انقلاب قصر في السودان.. حكومة صورية

انقلاب قصر في السودان.. حكومة صورية "لتأهيل" البشير لانتخابات 2020

يسعى البشير من خلال الحكومة الجديدة إلى ترحيل المشاكل (Getty)

لم ترشح أي معلومات أو تسريبات طوال الأسابيع الماضية عن تغيرات في الحكومة السودانية،على غير العادة، ولا حتى إشارة بسحب رئيس الوزراء الفريق بكري حسن صالح إلى منطقة الظل داخل القصر الجمهوري، حتى فاجأ الرئيس عمر البشير السودانيين في وقت متأخر من ليلة الأحد بإقالة حكومة الحوار الوطني وتقليص الوزرات، بصورة بدت وكأنها أشبه بما يسمى بانقلاب قصر.

أراد الرئيس البشير من خلال هذا التغيير الكبير المفاجئ في الحكومة، أن يقول إنه اللاعب الوحيد والممسك بزمام المبادرة السياسية في السودان

وفي حين لم يكن مفاجئًا بالمرة أن تعود صفوف الوقود والخبز بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية في السودان، نتيجة للحصار والفساد والنقص الحاد في العملات الأجنبية، إلا أن صعود وزير الكهرباء والسدود معتز موسى وتعيينه رئيسًا لمجلس الوزراء كان مفاجئًا للجميع.

رئيس وزراء أقرب للتكنوقراط

وتضمن قرار الرئيس البشير إقالة حكومة الفريق بكري حسن صالح، وتقليص عدد الوزراء من 31 إلى 21، ودمج بعض الوزارات لتجنب الترهل والصرف المالي، بجانب فصل منصب النائب الأول من رئاسة مجلس الوزراء، على أن يحتفظ الفريق بكري بمنصب النائب الأول فقط، فيما تم تعيين محمد يوسف كبر نائبًا للرئيس، وهو الموقع الذي ظل حكرًا لإقليم دارفور المضطرب. وقال البشير إن الهدف من هذه الخطوة هو تشكيل "حكومة رشيقة تستجيب لتطلعات الشعب السوداني"، ونقل بيان الرئاسة عنه قوله إن هذه الخطوة "ضرورية لمعالجة حالة الضيق والإحباط التي واجهتها البلاد خلال الفترة الماضية".

اقرأ/ي أيضًا: محاولة جادة وأخيرة للقلق حول مصير البشير!

ولعل أبرز سمات شخصية رئيس الوزراء الجديد معتز موسى أنه أقرب للتكنوقراط في طبيعة تفكيره وعمله، كما أنه جاء من خارج المؤسسة العسكرية والأمنية، وتدرج في العمل التنظيمي والتنفيذي إلى أن أصبح وزيرًا للموارد المائية والكهرباء، ومن ثم مؤخرًا رئيسًا للقطاع الاقتصادي بالحزب الحاكم، ويعتبر من المقربين للرئيس البشير حتى أنه يكاد يكون بمثابة الصندوق الأسود لأسرار الرئيس في السنوات الأخيرة. كما أن معتز موسى هو الذي قاد مفاوضات سد النهضة الإثيوبي بين مصر وإثيوبيا والسودان بطريقة حافظت على وتيرة الخلافات. وينتمي معتز موسى لفئة الشباب، الذين جاءوا من الصفوف الخلفية رغم انتسابه للحركة الإسلامية السودانية، حيث إنه تخرج من كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم في العام 1989.

من جانبه اعتبر رئيس قطاع الإعلام بالمؤتمر الوطني الحاكم إبراهيم صديق أن حزبه يمتلك عزيمة التغيير والرغبة، وأن الانتقال يتطلب إرادة سياسية، وكتب إبراهيم على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، تدوينة قال فيها إنه "من الضروري أن تكون القوى السياسية بذات الفاعلية، لتسهيل المهام على رئيس الوزراء الجديد معتز موسى لتشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصات السياسية والجهوية، وتعتمد مبدأ الكفاءة والمهنية"، واصفًا ما تم بأنه خطوة ضمن منظومة إصلاح شامل "ولها تأثيرها السياسي وبعدها الاقتصادي والاجتماعي" على حد قوله.

حكومة صورية قبل انتخابات 2020

أراد الرئيس البشير من خلال هذا التغيير الكبير المفاجئ في الحكومة، والذي تم بعيدًا عن المطابخ التنظيمية ربما لأول مرة، أن يقول إنه اللاعب الوحيد والممسك بزمام المبادرة السياسية في السودان، وهي رسالة مرتبكة للخارج، كما يرى مراقبون، بقدر ما هي رسالة للداخل. حيث جاءت إقالة حكومة بكري بالكامل بعد مشاركته في المنتدى الإفريقي الصيني ببكين، وبعد أن أظهرت الصين فتورًا بائنًا في العلاقة بينها والحكومة السودانية، نتيجة لعدم التزام السودان بدفع الديون الصينية عليه والتي تبلغ حوالي 6 مليار دولار، رغم جدولتها أكثر من مرة. أما السبب الآخر الذي جعل البشير يقدم على هذه الخطوة فهو تراجع شعبيته في الشارع السوداني، بسبب الضائقة الاقتصادية، لدرجة مطالبة البعض بتنحيه، وهو ما يمكن أن يصعب من مهمة عبوره لانتخابات 2020 الرئاسية، في حال تم تعديل دستور البلاد الذي لا يسمح له بالترشح.

وقد أعلن البشير في خطاب وجهه للشعب السوداني نهار الإثنين أن معاش الناس سيكون في أعلى أولويات الحكومة الجديدة، وقدم اعتذارًا ضمنيًا للسودانيين لصبرهم على الضغوطات الاقتصادية، ولما أبداه الشعب من مواقف وطنية صادقة "قطعت الطريق على كل من راهن على حدوث توترات اجتماعية جراء ذلك"، حسب ادعائه، معتبرًا أن "التحديات الحالية أفرزها حصار اقتصادي جائر وتضييق بل إغلاق مخطط على منافذ الموارد الخارجية، جراء تمسك بلادنا بمبادئها، وصيانتها لاستقلالها، وعدم  ارتهان مواقفها المبدئية لإغراءات الدعم والمساندة في حالة تخليها عنها"، على حد قوله.

 وبرر البشير خطوة التعديل الوزاري قائلًا إن الظرف الاقتصادي الذي يمر به السودان كان وراء القرارات التي تهدف إلى ترشيد الصرف وتقليل الإنفاق العام وضبطه لأنه يمثل مركزية البرنامج الوطني للتوازن الاقتصادي، مؤكدًا مضيه في إعادة هيكلة الجهاز التنفيذي والتمثيل الخارجي متى ما اقتضت الظروف لتحسين الأداء الحكومي، قائلًا: "سنقلص الإنفاق العام عند حده الضروري إن لم يكن عند حده الأدنى".

اقرأ/ي أيضًا: معركة مبكرة قبل الانتخابات السودانية.. معارضة تحترف الانقسام

ورغم أن حالة من التفاؤل بدت تسود في الشارع السوداني نسبيًا، على أمل أن تفلح الحكومة الجديدة في خلق حيوية سياسية وتخفيف معاناة المواطنين، إلا أن ثمة من اعتبر أن الأزمة في العقلية المركزية التي تدار بها البلاد، وأن تغيير الحكومة نوع من المماطلة وترحيل للمشاكل الحقيقية. وكتب رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض عمر الدقير، تغريدة في تويتر، قال فيها: "خلال عهد الإنقاذ تم تشكيل العديد من الحكومات في السودان تبادل فيها منسوبو المؤتمر الوطني المواقع والمنافع، بينما الأزمات تزداد تفاقمًا"، وأوضح الدقير أن الأزمة سببها بؤس المنهج والسياسات، ولن يحلها "تدوير الأشخاص بين مواقع السلطة واستبدال أحمد بحاج أحمد" على حد وصفه.

جاء قرار البشير في ظل تراجع شعبيته في الشارع السوداني، بسبب الضائقة الاقتصادية، لدرجة مطالبة البعض بتنحيه

المرحلة الخطرة للأزمة

وبما أن هذا التعديل الحكومي مثل اعترافًا بالأزمة، فإن الصورة الحقيقة ليست كذلك بالنسبة للكاتب الصحفي والمحلل السياسي عثمان ميرغني، والذي يرى أن الأزمة تعدت تمامًا مرحلة الإقرار بها، وأصبحت واقعًا مؤثرًا جدًا لا يمكن تجاوزه. وقال ميرغني لـ"ألترا صوت" إن تعيين حكومة جديدة فقط يمكن أن يوفر زمنًا إضافيًا، أي يبطئ عملية الانهيار لكنه لن يصنع الحلول المأمولة، فيما وصفه بأنه غير مؤثر، وأنه "لن يعطي أي نتائج على المستوى القريب، ولا على المستوى البعيد"، أما شخصية رئيس الوزراء الجديد معتز موسى فهي ليست محل قياس، "لأن طبيعة السلطات المتاحة لرئيس مجلس الوزراء كلها تقريبًا سلطات مفوضة من رئيس الجمهورية وليست سلطات أصيلة، وبالتالي لا تتوفر لرئيس الوزراء مساحة للمبادرة والتحرك بحرية"، فهو باختصار مجرد نائب ثالث أو مساعد سادس لرئيس الجمهورية.

ورفض عثمان ميرغني فكرة بعث رسائل خارجية جدية من خلال هذا التغيير، مؤكدًا على أن ما يطلبه المجتمع الدولي بعيد تمامًا عن هذه التعديلات، وهو يتصل بقضايا داخلية محددة، في إشارة للحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، وبالتالي فإن الغرض من الحكومة الجديدة هو الاستهلاك الإعلامي، وهذا ما نجحت وستنجح فيه بالفعل.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

امتصاص الصدمات الاقتصادية على الطريقة السودانية

طعن دستوري ضد البشير.. حرب اليمن مرفوضة شعبيًا في السودان