعامل معها.. ولا ننسى في هذا الإطار إعلان شوقي السابق عن وجود أفراد يعملون على إنتاج نظام تعليمي جديد لا يعتمد على الحفظ والتلقين، بل يعتمد على محتوى جديد وطريقة حديثة للتعليم، وهذا النظام سيستبدل نظام الثانوية العامة بنظام جديد يبدأ تطبيقه مع جيل جديد. هذا الطموح الأخير، أو الوعد الأخير بالأحرى، لم يتسن تطبيقه في موعده المحدد ويبقى في مقدمة وعود الإصلاح التي لم يعد تطبيقها يحتمل مزيدًا من التأجيل.

كذلك يبقى من المهم العمل على تنفيذ ما تضمنته خطة التطوير التي اقترحها شوقي في ملف الارتقاء بمستوى المعلمين وتنمية قدراتهم وتصحيح أوجه الإنفاق المخصصة للتعليم، بحيث يتم إنفاقها في وجهتها الصحيحة بدلًا من إهدارها، وعلى سبيل المثال فإن حجم موازنة طباعة أكثر من 300 مليون كتاب مدرسي قد تخطت ملياري جنيه، في وقتٍ يحتل فيه الكتاب الخارجي الاهتمام الأول للطلاب، نظرًا لكمّ الحشو الذي يحتويه الكتاب المدرسي مما يعد إهدارًا لموازنة التعليم.

وفي ظل تشابه منظومة التعليم الحالية مع باقي منظومات الخدمات الحكومية المصابة بالعطب والاختلالات الهيكلية، نتيجة لضعف خيال وانعدام رؤية القائمين عليها؛ يرى محللون ضرورة استعانة الوزير الجديد بفريق عمل جديد يخلف الموظفين الكبار في الوزارة والذين يُلقبّون حاليًا بالخبراء، حيث إن بقاءهم في مواقعهم كفيل بإفشال خطط "التطوير" ومحاربة تطبيقها، بهدف الإبقاء على المنظومة الفاشلة التي يديرونها.

وأخيرًا، يبدو أن وعود الوزير الجديد ستظل تلاحقه لتنفيذها كونها تمثّل المعيار الذي وضعه هو بنفسه من أجل تطبيقه، وهو ما دفع الكثيرين إلى المطالبة بمواجهة تدهور مستوى التعليم الحالي، وإعادة هيكلته وطرح وتطبيق منظومة تعليمية جديدة. ولا يبقى سوى أن نرى خطوات فاعلة للتخلّص من المنظومة التعليمية المتهاوية وتحويل شعار "متعة التعليم" الذي رفعه شوقي إلى واقع يحوّل الطلاب إلى حالة من الرضا والسعادة بدلًا من حالة التحفز وعدم الرضا التي تنتاب معظمهم خلال وجودهم في المدرسة، إلا أن إثارة قضية مجانية التعليم وكأنها سبب تفاقم كل مشكلات التعليم يبدو بمثابة أزمة جديدة تضاف إلى تلٍّ مكدَّس بالأزمات التعليمية القائمة التي تبدو وكأنها عصية على الحلّ.

اقرأ/ي أيضًا:

مصر.. انسفوا "حظيرة" التعليم العالي

المدارس في مصر.. سوق تجارية بلا تعليم