بثينة شعبان ومآل الأكاذيب الرئاسية

بثينة شعبان ومآل الأكاذيب الرئاسية

بثينة شعبان (CNN)

كان يمكن لخزعبلات بثينة شعبان على شاشة الميادين، في الـ 25 من كانون الأول/ديسمبر 2019، التي أدعت فيها بتحسن الوضع الاقتصادي الحالي عن مثيله في عام 2011 بمقدار خمسين مرة، أن تمر على أسماع أنصار النظام مرور الكرام، لو لم ينكأ جراحها الدكتور نور الدين منى، أحد وزراء النظام السابقين، بعد مرور العشرين يومًا على تلك المقابلة المشؤومة التي لم ير فيها الدكتور سوى "كلام يضع العقل في الكف"، الأمر الذي جعله يتجاسرعلى مطالبة المستشارة بالاعتذار من الشعب السوري، ربما لاعتقاده الراسخ أن شعبان ليست موغلة في الكذب على الناس فيما يتعلق بحياتهم المعيشية حتى أسفل أذنيها وحسب، بقدر ما أنها تكذب ولا تبالي بذكاء وحصافة من تكذب عليهم.

أزمة سعر صرف الليرة السورية ليس سلوكًا احتياليًا من قبل تجار لا ذمة لهم ولا وجدان، لكن ضعفًا بنيويًا في الاقتصاد

تبدو الرسالة المفتوحة التي بعث بها الوزير نور الدين عبر صفحته على الفيسبوك إلى زميلته في النظام خروجًا على الأعراف البعثية، التي طالما حكمت العلاقة بين أبناء السلطة الواحدة، في علاقتهم بالنصح والنقد لناحية إبقائه داخل الجدران المغلقة للإجتماعات الحزبية، أو رفعه إلى المستويات الأعلى عبر تقنية التقارير الأمنية. فما الذي دفع بالوزير للتعريض بسمعة المستشارة وحنكتها علنًا، حدّ الذهاب باتهامها بتدليس الحقائق هو العارف بحقيقة أن خطابها عن تحسن الوضع الإقتصادي ما هو إلا صدى لما يردده رئيسها في القصر الرئاسي عن تحسن الإقتصاد وتعافيه في كل مرة يظهر فيها مع وكالة إعلامية ليبيع الناس أوهامًا؟ فهل كانت تلك الرسالة محاولة ذكية من الرجل لتمرير الغضب الشعبي نحو الرئيس عبر المستشارة، بقصد النيل من مكانته وهيبته؟ أم أنها لم تخرج في كونها نوعًا من الاحتجاج العلني على الطريقة، التي تتعامل بها السلطة الحاكمة في مواجهة أزمتها الاقتصادية الخانقة؟

اقرأ/ي أيضًا: انهيار الليرة السورية.. هل يوجه لبنان الضربة القاضية لنظام الأسد؟

لا تبدو رسالة الوزير لزميلته في السلطة في جوهرها نوعًا من التعريض الشخصي، ولا مؤامرة سلطوية قذرة للإطاحة بها من موقع المستشارية كما أصرت أن تفهمها على ذاك النحو. فبدلًا من مسارعتها لتقديم اعتذار علني للشعب كما نصحها الوزير، سارعت لإرسال بيان صحفي لصحيفة الوطن، أوضحت فيه أن السبب الذي دفعها لاعتبار عام 2011 عامًا لانهيار الاقتصاد الوطني، كونه ترافق مع ظاهرة تهريب معظم الصناعيين لمصانعهم خارج البلاد، كما هجرة الفلاحين لأراضيهم إلى مخيمات اللجوء. كل ذلك دون أن تأتي بالطبع على ذكر مسؤولية النظام عن ذلك، كما على ذكر الوسائل التي لجأ إليها النظام لتدبر الأحوال المعيشية للناس التي شاءت الأقدار أن يعيشوا في ظله، رغم خروج معظم الموارد الإنتاجية عن سيطرته لصالح المعارضة، ربما لأنها لم ترغب بالبوح بحقيقة أن النظام في تلك السنة وما تلالها، كان لديه ما يكفي من الأرصدة المالية الكافية لتأمين مستلزماته من الحاجات الأساسية، ناهيك عن الدعم الإيراني اللامحدود، الأمر الذي حال دون تدهور سعر صرف الليرة على النحو الكارثي التي تتخبط به اللآن.

وضع الوزير الناصح زميلته المستشارة في عين عاصفة الغضب الشعبي من حيث يدري أو لا يدري، فعلى الرغم من حرصه على أن تكون رسالته بعيدة كل البعد عن الطابع الشخصي، فإنها سرعان ما انزلقت إلى عنف لفظي لم يبق ولم يذر، عبر تعليقات أصدقاء الوزير الافتراضيين، الذين لم يوفروا شتيمة مقذعة بحق السيدة إلا وساقوها من شاكلة "سيدة الزهايمر" إلى "سيدة الطمث المفقود"، كل ذلك على مرى ومسمع الوزير المستضيف الذي لم يبادر إلى نهر أحد منهم أو المسارعة لسحب المنشور من التدوال بعد أن صار منشور فضحية بدلًا منه منشور نصيحة، الأمر الذي جلب عليه معركة ضروس مع زوج المستشارة شعبان، جواد خليل، الذي اتهم الوزير بالحقد وحب الشهرة على حساب سمعة ومكانة السيدة، هي المتواضعة النبيلة التي أفنت كل عمرها وهي تذود عن حمى الوطن وسيده.

بعيدًا عن الآثار الجانبية الضارة التي أحدثتها رسالة الوزير على مكانة وسمعة مستشارة القصر الرئاسي، فإنها أبعد ما تكون عن التحريض على مقام الرئاسة السورية ممثلًا ببشار الأسد، فلا الوزير بوارد الإطاحة بالخطوط الحمراء التي تسمح بالنيل من هيبة الأسد، ولا هو بقادر على ذلك. فعلى الرغم من الغضب الهادر في رسالة الوزير فإنه يبقى في إطار التمني على رئيس السلطة ومستشاريه بالتحول عن الطريقة الحالية في التعامل مع الأزمة الحالية، التي تقوم على سوق الأكاذيب والتبجح بعظمة الإنجازات فيما واقع الحال يقول عكس ذلك.

ليس بالعنف والقسر تتم إدارة الاقتصاد، وإنما بالسياسة والإدارة الحكيمة، وهذا ما يفهمه بشار الأسد

في رسالته المفتوحة إلى المستشارة وربما منها إلى بشار الأسد، لا يطالب الرجل بالكثير، اللهم سوى بالتوقف بالكذب على الناس ومصارحتهم بالحقائق المفجعة، بأن أزمة سعر صرف الليرة ليس سلوكًا احتياليًا من قبل تجار لا ذمة لهم ولا وجدان، وإنما ضعفًا بنيويًا في اقتصاد غير قادر على التصدير ولا حتى على توفير المنتجات البديلة، بدلًا من اللجوء إلى الفذلكة الكلامية التي تجيد بها قريحة السيدة شعبان، في حديثها عن الأثر الوهمي لتغيرسعر صرف الليرة في مواقع التواصل الاجتماعي. فيما الواقع يؤكد أن كل تغير في سعر صرف الليرة على مواقع التواصل الاجتماعي المختصة سرعان ما يرتد سلبًا على سعر المواد المقومة بها.

اقرأ/ي أيضًا: أملاك النظام السوري.. موسكو كمسرح لفساد عائلتي الأسد ومخلوف

يخط الوزير المحتج رسالة إلى من يهمه الأمر، فتتلقفها السيدة المحاطة بمؤامرات القصر على أنها نوعًا من تشويه السمعة المفضي لنزعة الثقة الرئاسية، في توطئة لطردها من نعيم السلطة الأسدية التي تحيا فيها. فيما يتلقفها بشار الأسد على شكل استهتار بسلطته المطلقة على قوانين الاقتصاد، فتراه يسارع إلى سن المراسيم الرئاسية التي تشدد العقوبة على كل من تسول له نفسه التعامل بالعملات الأجنبية، أو يساهم في الإعلان عن أسعار صرفها، دون أن يخطر على باله أن ليس بالعنف والقسر تتم إدارة الاقتصاد، وإنما بالسياسة، الإدارة الحكيمة للناس، التي على ما يبدو أنه يفتقد لأبسط أبجديتها، بدليل مسارعته إلى كل ما يمت للقوة العارية بصلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاقتصاد السّوري.. الانهيار المُخيف

رحلة الليرة السورية إلى الانحدار.. الخفايا والمآلات