باتريك زوسكيند.. قصة مشّاء

باتريك زوسكيند.. قصة مشّاء

باتريك زوسكيند

يروي الكاتب الألماني باتريك زوسكيند في "حكاية السيد زومّر" (ترجمة نبيل الحفار، دار المدى 2017)، في قرابة الثمانين صفحة، حكاية مكسيمليان إرنست زومّر، الرجل غريب الأطوار، الذي لا يراه أهل القرية إلاّ ماشيًا، كل يوم دون انقطاع، قبل انبلاج الضوء وحتى غياب الشمس، يمشي السيد زومّر رغم سوء حال الطقس أو صحوه، وكأنه يتحدى الأمطار والثلوج والعواطف، ممسكًا بعصا الكستناء الطويلة التي يضرب بها الأرض في كل خطوة يخطوها، وكأنها قدمه الثالثة التي تعينه على المشي الطويل المضني. يستغرب الجميع من حال هذا الرجل الذي يدخل عليّته للنوم فقط، وما تبقى من حياته يقضيه ماشيًا عبر الحقول والسهول، دون ملل. 

يروي باتريك زوسكيند حكاية مكسيمليان إرنست زومّر الذي يقضي يومه ماشيًا

يروي حكاية السيد زومّر طفل صغير، يتذكر جملة تفاصيل شيقة عاشها في طفولته، كما يُسهب في توصيف ظاهرة السيد زومّر ويربطها بعادات وظواهر كانت تمر به خلال المرحلة تلك، حين كان يحاول اكتشاف العالم وأبعاده عبر تسلقه للأشجار والجلوس الطويل على الأغصان، وقتها  شكل السيد زومّر ومسيره الطويل أحد أشكالها الغرائبية. 

اقرأ/ي أيضًا: باتريك زوسكند.. انعزاليون في عالم عدائي

"لم يعرف أحد ما إذا كان السيد زومّر يمارس مهنة ما، أو كانت له فيما مضى مهنة ما. كان المعروف فقط هو أن السيدة زومّر تمارس مهنة، وهي صناعة الدمى.. من أين أتت عائلة زومّر لا أحد يعرف، جاءا ذات يوم ببساطة هي بالباص وهو مشيًا، واستقرا هنا منذ ذلك الحين" ص 12. 

تغلف حياة الرجل الغرابة والغموض، ما دفع سكان القرية والأطفال الذين يرونه ذاهبًا وراجعًا كل يوم وبنفس التوقيت دون تباطؤ أو تأخير، للسؤال فيما بينهم عن غرابة أطواره، حتى أنه ما من أحد قد سمعه قط، يتكلم أو يقول أيّ عبارة بشكلٍ مفهوم، ليبدو المسير وحده وكأنه مهمة عليه أن يقضيها كل يوم. 

في أحد الأيام وخلال هبوب عاصفة قوية، أثناء عودة الطفل، أو راوي القصة، مع والده في السيارة، يريان السيد زومّر يمشي ويضرب عصاه بالأرض، وقدماه مغرزتان بالماء الذي كاد أن يغرقه، يقترب والد الطفل من السيد زومّر ليقنعه بالركوب معهم درءًا من الموت، إلا أن الأخير يرفض طلبهم، ويرد على التعبير النمطي الذي تفوه به الوالد، كما وصفه الطفل، بما يحمل ذلك الوصف من دلالة واضحة على سأم الناس وتدخلهم بإصرار السيد زومّر على المشي في ظروف صعبة. فقال له: "اركب يارجل، كرمى لله، أنت مبلول حتى الجلد! ستجلب الموت لنفسك". يقف السيد زومّر بعد تلك الجملة ليقول بصوت عالٍ وواضح وهو يضرب كعب عصاه بالأرض عدة مرات في تعبير عن عناد يائس: "إذًا دعوني أخيرًا بسلام"، وتلك كانت المرة الوحيدة التي يقول فيها كلامًا واضحًا. 

هذا ليس جنونًا أو توحدًا كما ظن الجميع، بل ما يطلق عليه اسم الكلاوستر، يقول جميع سكان القرية بأن السيد زومّر مصاب بالكلاستروفوبيا، أيّ المشي في العراء أو الهوس من البقاء في مكانٍ مغلق. كأيّ هروبٍ أبديّ من محاولة التقاء مع أحدهم، أو خلق علاقة ما مع أيّ شخص. يهرب السيد زومّر من القرية وسكانها وحتى من نفسه عبر امتهانه للمشي الطويل، حتى أصبح عادته الوحيدة وأقرب إلى أن تكون صفة نعتية تمثله.
 
يُثار جدال طويل بين أفراد العائلة وأهل القرية حول علاقة السيد زومّر مع المشي الطويل، إلاّ أن الحقيقة لا يعرفها إلاّ الطفل الذي رآه في أحد الأيام التي تسلق فيها شجرة، حيث راح يراقبه وهو يكمل مشيه باتجاه البحيرة، ظل يتقدم مع عصاه حتى اختفى كليًا، ولم يبق منه إلاّ قبعة من القش، وبعض فقاعات الماء التي سرعان ما اختفت وانمحى أثرها.  

الكاتب الألماني باتريك زوسكيند، كما يوصف، قليل الكتابة واسع الشهرة على حد سواء

اقرأ/ي أيضًا: "صديقتي المذهلة": فندق فقراء نابولي

باتريك زوسكيند، كما يوصف، قليل الكتابة واسع الشهرة على حد سواء. فرغم قلة ما كتب مقارنةً بشهرته جرّب أجناسًا أدبية متعددة، من الرواية والقصة وكتب السرد، إلى جانب كتابته لمونودراما مسرحية بعنوان "الكونترباص"، وهي أشبه بالسيرة الذاتية. ورواياته التي لاقت ترجماتها العربية شهرة كبيرة، إلى جانب حضورها الهام في تاريخ الأدب المعاصر،هي "العطر- قصة قاتل" و"الحمامة"، وكتاب السرد القصصي "ثلاث حكايات وملاحظة تأملية" وكتاب "عن الحب والموت"، وآخر أعماله المترجمة إلى العربية "حكاية السيد زومّر"، هي ثاني عمل يترجمه له نبيل الحفار، الذي سبق وترجم من الألمانية "حكايات الأخوين غريم"، وله الفضل بترجمة العديد من الأعمال المسرحية الألمانية إلى العربية.

يذكر أن "حكاية السيد زومّر"، في طبعتها الأولى، احتوت على العديد من رسومات الفنان الفرنسي "سميه"، ومنحت الحكاية هامشًا جانبيًا لتخيل وتصور الشخصيات والمكان.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

عباس كيارستمي.. ريح الشعر وأوراق السينما

فيروزة دوماس.. "خنده دار" بالفارسية