باكستان تعيد تحريك الوساطة بين واشنطن وطهران
17 مايو 2026
أجرى وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي زيارة إلى طهران، التقى خلالها مسؤولين إيرانيين، في إطار تحرك دبلوماسي جديد تقوده إسلام آباد لإعادة إحياء المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بعد أيام من الجمود الذي أعقب الرد الإيراني على المقترح الأميركي الذي رفضه الرئيس دونالد ترامب.
وبحسب وكالة "إيسنا"، أوضحت مصادر أن باكستان تحاول إقناع كل من طهران وواشنطن بإبداء مرونة أكبر في المفاوضات، مؤكدة "جدية إسلام آباد الكاملة" في مواصلة مسار الوساطة بين الطرفين.
وأضافت المصادر أن زيارة نقوي إلى طهران "أُجريت في إطار الوساطات"، في إشارة إلى استمرار الدور الباكستاني في تقريب وجهات النظر بين الجانبين.
تحركات باكستانية متواصلة
وكان وزير الداخلية الباكستاني قد رافق قائد الجيش الباكستاني، الشهر الماضي، في زيارة استمرت ثلاثة أيام إلى طهران، أجرى خلالها لقاءً منفصلًا مع نظيره الإيراني إسكندر مؤمني، كما شارك في الاجتماعات الرسمية التي عقدها قائد الجيش الباكستاني مع الرئيس الإيراني ورئيس البرلمان ووزير الخارجية الإيراني.
وبالتوازي مع هذه التحركات، قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إن إسلام آباد تواصل لعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، مؤكدًا أن طهران وواشنطن ودول الخليج "تثق بباكستان"، وأن بلاده تواصل جهودها للوصول إلى "سلام دائم".
وأضاف: "حتى هذه اللحظة، نبذل كل ما بوسعنا لضمان أن تقود هذه العملية، عبر عقد جولة جديدة من الاجتماعات في إسلام آباد، إلى سلام دائم".
وترتكز المفاوضات حاليًا على نقطتين أساسيتين: مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني. وقد طُرحت مجموعة من الخيارات لحل الملف الثاني، من بينها تعليق التخصيب لمدة عشرين عامًا، وهو ما أبدى ترامب قبوله، إلا أن مضيق هرمز ما يزال أحد المعضلات العالقة.
أضافت المصادر أن ترامب يشعر بانزعاج خاص من استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، إلى جانب ما وصفته بانقسامات داخل القيادة الإيرانية، وهو ما زاد من تعقيد المفاوضات
جمود بعد جولة أولى فاشلة
وتأتي هذه التطورات في محاولة لإعادة إحياء المفاوضات أو عقد جولة ثانية من المحادثات بين واشنطن وطهران، بعد تعثر المسار التفاوضي في الأيام الأخيرة.
وكانت الجولة الأولى من المفاوضات قد عُقدت الشهر الماضي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، برئاسة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، من دون التوصل إلى نتائج تنهي حالة الحرب التي استمرت 40 يومًا، وانتهت بوقف إطلاق النار في 28 شباط/فبراير الماضي.
ومنذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، اقترب الطرفان أكثر من مرة إلى العودة للحرب، قبل أن تعود الأوضاع إلى حالة من الاستقرار الهش، وسط استمرار التهديدات المتبادلة.
وفي هذا السياق، يتواصل داخل الإدارة الأميركية نقاش متزامن بين تيارين؛ أحدهما يدفع نحو العودة إلى الخيار العسكري عبر تنفيذ ضربات محددة لكسر الجمود التفاوضي، فيما يفضّل تيار آخر الاستمرار في المسار الدبلوماسي.
وتؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض، في أكثر من مناسبة، أن ترامب يفضّل الخيارات الدبلوماسية، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن "جميع الخيارات مطروحة".
خلافات داخل إدارة ترامب
وفي السياق ذاته، قالت مصادر مطلعة لشبكة "سي إن إن"، صباح اليوم، إن هناك تباينًا داخل الإدارة الأميركية بشأن كيفية المضي قدمًا في التعامل مع إيران.
وأضافت المصادر أن بعض المسؤولين، بينهم مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية، يدفعون نحو نهج أكثر تشددًا يشمل تنفيذ ضربات محددة، على أمل زيادة الضغط على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات.
في المقابل، يرى آخرون ضرورة مواصلة التركيز على المسار الدبلوماسي، محذرين من أن أي تصعيد جديد قد يعيد المنطقة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة.
لكن، وبحسب المصادر، فإن ترامب أصبح أكثر نفادًا للصبر في ظل عدم إبداء إيران أي استعداد للتراجع عن موقفها المتشدد.
وأضافت المصادر أن ترامب يشعر بانزعاج خاص من استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، إلى جانب ما وصفته بانقسامات داخل القيادة الإيرانية، وهو ما زاد من تعقيد المفاوضات.
وأشارت إلى أن الرد الإيراني الأخير على المقترح الأميركي، إلى جانب الخطاب الإيراني في الأيام الأخيرة، دفع العديد من المسؤولين الأميركيين إلى التشكيك في مدى التزام طهران بالتوصل إلى اتفاق جدي.
ضغوط اقتصادية وانتخابية
وتزداد حالة الاستعجال داخل دائرة ترامب لإيجاد مخرج من الحرب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إذ تسبب النزاع بتراجع ملحوظ في شعبية الرئيس الأميركي، في وقت يشعر فيه الناخبون بالضغط الاقتصادي، بينما يخشى الجمهوريون من دفع الثمن سياسيًا في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وتجاوز متوسط أسعار الوقود في الولايات المتحدة 4.50 دولارات للغالون، مع توقعات بارتفاعها أكثر في ظل استمرار إيران بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم ممرات النفط في العالم.
كما يتسارع التضخم، بعدما تجاوز نمو الأسعار في نيسان/أبريل الماضي نمو الأجور لدى الأميركيين للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.
وقال أحد مستشاري ترامب، الذي تحدث مؤخرًا مع مسؤولين تنفيذيين في "وول ستريت"، إن الرسالة العامة كانت: "يريدون فقط انتهاء الحرب.. فقط أسرعوا".
ترامب: لا أفكر إلا بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي
وكان ترامب قد قلل مرارًا من التأثير الداخلي للحرب، مؤكدًا أنه كان يتوقع أوضاعًا أسوأ بكثير مما يحدث حاليًا.
كما تجاهل المخاوف الاقتصادية هذا الأسبوع، قبل أن يعود ويشدد على موقفه من الملف الإيراني.
وقال للصحافيين، ردًا على سؤال بشأن مدى تأثير الوضع الاقتصادي للأميركيين على سعيه للتوصل إلى اتفاق سلام: "أنا لا أفكر في الوضع المالي للأميركيين، ولا أفكر في أي شخص. أفكر في شيء واحد فقط: لا يمكننا السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. هذا كل شيء. هذا هو الدافع الوحيد بالنسبة لي".
وقد أثار هذا التصريح موجة من الانتقادات لترامب، بسبب تجاهله تأثير الحرب على الشعب الأميركي.
ومن جهة أخرى، نشر ترامب، صباح اليوم، صورة على منصة "تروث سوشال" تُظهر سفنًا حربية في مضيق هرمز مرفقة بعبارة "الهدوء ما قبل العاصفة".
ويأتي ذلك ضمن أسلوب اعتاد ترامب استخدامه في عدد من الملفات الدولية، من بينها نشر خرائط تُظهر فنزويلا وكوبا وكندا وجزيرة غرينلاند كأنها أجزاء من الولايات المتحدة، إلى جانب التهديد بالسيطرة عليها.
تقرؤون المزيد في: طهران وواشنطن في المنطقة الرمادية.. لا اتفاق ولا حرب