باتريك زوسكيند.. انعزاليون في عالم عدائي

باتريك زوسكيند.. انعزاليون في عالم عدائي

لقطة من فيلم العطر لـ(توم تايكور)

المتحذلقون يقتلون العالم

في "وصية المعلم موسارد" يتوفى جواهري بلاط كونت أورليان حسب باتريك زوسكيند في 30 آب/أغسطس 1753 في السادسة والستين من عمره. وفي يوم دفنه تمامًا يولد القاتل في رواية العطر. العملان يسردان بلغة كثيفة، مسبوكة في قوالب فخمة، تشير إلى نهاية عالم، يرنو إليها "بطلان" انعزاليان، يسيطر عليهما الخوف والهلع من العالم خارج ذاتيهما. عالم عدائي، لا يعرف الرحمة ويدمر كل ما فيه من كائنات.

أبطال زوسكند كلهم يبحثون عن العمق وذلك بأن يصعدوا القمم

يموت المعلم موسارد لأنه اكتشف بالصُدفة "حقيقة مبدأ ومجرى ومنتهى حياتنا، دنيانا، كوننا بأجمعه". يتكلس جسد "العالِم" ومعه تتكلس الحياة في عينيه. وفي العطر نجد العالِم، الماركيز تاياد اسبيناس، الذي "أدار ظهره للحياة في الأربعين من عمره" فيزعم أن الأرض تبعث "غازًا عفنًا" يطلق عليه اسم "محفِّز الموات"، لن ينجو الإنسان من هلاكه إلا بأن يعلو فوق في السماء، بعيدًا عن الأرض.

هل يريد منا زوسكيند أن نعتبر بـ"العلماء"، الذين لا يُخفي سخريته منهم، فاقدين للقلب والعقل؟

عبادة الشخصية

في وصية المعلم موسارد يصور لنا زوسكيند نهاية العالم المأساوية على لسان "متعالم" بـ"مصطلحات علمية" يبتدعها لنفسه. في قصة "الصراع" يصور لنا زوسكند على العكس، "بطلًا" صامتًا، يسحر البشر ويدمر عوالمهم، وهو بهذا يدعم الرأي القائل بالتفسير السياسي لرواية "العطر". عنوان القصة القصيرة يحيل مباشرة إلى عنوان كتاب هتلر كفاحي وآرائه التي سنجد ضحية لها في قصة "الحمامة".

في قصة "الصراع"، يكتب باتريك زوسكيند عن مباراة شطرنج "بريئة" في حديقة باريسية. لاعبوها بطل الحي الشعبي المحلي وشاب حماسي مجهول الهوية، مر صدفة بالحديقة "إنه بطلهم وهم يحبونه". الصراع قصة تتطرق إلى موضوع الجماهير والبطل، ونشأت في حقل رواية "العطر"، ولهذا تمكّن من قراءتها قراءة سياسية. 

مأساة الإنسان الكبرى

قصة بحثًا عن العمق 1986 تصور فنانة شابة تنتحر، بعد أن "تتعفن" في عزلتها إثر رأي يدلي به ناقد في أولى معارضها "لكن عندك القليل جدًا من العمق". وفي بحثها عن العمق، تمضي إلى مكان يعلو 139 مترًا عن سطح الأرض وتلقي بنفسها إلى عمق الموت، لكننا أيضًا نعرف الدور الذي قد يلعبه ناقد "متعالم". هنا يسخر زوسكيند من الاثنين معًا. 

أبطال زوسكيند كلهم يبحثون عن العمق وذلك بأن يصعدوا القمم. فالفنانة في "بحثًا عن العمق" تعتزل البشر، ثم تصعد برجًا لتنتحر في الأعماق وتجد خلاصها بعيدًا عن البشر. غرينوي في "العطر" يصعد إلى ذروة الجبل في كهف مظلم ليجد أخيرًا عالمه، عمقه الذي يشتهيه.

عازف الكونتراباص ينوي الصراخ باسم حبيبته في حفلة موسيقية تحضرها صفوة المجتمع ليبرهن على عمق حبه. المعلم موسارد ينقب في أعماق الأرض ليبرهن على عمق نظرياته وينتهي إلى هذه الأعماق متحجرًا والماركيز تاياد اسبيناس يصعد بدروه إلى القمة العالية ليفنى ويغدو أسطورة.

الحمامة

رجل تجاوز الخمسين يعيش حياته "الهادئة" بعيدًا عن كل ما يجري من حوله ويأمل بحياة المتقاعد الهانئة "فهو يمقت الأحداث، ويمقت منها خصوصًا تلك التي تزلزل التوازن الداخلي وتخل بنسق الحياة الخارجية". في صباح أحد أيام آب/أغسطس عام 1984 تقوض حمامة، هذا الكائن "المروع"، أساسات حياته الراسخة في غرفة صغيرة في الطابق السادس من بناية في باريس.

وهذه الغرفة الصغيرة هي معشوقته في عالم عدائي، معشوقته التي تواسيه في اغترابه، تحنو عليه إذا جاع وتخفيه عن العيون إذا لمحته العيون. الكائن اليهودي المصدوم في طفولته بالنازية التي أفقدته أمه وأباه، يصطدم فجأة بكائن يغير له كل حياته التي تتكون من الرتابة والملل، فيريد الهرب إلى مكان أكثر أمانًا. إنه قبل هربه "يتمرد" على العالم، يشتم البشر "التافهين" فيه "لو أنه يعبر الشارع ركضًا إلى ناحيتهم ويجرهم من آذانهم.. ويصفعهم على الشارع". جوناثان، يتمرد على "أبطال" زوسكند الآخرين كلهم. هذا الخلاص غير معهود من زوسكند. لكننا لا نعلم مع هذا إن كانت حياة جوناثان ستتغير جذريًا.


ذلك المتواري 

يعتبر باتريك زوسكيند (1949) من أكثر كتّاب الألمانية حضورًا في العالم، لا سيما بسبب روايته "العطر" التي أخذت ذلك الكاتب المعتزل في الريف الفرنسي، الرافض لأي ظهور إعلاميّ، إلى شهرة واسعة، خصوصًا بعد تحويلها إلى فيلم يحمل الاسم نفسه.

كاتب مقلّ، لم تتجاوز إنتاجاته الخمسة أعمال موزعة بين الرواية والمسرحية والقصة القصيرة، إلا أنه استطاع الحفر عميقًا في النفس الإنسانية، وفي وضع شخصياته القلقة في مواجهات مصيرية استئنائية.