ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

بابنوسة سُرّة كردفان.. قصة مدينة سودانية صُلِبت مرتين

18 نوفمبر 2025
الحرب في السودان
يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربًا دموية تعصف بالبلاد (منصة إكس)
أمير بابكر عبد اللهأمير بابكر عبد الله

بابنوسة، تلك المدينة كانت بمثابة قلب الدورة الصغرى للسودان الكبير قبل انفصال الجنوب وإعلان دولة جنوب السودان، إذ مثّلت أهم مدن البلاد، وهي التي ربطت مدن الغرب في أقصى إقليم دارفور بوصول خط السكك الحديدية إلى مدينة نيالا، وعمق الجنوب وهي تمدّ ذراعيها إلى مدينة واو في عمق إقليم بحر الغزال في جنوب السودان.

وكأنما تآمرت عليها الأحداث مرتين، أو كما قتل شخوص الروائي اليوناني كزانتزاكس المسيح مرتين؛ فالمدينة التي تقع إلى الغرب من إقليم كردفان اكتسبت أهميتها ليس من موقعها الجغرافي الاستراتيجي فحسب، بل لعوامل أخرى، إذ تعتبر المركز الحضري الثالث لقبيلة "المسيرية" بعد مدينتي المجلد والفولة، والتي تقف على رأسها أسرة القيادي الأهلي الناظر بابو نمر. كما أنها تتوسط حزام الصمغ العربي مما يعزز من موقعها الاقتصادي والتجاري، وتعتبر مركزًا لتجارة المحاصيل الزراعية مثل الفول السوداني والكركديه وحب البطيخ والذرة. هذا غير أهميتها العسكرية، في ظل دولة ظلت غارقة في الحروب منذ استقلالها.

كيف صُلِبت المرة الأولى

اختيار مدينة بابنوسة لتكون تقاطعًا لخطوط السكة الحديد بين الوسط والغرب والجنوب، نقلها إلى مصاف المدن الحضرية وطبائعها، بعد أن كانت مجرد قرية من جملة القرى المنتشرة في أرجاء كردفان، بل لم تكن معروفة بهذا الاسم حتى العام 1948.

يقول الدكتور صلاح الأمين، وتعود جذوره إلى تلك المنطقة: "كان اسمها القديم (القبة). والقبة هي قبة الشيخ الولي أبو سماعين وهو جد القيادي في حزب الأمة. حتى الآن اسم الحي القديم في بابنوسة يسمى حي أبو إسماعين. في كانون الأول/ديسمبر عام 1948 افتتح خالنا الزعيم عبد الرحمن عبد الكريم أول متجر في المنطقة باقتراح من والده الفكي عبد الكريم جبريل. لاحقًا تحول الاسم إلى (بابنوسة)، وينطقها أهلها (البابنوصة)، وتعني شجرة الأبنوس أو البابنوس لانتشاره حول المنطقة". وتتميز سيقان شجرة الأبنوس باللون الأسود اللامع.

تعدّ بابنوسة مركزًا رئيسيًا لقبيلة "المسيرية" التي تشارك في القتال ضمن الجيش، خصوصًا الفرقة 22 مشاة، وكذلك داخل قوات الدعم السريع في مناطق نفوذها

بدأ مدّ خطوط السكة الحديد مع بداية استقلال السودان، ووصلت إلى بابنوسة بين عامي 1956 و1957، لتصبح أهم تقاطع للسكة الحديد بعد مدّ خط حديدي منها إلى مدينة نيالا في أقصى الغرب بين عامي 1957 و1959، وبعد ذلك تفرّع منها خط إلى مدينة واو بدأ في العام 1959 وانتهى في العام 1962، وبذلك اكتمل ربط كل السودان بخطوط السكة الحديد.

هذا التطور العام رفع بابنوسة إلى مصاف المدن، وصارت السكة الحديد بمثابة الرئة التي تضخ الأوكسجين في أنحاء المدينة، وتحولت إلى مركز بعد أن توافد إليها السكان من مختلف أنحاء البلد بسبب الطفرة التنموية، حتى أطلق عليها اسم "القميرة".

يقول العمدة محمد الفاتح مصطفى، عمدة التبون إحدى إداريات محلية بابنوسة، لـ"الترا صوت" إن المدينة أصبحت نموذجًا للتمازج الاجتماعي والثقافي بين مختلف أبناء السودان وإن كان غالبية السكان من قبيلة "المسيرية". وأضاف بأن إنشاء مصنع بابنوسة للألبان ووجود قيادة للفرقة العسكرية بالمدينة إلى جانب صرح السكة الحديد كان سببًا في كل هذا الحراك.

هذا ما أكده الأمين بقوله: "شهدت الستينات التحول السريع في المدينة مع وصول شريط السكة الحديد المتجه إلى نيالا والمتجه إلى واو، لتكون بابنوسة رئاسة للقسم الغربي لسكك حديد السودان، ولتكون أيضًا منفى للمناضلين من نقابيين وناشطين يساريين، فعملوا على بناء مراكز للقوى الديمقراطية بالمدينة والمنطقة".

بانقلاب الجبهة الإسلامية على الحكم في السودان في حزيران/يونيو 1989، حدثت تحولات كبرى خاصة بعد استهداف نظام الحكم لهيئة السكة الحديد وخصخصتها ضمن سياسات الخصخصة التي انتهجتها. وعملت السلطات على تكسيرها باعتبارها أكبر مركز لبث الوعي والمعارضة والمقاومة، ولانضمامها لأقوى النقابات العمالية المؤثرة، ولتأثيرها على اقتصاد النقل وحركة السلع بين أطراف السودان المختلفة.

كانت هذه السياسات قد قادت كثيرًا من المدن إلى منصة الصلب والتدمير، ومن أبرز المدن التي تأثرت بهذه السياسات كانت مدينة بابنوسة، فبدأت في التراجع عن دورها الاستراتيجي في الاقتصاد. وجاء انفصال الجنوب وإعلان استقلال دولة جنوب السودان ليعيد المدينة إلى جذورها، وليس لها من تأثير سوى تموضعها ضمن انتشار الفرق العسكرية في البلاد.

الحرب.. منصة الصلب الثانية

مثل كثير من مدن السودان الواقعة داخل أتون نيران الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ نيسان/ أبريل 2023، أو تلك المدن الواقعة على خط النار، تأثرت مدينة بابنوسة بنيران الحرب قبل أن تصلها.

فهي ضمن أهم المدن التي تنتشر فيها قبيلة "المسيرية"، وهي من القبائل التي تغذي طرفي الحرب في السودان. فهم يعتبرون الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش السوداني وتتخذ من بابنوسة مقرًا لها، فرقة خاصة بـ"المسيرية" باعتبارها في منطقة نفوذهم القبلي، هذا غير وجودهم ضمن الجيش كمقاتلين معروفين منذ تأسيس القوات المسلحة. كما أن لهم وجودًا مقدرًا كقبيلة ضمن قوات الدعم السريع ويتحركون ضمن هذه القوات في مناطق نفوذهم.

ولأهميتها الاستراتيجية من الناحية العسكرية والسياسية، استهدفت قوات الدعم السريع المدينة للسيطرة عليها وبالتالي السيطرة على قدرات الجيش السوداني في غرب كردفان.

بعد أن سيطرت على عدة مناطق ليست ذات ثقل عسكري في غرب كردفان، بدأت قوات الدعم السريع في حصار مدينة بابنوسة في كانون الثاني/يناير 2024، قبل أن تبدأ حصار مدينة الفاشر التي سيطرت عليها نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وبدأت موجات الكر والفر بين القوتين منذ ذلك الحين، واستطاعت مجموعات من قوات الدعم السريع الوصول إلى داخل المدينة دون أن تتمكن من الوصول إلى مقر الفرقة 22 مشاة.

شهدت المدينة إثر ذلك، مثلها مثل مدن السودان الأخرى التي مرت بذات التجربة في الوسط والغرب، موجات نزوح واسعة للمدنيين إلى مناطق أكثر استقرارًا داخل السودان، والبعض تجاوز الحدود الدولية لاجئًا.

منذ ذلك التاريخ ظلت المدينة تحت مرمى نيران قوات الدعم السريع، مما أدى إلى إفراغها من السكان المدنيين الذين لجؤوا أولًا إلى المدن القريبة مثل المجلد والفولة. لكن حتى هذه المدن لم تكن مستقرة في ظل التدهور الأمني العام وقربها من خطوط النيران، إلى جانب تدهور الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على الغذاء بسبب عدم قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى تلك المناطق.

تطورات في المشهد العسكري

الأسبوع الماضي، وعقب سيطرتها على مدينة الفاشر في شمال دارفور، بدأت قوات الدعم السريع حشد قدراتها العسكرية بغرض السيطرة على مدينة بابنوسة وتحييد الفرقة 22 مشاة، وبالتالي السيطرة على كل غرب كردفان. وتفيد الأنباء بتمسك قيادة الفرقة بالقتال عن مواقعها، بعد أن شهدت المدينة موجات متتالية من الهجوم العنيف قادته تلك القوات أكثر من مرة.

وبحسب مصادر صحفية، شنت قوات الدعم السريع هجومًا هو الأعنف على المنطقة العسكرية، وسط تحليق مكثف لمسيَّرات تابعة للجيش للتصدي للهجوم الواسع من عدة جهات. وبحسب المصادر، فإن قتالًا عنيفًا دار بين الطرفين في محيط معسكر الجيش، حيث سُمعت أصوات الأسلحة الثقيلة من مناطق بعيدة، وأن الجيش قصف بالمسيّرات تجمعات قوات الدعم السريع التي تحيط بالمدينة.

سقوط بابنوسة يعني أيضًا السيطرة الكاملة على حقول النفط في هجليج وخطوط الأنابيب الناقلة، وبداية تشكل تهديد مباشر على مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان ومناطق ولاية النيل الأبيض

وقال قائد الفرقة 22 مشاة، اللواء ركن معاوية حمد عبد الله، إن المدينة بخير، قائلًا: "نحن في الفرقة 22 مشاة لن نفاوض أو نستسلم أو ننسحب، بل سنقاتل حتى النصر". وأضاف في بيان: "نطمئن الشعب السوداني بأن بابنوسة بخير، وأن فرقتنا ثابتة وستظل صامدة وعصيّة على الأعداء".

وبحسب مصدر عسكري فضل عدم ذكر اسمه، فإن أهم ما يميز هذه المرحلة أن قوات الدعم السريع تدخل معركتها مع الجيش وهي تحت غطاء سياسي بعد إعلان حكومة "تأسيس" التي يترأس مجلس رئاستها الفريق محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع، رغم عدم الاعتراف بها إقليميًا ودوليًا. والأهم هو وجود فصيل مهم ضمن هذه الحكومة وهو الحركة الشعبية لتحرير السودان– الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي تسيطر على جزء من جنوب كردفان ولديها قوة عسكرية ضاربة في المنطقة.

يقول المصدر العسكري إن سقوط بابنوسة بيد قوات الدعم السريع سيحقق بداية السيطرة الكاملة لحكومة "تأسيس" على ولاية جنوب كردفان، واندماج قوات الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية (الحلو) في الولاية. وأضاف في حديثه لـ"الترا صوت": إن "هذه الخطوة تعني تهديدًا متوقعًا بالسيطرة على مدينة الدلنج ومدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، واكتمال السيطرة على الحدود مع جنوب السودان من حفرة النحاس غربًا وحتى الضفة الغربية للنيل الأبيض".

وقال إن ذلك يعني أيضًا السيطرة الكاملة على حقول النفط في هجليج وخطوط الأنابيب الناقلة، وبداية تشكل تهديد مباشر على مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان ومناطق ولاية النيل الأبيض.

واتفق المصدر العسكري مع العمدة محمد الفاتح في أن سيطرة قوات الدعم السريع على بابنوسة ستحدث تحولًا كبيرًا على مستوى قبيلة "المسيرية"، وأنها ستجد نفسها محاصرة داخل مناطقها مما سيضطرها للانحياز الكامل لقوات الدعم السريع ومشروع "تأسيس".

كلمات مفتاحية
الصين

تصعيد جوي وتوتر عسكري غير مسبوق بين الصين واليابان

تصاعدت حدة التوتر العسكري بين اليابان والصين، بعد اتهام طوكيو لمقاتلات صينية بتوجيه راداراتها نحو طائرات عسكرية يابانية

مدرسة مدمرة في مدينة غزة

خلافات حول "المرحلة الثانية" في غزة وتصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية

رغم الخروقات الإسرائيلية المتكررة، لا يزال وقف إطلاق النار في قطاع غزة صامدًا نسبيًا، بينما تعيش مناطق القطاع أوضاعًا إنسانية بالغة السوء، في ظل شحّ المساعدات الإنسانية واستمرار الحصار

جوزاف عون وأعضاء مجلس الأمن الدولي

بين المفاوض الإسرائيلي واللبناني: شروط قاسية وترهيب متواصل بالحرب

لبنان يسعى لتجنّب الأسوأ، متجاوبًا مع الضغوط الأميركية، بتكليف السفير السابق سيمون كرم قيادة وفده في لجنة "الميكانيزم"

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
مناقشات

"جروان" و"جوافة".. مبادرات فردية تحوّلت إلى مراكز ثقافية فارقة تخدم أطفال الريف

المراكز الثقافية وخدمة أطفال الريف في مصر

الصين
سياق متصل

تصعيد جوي وتوتر عسكري غير مسبوق بين الصين واليابان

تصاعدت حدة التوتر العسكري بين اليابان والصين، بعد اتهام طوكيو لمقاتلات صينية بتوجيه راداراتها نحو طائرات عسكرية يابانية

ماكس فيرشتابن
رياضة

نهاية مرتقبة لنسخة مثيرة من بطولة العالم للفورمولا 1

سيقاتل ماكس فيرشتابن من أجل الظفر ببطولة العالم للمرة الخامسة في تاريخه، والسنة الخامسة على التوالي، لكن حظوظه تبقى ضئيلة للفوز به

ميسي
رياضة

حقبة جديدة عنوانها ميسي.. إنتر ميامي يتوج بلقب الدوري الأميركي للمرة الأولى في تاريخه

لم يكن اللقب ضروريًا لمسيرة ميسي الحافلة بالإنجازات، لكنه كان هدفًا واضحًا منذ اللحظة الأولى.