انقسام داخل منظمة التجارة العالمية بسبب رسوم التجارة الإلكترونية
6 مايو 2026
دخلت منظمة التجارة العالمية مرحلة جديدة من التوتر والانقسام، بعد تحرك تقوده الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات الكبرى، لإطلاق اتفاق بديل يمنع فرض رسوم جمركية على التجارة الإلكترونية، في خطوة تعكس عمق الأزمة داخل المنظمة وعجزها المتزايد عن التوصل إلى توافقات جماعية بشأن الاقتصاد الرقمي العالمي.
وبحسب مسودة وثيقة اطلعت عليها وكالة "رويترز"، فإن واشنطن وشركاءها يعتزمون المضي قدمًا في اتفاق متعدد الأطراف فيما بينهم إذا استمرت البرازيل وتركيا في رفض تمديد الوقف العالمي المفروض على الرسوم الجمركية الخاصة بعمليات النقل الإلكتروني عبر الحدود. ويشمل ذلك خدمات البث الرقمي وتنزيل البرامج والأفلام والموسيقى وغيرها من أشكال التجارة الرقمية التي أصبحت تمثل جزءًا متزايدًا من الاقتصاد العالمي.
أزمة تتفاقم داخل منظمة التجارة العالمية
تعود جذور الأزمة الحالية إلى اجتماع رفيع المستوى عقدته منظمة التجارة العالمية في آذار/مارس الماضي بمدينة ياوندي في الكاميرون، حيث فشل الأعضاء في تجديد الوقف الاختياري طويل الأمد الخاص بعدم فرض رسوم على التجارة الإلكترونية.
تعتزم الولايات المتحدة وبعض الدول المضي قدمًا في اتفاق متعدد الأطراف فيما بينهم إذا استمرت البرازيل وتركيا في رفض تمديد الوقف العالمي المفروض على الرسوم الجمركية الخاصة بعمليات النقل الإلكتروني عبر الحدود
وكان هذا الوقف قد أُقر لأول مرة عام 1998، وتم تمديده بشكل دوري على مدى أكثر من عقدين، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لنمو الاقتصاد الرقمي العالمي. لكن الانقسام الأخير كشف عن تصاعد الخلافات بين الدول الصناعية الكبرى والدول التي ترى أن استمرار الإعفاءات الرقمية يحرمها من إيرادات جمركية مستقبلية مهمة.
ما الذي تريده الولايات المتحدة؟
الولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا، تعتبر أن فرض رسوم على عمليات النقل الإلكتروني قد يهدد استقرار الاقتصاد الرقمي العالمي، ويزيد من تعقيد التجارة الدولية.
وترى هذه الدول أن استمرار الإعفاء يوفر بيئة يمكن التنبؤ بها للشركات التكنولوجية ومنصات البث والخدمات الرقمية العابرة للحدود.
ولهذا تسعى واشنطن الآن إلى إنشاء اتفاق "متعدد الأطراف" بين مجموعة من الدول الراغبة، حتى في حال فشل التوصل إلى اتفاق شامل داخل منظمة التجارة العالمية.
وتنص المسودة الأميركية على أن الدول المشاركة ستواصل، اعتبارًا من 8 أيار/مايو 2026، الامتناع عن فرض رسوم جمركية على عمليات النقل الإلكتروني فيما بينها لفترة غير محددة.
البرازيل وتركيا في مواجهة الضغوط
في المقابل، تقف البرازيل وتركيا في مقدمة الدول المعارضة للتمديد طويل الأمد للوقف الاختياري.
وترى هذه الدول أن الاقتصاد الرقمي العالمي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا الكبرى الموجودة أساسًا في الولايات المتحدة وأوروبا، بينما لا تحصل الاقتصادات الناشئة على فوائد متكافئة.
كما تعتبر بعض الحكومات أن السماح بفرض رسوم مستقبلية قد يمنحها أدوات إضافية لحماية صناعاتها المحلية وزيادة إيراداتها المالية.
وبحسب دبلوماسيين، فإن فرص التوصل إلى تسوية خلال اجتماع المجلس العام لمنظمة التجارة العالمية في جنيف تبدو ضعيفة للغاية، ما يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام داخل المنظمة.
هل يتجه العالم إلى نظامين رقميين؟
التحرك الأميركي يثير مخاوف من تحول التجارة الرقمية العالمية إلى نظامين منفصلين:
- نظام تقوده الاقتصادات الغربية الكبرى ويحافظ على الإعفاءات الرقمية.
- ونظام آخر يسمح للدول بفرض رسوم على البيانات والخدمات الرقمية.
ويرى مراقبون أن هذا السيناريو قد يزيد من تعقيد حركة التجارة الإلكترونية العالمية ويخلق حالة من عدم اليقين للشركات العاملة في مجالات التكنولوجيا والبث والخدمات السحابية.
كما أن الشركات متعددة الجنسيات قد تضطر مستقبلاً إلى التعامل مع قواعد مختلفة من دولة إلى أخرى، وهو ما قد يرفع التكاليف ويبطئ نمو الاقتصاد الرقمي.
ضربة جديدة لمصداقية المنظمة
الأزمة الحالية تعيد تسليط الضوء على الصعوبات التي تواجهها منظمة التجارة العالمية في مواكبة التحولات الاقتصادية الحديثة.
فالمنظمة التي تأسست لوضع قواعد التجارة العالمية، تواجه منذ سنوات انتقادات متزايدة بسبب بطء آلياتها وعجزها عن حسم النزاعات الكبرى، أو تحديث قوانينها بما يتلاءم مع الاقتصاد الرقمي والتغيرات الجيوسياسية.
وقال جوزيف بارلون، السفير الأميركي لدى المنظمة في جنيف، إن فشل التوصل إلى تمديد طويل الأجل بسبب اعتراض دولتين فقط يعكس التحديات التي تواجهها المنظمة في معالجة قضايا التجارة الحديثة.
بدوره، حذر أندرو ويلسون، نائب الأمين العام للسياسات في غرفة التجارة الدولية، من أن انهيار الاتفاق متعدد الأطراف سيبعث برسالة خطيرة مفادها أن قواعد منظمة التجارة العالمية "تتآكل ببطء".
وأضاف أن أي اتفاق محدود بين مجموعة من الدول سيكون "أقل من المستوى الأمثل"، لأنه لن يطبق عالميًا وسيزيد حالة الغموض بالنسبة للشركات والمستثمرين.