انفجار روسيا النووي.. كيف يمكننا معرفة ما حدث؟

انفجار روسيا النووي.. كيف يمكننا معرفة ما حدث؟

سعت روسيا إلى التكتم على تفاصيل الانفجار النووي (تويتر)

حاولت السلطات الروسية التعتيم على خبر حادثة انفجار يحمل طابعًا نوويًا في مخازن سلاح أكينسك شمالي غرب روسيا أثناء اختبار تجريبي لأحد الصواريخ الروسية الجديدة، إلا أن محاولة السلطات الروسية التستر على طبيعة الانفجار لم تستطع أن تستمر لفترة طويلة نتيجة الأخبار المتوالية معيدًة للأذهان ما حصل في منتصف ثمانينات القرن الماضي في كارثة تشيرنوبل خلال الفترة الأخيرة من حكم الاتحاد السوفييتي.

تأتي حادثة انفجار مخازن سلاح أكينسك بعد نحو 17 شهرًا من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتجاه بلاده لتطوير مجموعة من الأسلحة يمكنها الوصول لأي مكان في العالم بعد تسليطه الضوء على اثنين من الأسلحة بقدرات نووية

أبرز ما جاء في حادثة انفجار قاعدة نيونوكسا

تفاصيل الخبر بحسب ما نقلته وكالة روس أتوم الروسية النووية أفادت بمقتل خمسة من خبرائها المصنفين ضمن النخبة في قاعدة نيونوكسا العسكرية قرب مدينة أرخانغيلسك شمال غرب روسيا، ويعرف عن القاعدة أنها مخصصة منذ حقبة الاتحاد السوفييتي عام 1954 لإجراء التجارب على صواريخ البحرية الروسية، فضلًا عن أن ساحة التدريب التي كان حصل فيها الحادث لطالما شهدت اختبارات للصواريخ البالستية العاملة بالوقود النووي للغواصات النووية الروسية.

اقرأ/ي أيضًا: روسيا.. عودة شبح تشيرنوبل؟

الانفجار الذي حصل في الثامن من الشهر الجاري في القاعدة التي تبعد عن مدينة سيفيرودفينسك 30 كيلو مترًا من الشمال، ويبلغ عدد سكانها ما لا يقل عن 190 ألف نسمة حيث تأثروا بالإشعاعات الناجمة عن الانفجار، كشف لاحقًا عن محاولة موسكو إجراء اختبار على صاروخ كروز من طراز بوريفيستنيك يحمل رؤوسًا نووية، ووفقًا لتقارير مرتبطة بطبيعة الحادث فإن الانفجار حصل خلال تجربة إطلاق الصاروخ العامل بالوقود السائل بعد اشتعاله بالنيران.

وتأتي الحادثة بعد نحو 17 شهرًا من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتجاه بلاده لتطوير مجموعة من الأسلحة يمكنها الوصول لأي مكان في العالم بعد تسليطه الضوء على اثنين من الأسلحة بقدرات نووية، مشيرًا إلى أن عملهم على ابتكار صاروخ كروز قادر على حمل مواد نووية غير محددوة المدى، ولا يمكنه أن يقهر أمام الأنظمة الحالية والمستقبلية للدفاعات الصاروخية والجوية.

ما نعرفه عن السلاح الذي حاولت موسكو اختباره

على الرغم من تأكيد المتحدث باسم الحكومة الإقليمية عدم حصول تلوث إشعاعي بعد ساعات من وقوع الانفجار، فإن بلدية مدينة سيفيرودفينسك أكدت عبر موقعها الإلكتروني حدوث ارتفاع بالنشاط الإشعاعي لمدة قصيرة قبل أن تسحب الخبر من موقعها، لكن مسؤولًا محليًا أكد أن مستوى الإشعاع ارتفع إلى 2.0 ميكروسيفيرت في الساعة لمدة ثلاثين دقيقة، علمًا أن الحد الأقصى المقبول للتعرض للنشاط الإشعاعي هو 0.6 ميكروسيفيرت في الساعة.

وبعد وقوع الانفجار ازداد طلب سكان المناطق المحيطة بالقاعدة الروسية على طلب شراء اليود والأدوية التي تحتوي عليه بحسب ما صرحت العديد من الصيدليات المحلية، ويساعد اليود على حماية الغدة الدرقية عند حدوث تسرب إشعاعي نووي، ونقلت صحيفة ديلي ميل البريطانية أنه أرسل صباح يوم 18 من الشهر الجاري قرابة 60 شخصًا من أعضاء الفريق الطبي الذين عالجوا العاملين المصابين بالانفجار إلى موسكو لإجراء اختبارات طبية بسبب عدم إخطارهم السلطات المحلية عن وجود مخاطر إشعاعية لحظة وصول المصابين إلى المستشفى.

 

 

ورجح  خبراء روس وغربيون أن يكون اختبار موسكو للصاروخ مرتبطًا بصاروخ 9 أم 730 بوريفيستنيك والذي يعني بالروسية "طائر النوء"، لكن حلف الناتو وصف العام الماضي الصاروخ بناء على تصريحات بوتين بأنه من طراز أس أس سي- إكس -9 سكايفول، ويصف الخبراء نظام الدفع النووي الذي يعمل عليه الصاروخ بأنه يمثل "تحديًا تقنيًا هائلًا"، بالإضافة لخطورته لأنه يخلف إشعاعًا أينما ذهب.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد فرضت حظرًا في خليج دفينا في المنطقة البحرية الواقعة إلى الشمال من ميدان التجربة في نيونوكاسا، وأشارت تقارير إلى أن سفينة الشحن النووية الروسية سيريبريانكا كانت داخل منطقة الحظر البحرية في التاسع من آب/أغسطس، منوهًا لوجود تكهنات بأنها أرسلت لرفع أي حطام ملوث إشعاعيًا من موقع التجربة الفاشلة، وقد أشار خبراء إلى أنه توجد الكثير من الشكوك بشأن إمكانية نجاح موسكو في امتلاك صاروخ بوريفيستنيك.

موسكو ترد على انسحاب واشنطن من معاهدة القوى النووية المتوسطة

قبل وقوع انفجار القاعدة الروسية بأقل من أسبوع أعلنت واشنطن انسحابها من معاهدة القوى النووية المتوسطة التي أبرمها الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان مع الاتحاد السوفييتي عام 1987، وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن بلاده ترمي من وراء انسحابها من الاتفاقية إلى إبرام اتفاقية جديدة مع موسكو للحد من جميع القوى النووية.

وتحظر المعاهدة على واشنطن وموسكو وضع صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى تطلق من البر في أوروبا، ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر، مما يقلل من قدرتهما على توجيه ضربات نووية مباغتة، لكن انهيار المعاهدة قد يقوض اتفاقيات الحد من الأسلحة الأخرى، ويعجل بتآكل النظام العالمي الذي يهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية، بحسب ما ذكرت وكالة رويترز التي نقلت عن الخارجية الروسية قولها إن واشنطن ارتكبت "خطأ فادحًا" بانسحابها من المعاهدة.

وأثار تقرير لمجلة فورين بوليسي الأمريكية الشكوك حول انسحاب واشنطن من المعاهدة الموقعة مع موسكو، حيثُ طرحت المجلة تساؤلات متعددة حول مستقبل الحد من انتشار الأسلحة النووية، ومصير معاهدة ستارك الجديدة التي وقعها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مع نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف عام 2010، والتي تضمنت بنودها تقليص الحدود القصوى للقوى النووية للطرفين.

وأضافت المجلة أن الخبراء منقسمون حول جدوى الروابط الموضوعة خلال حقبة الحرب الباردة بين البلدين، ومدى ملائمتها لعالمنا المعاصر الذي يشهد سباقًا على امتلاك الأسلحة النووية، مشيرًة إلى أنه بات بإمكان عدد متزايد سواء من الدول أو من الجهات الفاعلة غير الحكومية الحصول على الإمكانات التكنولوجية النووية.

وتعليقًا على انفجار القاعدة الروسية غرد ترامب معقبًا على الحادثة بالقول إن بلاده "تعلم الكثير عن انفجار الصاروخ في روسيا. لدينا تكنولوجيا مماثلة، وإن كانت أكثر تطورًا"، لكن خبير الأسلحة جو سيرينسيوني نفى الجزء المرتبط بامتلاك واشنطن لأسلحة مماثلة، وقال ردًا على تغريدة ترامب "هذا غريب. ليس لدينا برنامج لصواريخ كروز تعمل بالطاقة النووية. حاولنا بناء واحد في الستينات، لكن الأمر لم يكن قابلًا للتنفيذ".

وتصدّرت موسكو ترتيب موقع بيزنس إنسايدر لترسانة الدول النووية الذي نشرته مطلع العام الجاري، وتملك موسكو ترسانة تضم 6850 رأسًا نووية، تنشر منها حاليًا 1600 مقابل تخزين 2750، أما الرؤوس المتبقبة والبالغ عددها 2500 فقد توقف اعتمادها بإدخالها مرحلة التقاعد، فيما حلت واشنطن بالمرتبة الثانية بترسانة تضم 6450 رأسًا نووية نشرت منها 1750، ووضعت 2050 في حالة تخزين، مقابل إدخال 2650 رأسًا مرحلة التقاعد.

ويشير الموقع إلى أنه يوجد في الوقت الراهن 14200 رأس نووية لدى تسع دول، مضيفًا أن الرؤوس النووية المتواجدة لدى موسكو وحدها كفيلة بالقضاء على مختلف أنواع الحياة على كوكب الأرض، وتجدر الإشارة إلى أن خطر الأسلحة النووية غير مقتصرة على استعمالها لحظة الهجوم، إنما تشمل أيضًا الاختبارات، وطرق تخزينها ودرجات الأمان المتبعة لتخزينها في المستودعات.

وكانت شركة روس أتوم النووية الروسية قد أعلنت يوم الأحد الماضي إغلاق الوحدة الرابعة بمحطة بيلويارسك للطاقة النووية في جبال الأورال بعد استجابة وصفتها بـ"الخاطئة" من جانب نظام السلامة، مشيرًة إلى أن مستوى الإشعاع في المحطة والمنطقة المحيطة بها يتماشى مع المعدلات المعتادة.

كيف يمكننا معرفة حقيقة ما حدث في قاعدة نيونوكسا؟

حتى الآن لا يزال الغموض يخيم على حقيقة ما حدث في قاعدة نيونوكسا إن كان من ناحية طبيعة الانفجار، أو ما رافقه من تبعيات أخرى كتلك التي حصلت عند وقوع كارثة تشرنوبل في أوكرانيا التي كانت خاضعة حينها للاتحاد السوفييتي، أو حتى عن أعداد الضحايا، وما نجم من آثار جانبية قد تؤثر سلبيًا على سكان المناطق المحيطة بالقاعدة الجوية.

ولعل أكثر ما يرتبط بالانفجار الذي شهدته روسيا في وقتنا الراهن كارثة تشيرنوبل التي وقعت في المفاعل رقم 4 من محطة تشيرنوبل للطاقة النووية قرب مدينة بريبيات شمال أوكرانيا في 26 نيسان/أبريل من عام 1986، وشاهد تفاصيلها عالمنا المعاصر خلال الأشهر الماضية عندما طرحت شبكة HBO التلفزيونية عملًا دراميًا يحمل اسم المحطة، ويكشف عن تفاصيل مهمة حصلت قبل أو بعد حدوث الكارثة، وراح ضحيته حينها ما لا يقل عن 35 شخصًا، بالإضافة لإصابة المئات بأمراض السرطان والغدة الدرقية نتيجة تعرضهم لتسريبات إشعاعية.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل تشرنوبيل.. أصل الكارثة وفصلها

كما شهد العالم خلال الفترة عينها كارثة فوكوشيما دايتشي النووية بعد حدوث انهيارات نووية وتسريبات للمواد المشعة نتيجة سلسلة فشل بالمعدات، وتصنف كارثة فوكوشيما كثاني أكبر كارثة بعد كارثة تشرنوبل، وهي الوحيدة التي يقع تصنيفها في المستوى السابع إلى جانب الكارثة السوفييتة بحسب الوكالة الدولية، والمستوى السابع هو أعلى مستوى ضمن المقياس الدولي للكوارث النووية، ويعرف بأنه حادث رئيسي.

يوجد في الوقت الراهن 14200 رأس نووية لدى تسعة دول، كما أن الرؤوس النووية المتواجدة لدى موسكو وحدها كفيلة بالقضاء على مختلف أنواع الحياة على كوكب الأرض

وكانت صحيفة نوفايا غازيتا الروسية المعارضة قد أوضحت في سياق حديثها عن طبيعة الانفجار أنه من المبكر معرفة حقيقة ما حدث في انفجار قاعدة نيونوكسا، مشيرًة إلى أن الحقيقة لن تظهر قبل سنوات طويلة، نظرًا للسرية التامة التي تعمل بها هذه المراكز المتخصصة بإنشاء الأسلحة الحديثة، ورجحت أن يكون الحادث ناجمًا عن الاستعجال في إدخال صاروخ نووي روسي إلى الخدمة بحلول 2020 -2021، إرضاء لمخططات الكرملين في امتلاك أسلحة نووية متطورة.