"بانتورا".. مسرحية تنتقد الشّعب والحكومة في الجزائر

من العرض

لطالما كان في الجزائر منخرطًا في أسئلة وهواجس الإنسان الجزائري، بما فيها الأعمال المسرحية المقتبسة عن نصوص عالمية. إذ يشكّل الاقتباس هامشًا كبيرًا في المسرح الجزائري، غير أنّ الهمّ الأكبر لمخرجي تلك النّصوص المقتبسة كان أن يحقّقوا بها إسقاطًا جزائريًا يرصد ملامح واعتمالات اللحظة المحلية.

 كان الجسد مدخلًا في مسرحية "بنتورا" للفت الانتباه إلى جملة من التفكيرات والسّلوكات

في سياق المسرح الفكاهي، يحفل المشهد الجزائري بعشرات التجارب، التي جعلت من الفكاهة طريقًا لانتقاد الذّهنيات والنّفسيات المريضة والمعوجّة والمعرقلة لمسار الحياة والتفكير والتّنمية، لدى السّلطة والشّعب معًا. وهو التّراكم الذي استدعى بعث مهرجان وطني للمسرح الفكاهي عام 2005 بمدينة المدية، 100 كيلومتر إلى الجنوب من الجزائر العاصمة.

اقرأ/ي أيضًا: محمد أمين رفاس.. مناضل شاب لأجل المسرح

يجمع المخرج سفيان عطية الممثلين بلال لعرابة وعاطف كرميش، في مسرحية "بانتورا"، التي أنتجتها تعاونية "تافتيكا" للمسرح وفنون العرض، بصفتهما دهانين مكلّفين بطلاء عمود إسمنتي في الجدار الخلفي لإحدى المؤسّسات التّربوية، فيشغلهما عبور الجميلات عن مهمّتهما، ويغرقان في تشهي الأجساد. في رصد لدواعي الكبت، الذي بات يسيّر سلوك وتفكير الشابّ الجزائري، حتى أن تفاعله مع قرار السلطات الرّوسية، مثلًا، بإسقاط التأشيرة عن الجزائريين، في سياق تحضيراتها لتظاهرة كأس العالم ذهب إلى اعتبار الخطوة فرصةً للاحتكاك بالجسد الرّوسي.

لقد كان الجسد مدخلًا في مسرحية "بانتورا" للفت الانتباه إلى جملة من التفكيرات والسّلوكات، المتعلّقة برؤية الشّارع الجزائري للمرأة والعلاقات العاطفية، وما يحيط بها من أحكام جاهزة وموروثة، تتصادم مع منطق الجيل الجديد، الذي ساعدته الوسائط الحديثة على تشكيل أحكام ورؤى مختلفةٍ في هذا الباب، وقد استثمر العرض في رصد مظاهر هذا التصادم بين الأجيال في خلق حالة من الضّحك.

حالات الضّحك الأخرى ولّدتها المشاهد في مسرحية بانتورا، التي وجد فيها المتلقي نفسَه وجهًا لوجه مع اختلالات سلوكه وتفكيره، هو المشغول بانتقاد ما يشبهها في سلوكات الآخرين. إنّها فلسفة الضّحك على الذّات، بما يجعل الفنّ في هذه الحالة أقوى سلطةً من السّياسة نفسها. وقد أفضى وعي كاتب النصّ، الممثّل بلال لعرابة نفسه، والمخرج سفيان عطية بهذا المعطى، إلى تحيين الصّور السّلوكية، حتى أن بعض الأحداث لم يمض عليها شهر واحد.

كانت قوّة النصّ ووعيه بمفاصل اللحظة الجزائرية، بحيث اشتغل على جماليات اللهجة المحكية المحلّية، وعلى المفارقة في السلوك والتفكير، حاسمةً في توجيه مسارات العرض، التي اجتمع فيها انتقاد المواطن والحكومة معًا، في انسجام تامّ مع الرّؤية السينوغرافية، التي أشرف عليها عاشور بوراس، بحيث تحوّلت عناصرها المستعملة إلى كائنات حيّة هي بدورها، المكنسة وأدوات الدّهن مثلًا، وساعدت الممثلين على تمرير خطابهما الكوميدي بسلاسة واضحة.

تبادل بلال لعرابة وعاطف كرميش على مدار العرض، دوري المواطن والمسؤول، في انسجام وتماهٍ واضحين حتى بات العرض في بعض المفاصل شبيهًا بالمونودرام أحادي الصّوت، في إشارة إلى ثقافة الإهمال والارتجال والابتذال والتسيّب والتواطؤ، التي بات يشترك فيها الطرفان في الجزائر، لتكون "بانتورا" التي تعني الطلاء في اللهجة الجزائرية واحدةً من مسرحيات المرحلة.

في المسرح الفكاهي، يحفل المشهد الجزائري بعشرات التجارب، التي جعلت من الفكاهة طريقًا لانتقاد الذّهنيات والنّفسيات المعوجة

يقول الممثل وكاتب النّص بلال لعرابة لـ"الترا صوت" إنه يحبّ  أن تكون النكتة في كتابته المسرحية وليدة الموقف، "لا أن أعتمد على نكتة وأبني عليها وضعية حوارية أو مشهدًا، لأن ذلك يُنزل من قيمة العمل، ويجعل الكاتب والمخرج معًا مقيّدين بحيثيات تلك النكتة، خصوصًا اذا كانت متداولة إذ سيعتبر الأمر ابتذالًا مطلقًا واغتصابًا علنيًا لمفهوم التجاوز والإبداع".

اقرأ/ي أيضًا: أفريقيا في تمرين فني

من هنا، يقول بلال لعرابة، أواجه هذا السّؤال: كيف سيتم قبول الفكرة أو النكتة من قبل الجمهور بجميع فئاته العمرية واختلاف مستوياته الفكرية، أو بالأحرى القدرة التحليلية لفك شفرة الرسالة المراد إيصالها؟ فأجدني أتّجه دومًا إلى الأسلوب السّاخر والبسيط، بالرّغم من صعوبته، دون أيّ تجريح أو تهكم ممّا يعدّ قناعاتٍ شخصية أو تورّط في اقتراح حلول مباشرة ما عدا ما تستدعيه الضّرورة الدّرامية داخل الموقف التمثيلي فقط.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"عدي يا شبح".. عندما يكون الرجل ضحية

إبراهيم حدرباش.. حنجرة جزائرية تبحث عن سمائها