انسحاب الضرورة لا السلام.. عن أكاذيب البروباغندا الأمريكية حول حرب فيتنام

انسحاب الضرورة لا السلام.. عن أكاذيب البروباغندا الأمريكية حول حرب فيتنام

رغم الإفراط في استخدام الذخيرة إلا أن القوات الأمريكية تلقت هزيمة نكراء في فيتنام (Getty)

"حقائق عن حرب الفيتنام"، عنوان ملف أعده موقع "War on The Rocks" الأمريكي، يفند فيه أكاذيب البروباغندا الأمريكية والمزاعم الرائجة حول الحرب التي عرفت فيها الولايات المتحدة خسرانًا بينًا، حتى بات يُضرب بها المثل على كيفية انكسار الغطرسة الأمريكية. في السطور التالية نقدم لكم أبرز ما جاء في الملف مترجمًا بتصرف.


أسطورة ضبط النفس الأمريكية في فيتنام 

في الحرب الفيتنامية، ثمة أسطورة رائجة في الولايات المتحدة الأمريكية، تقول إن القوات الأمريكية خاضت الحرب وأيديها "مقيدة"، إشارة إلى ضبط النفس والتحوط في استخدام القوة العسكرية الأمريكية بأقصى حدودها. ويعتقد أنصار هذا الاعتقاد أن الولايات المتحدة فشلت في الفوز في فيتنام، لأنها لم تستخدم ما يكفي من قوتها العسكرية، ولكن على أولئك الذين يصدقون هذا الرأي أن يتذكروا بعض الإحصاءات التي تنفي هذه الأسطورة.

خلال الفترة ما بين عامي 1964 و1973، ألقت الطائرات الأمريكية أكثر من 7 ملايين طن من القنابل على فيتنام ولاوس وكمبوديا

خلال حرب فيتنام، أسقطت الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا ما يعادل ضعف الأطنان من القذائف التي استخدمتها قوات الحلفاء ضد كل من ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية. وبين عامي 1964 و1973، ألقت الطائرات الأمريكية أكثر من سبعة ملايين طن من القنابل في فيتنام ولاوس وكمبوديا، مقارنة بـ3.4 مليون طن ألقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها مجتمعين في الحرب العالمية الثانية.

اقرأ/ي أيضًا: الجبناء والتاريخ.. نظرات حول الحروب ودوافعها

كانت هناك قيود على بعض الأهداف، وخاصة في مناطق فيتنام الشمالية القريبة من الصين، حيث كان القادة الأمريكيون قلقين من أن الضربات الجوية الأمريكية قد تثير ردًا من الصين. ولكن ذلك لا يُغيّر من حقيقة أن الحملة الجوية الأمريكية في حرب فيتنام، كانت من بين الأعنف في تاريخ الحروب.

كما استخدمت القوات الأمريكية كميات كبيرة من الذخائر في الحرب البرية أيضًا، على مستوى وصفته القيادة اللوجستية للجيش في إحدى الدراسات، بأنها "قوة نيران تقليدية مدمرة لا مثيل لها في التاريخ العسكري". وقد أشار مؤلفو الدراسة إلى أن القادة الأمريكيين لم يواجهوا عمليًا أي حدود لنقل القوات والذخائر والإمدادات، مُضيفين: "لقد تميز المشهد اللوجستي بإمدادات غير محدودة تقريبًا، ومعدلات استعداد تشغيلية عالية بصورة ملحوظة كما هو مطبق على المعدات، وتدفق لا نهاية له من الذخائر والبترول والحصانة من القيود المالية الخارجية".

حجم تلك الموارد يصبح أكثر إثارة للدهشة عند مقارنته مع موارد الجانب الآخر، ففي معظم فترة تدخل الولايات المتحدة، استخدم الأمريكيون ومعهم الفيتناميون الجنوبيون ذخائر جوية وأرضية بنسبة أعلى عدة أضعاف من الجانب الشيوعي، فعلى سبيل المثال، تشير سجلات البنتاغون لعام 1969، إلى أن القوات الأمريكية استخدمت ما يقرب من 130 ألف طن من الذخيرة شهريًا، ثلاثة أخماسها عن طريق الجو والباقي من الأرض. وعلى سبيل المثال، فإن أعلى استخدام ذخيرة للشيوعيين، كان ألف طن شهريًا، ولم يصلوا لهذا المعدل حتى عام 1972.

هذا التفوق الساحق في القوة النارية والقدرة اللوجستية يجعل من الصعب القول بأن الأمريكيين كانوا سيفوزون في الحرب لو أنهم استخدموا كامل قوتهم العسكرية زيادة على ما كانوا يفعلونه أصلًا في فيتنام. والنتيجة الأكثر منطقية هي أن النمط الأمريكي من الحرب لم يكن ليستطيع الفوز بتلك الحرب، فلو كان ذلك ممكنًا، لكانوا قد فازوا بالفعل.

حرب فيتنام من الداخل الأمريكي

في الذاكرة الشعبية الأمريكية، عادة ما يقول البعض أن "حرب فيتنام انتهت من الداخل"، ويقصدون بذلك أن احتجاجات النشطاء الأمريكيين المعارضين للحرب نجحت في تحويل رأي الجمهور ضدها، ما أجبر الحكومة على عكس مسارها والبدء في سحب القوات الأمريكية".

إلا أن هذه السردية ليست إلا محض خرافة، لدى كلا الطرفين؛ فمعارضو الحرب يعتقدون أنهم قد أفلحوا بالتأثير بقضية ذات أهمية كبيرة، أما مؤيدو الحرب من جانب آخر فيروجون وفق هذه السردية أن حكومتهم قد نزلت عند رغبة أولئك الشباب الجامعيين الذي أشعلوا الاحتجاجات في جامعاتهم، وأنهم هم الذين منعوا تحقق الفوز بحرب مبررة من وجهة نظرهم.

من المضلل القول بأن معارضي الحرب من أمريكا كانوا السبب وراء انسحابها من فيتنام، فللأمر أبعاد أخرى لا ترتبط بشعارات المظاهرات

وفي مقابل ذلك كله، نجد أن التاريخ يروي قصة مختلفة عن تحوّل أمريكا من التصعيد إلى فك الاشتباك ووقف إطلاق النار.

اقرأ/ي أيضًا: درس يعلمنا إياه رجل احتقر ذاته

في شباط/ فبراير وآذار/مارس من عام 1968، عندما اندلع هجوم "تيت" في فيتنام، وهو هجوم شنه الثوار الفيتناميون المنتمون للجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام المسماة "الفيت كونج"؛ تلقى ليندون جونسون الرئيس الأمريكي بين عامي 1963 و1969، رسالتين مهمتين، إحداهما جلية، والأخرى سرية، تضغطان عليه لإعادة التفكير في سياسته الحربية.

جاءت الرسالة الجلية من خلال النتائج الأساسية للانتخابات الرئاسية في نيو هامبشاير، حيث قدم الناخبون دعمًا غير متوقعٍ للسيناتور يوجين مكارثي (على الرغم من عدم انتصاره) وهو السيناتور الذي شن حملةً ضد الحرب. وكانت تلك الرسالة الخاصة السرية من مجموعة من أعضاء الميثاق في مؤسسة الحرب الباردة، وهم وزير الدفاع كلارك كليفورد، ووزير الخارجية السابق دين أتشيسون، والسياسي الأمريكي أفريل هاريمان، والمتقاعدين جنرالات الحرب العالمية الثانية عمر برادلي وماثيو ريدجواي، وغيرهم، ممن كان يُطلق عليهم "الحكماء"، والذين قالوا لجونسون، إن الحصول على نتيجة مرضية في فيتنام، هو بمثابة "أمل بعيد المنال"، وأنه من خلال الاستمرار في تلك الحرب فإنه سوف "يؤذي المصالح الأمريكية الكبرى في العالم".

وكلتا الرسالتين أشارتا إلى نفس الأمر، وهو ضرورة الدعوة للسلام من خلال انسحاب القوات الأمريكية من فيتنام، وعليه يُصبح تضليلًا منح النشطاء المناهضين للحرب الفضل في أيّ من أسباب هاتين الرسالتين.

في نيو هامبشاير، وعلى الرغم من أن حملة مكارثي تم تعريفها على أنها حركة مناهضة للحرب بقوة، إلا أن عددًا كبيرًا من ناخبيه كانوا يدعمون فعليًا المزيد من العمل العسكري، وليس العكس. وجاءت أصواتهم بمثابة احتجاجٍ على سلوك جونسون في الحرب، وليس ضد مبرراتها الأخلاقية أو الاستراتيجية. وكانوا يقولون للرئيس: "الفوز أو الخروج" أي من فيتنام، وهي رسالة مختلفة تمامًا عن تلك التي رفعها المتظاهرون المطالبون "بالخروج" غير المشروط.

في الوقت نفسه، كان "الحكماء" قد خلصوا إلى أن الفوز في تلك الحرب يُعد هدفًا لا يمكن تحقيقه. وربما كان انخفاض التأييد الشعبي للحرب أيضًا عاملًا في تغيير رأيهم. ولكن هذا لا يعني أن رجالًا مثل كليفورد وأتشيسون وبرادلي قد تحولوا من كونهم صقورًا إلى حمائم، بتأثير المتظاهرين الذين يهتفون بالشعارات داخل حرم الجامعات.

في اجتماع مع جونسون بعد أسبوعين من بداية نيو هامبشاير، أيد جميع أعضاء مؤسسة الحرب الباردة الـ14، باستثناء ثلاثة منهم، نصيحة وزير الخارجية دين أتشيسون للرئيس، بأنّه "لم يعد بإمكاننا القيام بالمهمة التي حددناها في ذلك الوقت، يجب علينا الآن أن نبدأ باتخاذ خطوات لفض الاشتباك".

يُمكن القول إن الخسائر التي منيت بها أمريكا في فيتنام، كانت السبب الرئيسي لتخفيف التصعيد وفك الاشتباك انتهاءً بالانسحاب الكامل

ويتفق المؤرخون على أن الاجتماع كان لحظة حاسمة في تحول جونسون من التصعيد إلى فك الاشتباك وإنهاء الحرب. وبعد أقل من أسبوع، أعلن في أحد أكثر الخطابات الرئاسية المثيرة في التاريخ، عن وقف جزئي للقصف الأمريكي في فيتنام الشمالية، داعيًا إلى مفاوضات سلام فورية، ومنهيًا في نفس الوقت حملته لإعادة انتخابه. ومنذ ذلك الحين، سعى قادة الولايات المتحدة ببطء، ولكن دون انحراف كبير عن المسار، لإيجاد وسيلة للخروج من مستنقع فيتنام. وصحيح أن حركة السلام قد لعبت دورًا في تغيير هذا الاتجاه، ولكن خلافًا للأسطورة الشعبية، لم يكن ذلك هو السبب الحاسم لإنهاء حرب أمريكا في فيتنام. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

سينما حرب فيتنام (1): ولِدَ في الرابع من يوليو

أشرار العالم الجدد