بجعة مكاوي سعيد لن تغرّد مجددًا

بجعة مكاوي سعيد لن تغرّد مجددًا

الكاتب الراحل مكاوي سعيد

من يبحث عن صديق يصادقه فلن يجد أصدق من مكاوي سعيد، ومن يبحث عن رفيق فلن يجد أطهر من مكاوي، ومن يبحث عن نصيحة فلن يجد أجزل من مكاوي، ومن يبحث عن مساعدة فستتجسد يد الله في كف مكاوي.

إذا أردنا أن نختصر حياة مكاوي سعيد في جملة واحدة فستكون عنوان كتاب الفيلسوف الألماني نيتشه "إنساني مفرط في إنسانيته"

كعادة الموت يختطف الطيبين بأنياب قاسية دون فرصة للوداع. رحل الروائي المصري مكاوي سعيد صاحب "تغريدة البجعة" في هدوء وصمت كما تعود أن يعيش في هدوء وسكينة دون أن يمنحه الموت فرصة أخيرة لرؤية كتابه القادم الذي كان يعكف على بروفاته الأخيرة. بجعة مكاوي سعيد لم تعد تغرّد بل اختارت النواح، شوارع وسط القاهرة ستفتقد روحه العطرة.

اقرأ/ي أيضًا: مكاوي سعيد: أنا كاتب كسول ومزاجي

إذا أردنا أن نختصر حياة مكاوي سعيد في جملة واحدة فستكون عنوان كتاب الفيلسوف الألماني نيتشه "إنساني مفرط في إنسانيته".

لم أعرفه منذ فترة طويلة، لكني أشهد على إنسانيته المفرطة ونقاوة روحه الطاهرة، في المرة الأولى التي تقابلنا فيها، كنت أجلس مع صديقين مسؤولين عن مكتبة صغيرة ومنفذ بيع للكتب مجاور لمقهى "زهرة البستان"، في وسط القاهرة، ممن تربطهم علاقة وطيدة بمكاوي سعيد، دخل سعيد المكتبة ويرافقه الروائي إبراهيم عبد المجيد، تبادلنا السلام ولم يكن هناك كراسٍ كافية للجميع، قمت من مقعدي ووضعت الكرسي لمكاوي ليرفض الجلوس حتى أصريت، وبعد دقائق قليلة قام من مكانه ليسأل العاملين في "زهرة البستان" أن يأتوا بكرسي لي.

قد يبدو الموقف في ظاهره بسيطًا، لكنه كان بداية علاقتي بإنسان تزيّن روحه الورود، في البداية كنت مأخوذًا كوني في حضرة أديبين جليلين ممن أبجلهم وأقرأ أعمالهم، وما هي إلا دقائق قليلة وشعرت بأننا نعرف بعضنا الآخر منذ سنوات لنتبادل الحديث والأفكار والنكات والضحك، ومنذ ذلك الحين ما إن رآني عابرًا من مقهى "زهرة البستان" إلا وبادلني السلام كأني ابنه ويصر أن أجلس قليلًا في صحبته.

في مرة زارني الخجل كونه يدفع حساب المشروبات في كل مرة ألقاه، فقبل أن أتركه وأذهب قمت بدفع النقود لعامل القهوة ليرانا من مجلسه فينادي على "القهوجي" ويمزح معه ويوبّخه بحب، في الفترة الأخيرة كان يعكف على إنهاء كتابه القادم عن تاريخ القاهرة، كنت أجالسه في صمت وأراقبه يعمل، فيأخذ رأيي في صورة معينة يريد أن يضعها بالكتاب أو يريني صور قديمة ويناقشني في الفروق الثقافية والاجتماعية التي مرت على مصر عبر السنين، لم يتكبر كوني شابًا أقل من نصف عمره ولم أنجز في مشواري الأدبي أي إنجاز يُذكر، كنت أشعر أنه صديق من عمري يتقبل كل شيء ولا يحكم أبدًا على أي شخص حكمًا سيئًا أو استباقيًا، دائمًا يبحث عن الدوافع والمبررات.

لا أحد يعرف مكاوي عن قرب إلا ويدرك حجم الفاجعة الإنسانية قبل أن تكون أدبية

عندما حاورته الحوار الأخير الذي نشر على "ألترا صوت" منذ شهرين عبّر عن كونه "كاتب كسول ومزاجي"، فأخبرته أنني أشبهه حيث أعكف على كتابة روايتي الأولى منذ خمس سنوات ولم أنته إلا من بضع فصول، وصارحته من خوفي من مرحلة النشر وألا أجد ناشرًا جيدًا، في ظل تدني سوق النشر في مصر ورغبتي في التقديم على الجوائز الأدبية، لينصحني ألا أصبح كسولًا مثله، وأخذ يحثني على الانتهاء من الرواية وسيتابعها معي ونقرأها سويًا ليدون لي الملاحظات، أخبرني ألا اهتم بالجوائز وألا أفكر في النشر قبل الانتهاء، ولو كان العمل جيدًا سيوصلني بعدد من دور النشر لكي أعرضه عليهم. هكذا كان مكاوي سعيد، لا يبخل بالنصيحة ويساعد كل من يستطيع دون أن ينتظر مقابلًا، ولم أره في مرة متعاليًا على أحد من الكتاب الشباب حتى أولئك الذين لا مستوى للكتابة الأدبية لديهم، كان دومًا مشجعًا، ينصح دون عجرفة أو تعالٍ ويأخذ باليد التي يجدها في طريقه.

اقرأ/ي أيضًا: قاهرة مكاوي سعيد

لا أحد يمر على مقهى "زهرة البستان" إلا ويعرف مكاوي سعيد، يصادق الجميع، الجالسون، المارة، العاملون بالمقهى، حتى الباعة الجائلون وأطفال الشوارع، جميعهم يعرفون مكاوي ويعرفهم ويسأل عنهم ويبادلونه الأخبار، اليوم تفقد وسط القاهرة عمودًا جديدًا من عمدانها، تراثًا حقيقًا، فليس التراث فقط في الأبنية والحجارة، لا أتخيل ذلك المقهى دون ضحكات مكاوي سعيد ومزاحه الخفيف.

رافقته مرة إلى "أتيليه القاهرة" وهو مكان في وسط القاهرة يرتاده المثقفون والفنانون والكتاب، ما أن عبرنا الباب حتى بادله السلام كل من يجلس بالمكان دون استثناء، "ميكي" هكذا كانوا ينادونه ويلقبونه، أصوات متداخلة تحييه كزعيم محبوب.

لا أحد يعرف مكاوي عن قرب إلا ويدرك حجم الفاجعة الإنسانية قبل أن تكون أدبية، في كل مرة سيمر أحدهم على "زهرة البستان" أو "أتيليه القاهرة" سيشم رائحته متعلقة بجدران المكان، سيعرف أن هناك شيئًا مفقودًا لا يمكن تعويضه، سيعرف أن مكاوي سعيد كان هنا، سيعرف أنه غير قابل للنسيان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أن تحبك جيهان".. مجتمع على الحافة

رواية "الحياة والموت في بحر ملوّن".. سقطة أدبية وتقرير جيد