انتهاكات تونس.. المقاومة مستمرّة لكشف الحقيقة ومنع الإفلات من العقاب

انتهاكات تونس.. المقاومة مستمرّة لكشف الحقيقة ومنع الإفلات من العقاب

رغم العراقيل والعواقب، لا يزال النضال مستمرًا لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في تونس (ياسين قايدي/ الأناضول)

يمثل مسار العدالة الانتقالية، المسلك الذي اختاره التونسيون لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان الحاصلة على امتداد نحو 60 سنة، وذلك أسوة بتجارب الدول التي عرفت الانتقال الديمقراطي، وخاصة دول أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية.

اختار التونسيون بعد الثورة، العدالة الانتقالية، لمعالجة الانتهاكات الحقوقية، لكنه مسار يواجه الكثير من العراقيل

وتبنّى قانون العدالة الانتقالية الذي تمّ إقراره في كانون الأول/ديسمبر 2013، بعد استشارة وطنية مع الضحايا والمجتمع المدني؛ تصوّرًا فريدًا، جعل من التجربة التونسية الجارية في مجال العدالة الانتقالية تكتسب خصوصية، أولًا من خلال التوزان بين آليات العدالة الانتقالية وتحديدًا بين كشف الحقيقة والمساءلة والمصالحة، وثانيًا من خلال اقحام الفساد المالي في إطار العدالة الانتقالية، في سابقة مقارنة بجميع التجارب الدولية الماضية، وذلك نظرًا للازدواج العضوي بين انتهاك حقوق الإنسان والفساد في تونس، بحيث لم يكن الاستبداد والقمع إلا المناخ الحاضن لاستشراء الفساد. ليظلّ السؤال، أين وصل اليوم في تونس مسار معالجة انتهاكات حقوق الإنسان؟

العدالة الانتقالية.. المسار المحاصر

تعني الخصوصية المتعلقّة بالتوازن بين آليات العدالة الانتقالية في تونس، عدم منح الأولوية لآلية على حساب أخرى، على غرار تجربة جنوب أفريقيا التي تكاد أن تكون قد جعلت من المصالحة هدفها الوحيد على حساب المساءلة، وكذلك تجربة المغرب التي أهملت كشف الحقيقة والمساءلة مع إعطاء الأولوية لجبر الضرر للضحايا.

اقرأ/ي أيضًا: 5 مؤشرات على عرقلة الرئيس التونسي لمسار العدالة الانتقالية

على خلاف ذلك، حاولت تونس الموازنة بين جميع الآليات في معالجة انتهاكات ما يقارب 60 سنة، وهي المدة المشمولة بالعدالة الانتقالية، ومن ذلك اعتبار كشف الحقيقة حقًا لكل التونسيين، والتأكيد بأن المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. غير أنّ هذه الموازنة المأمولة يخالفها الواقع على ما يبدو، في ظل محاولات قبر الحقائق وطغيان مناخ الإفلات من العقاب، والدولة في قفص الاتهام.

نصّ قانون العدالة الانتقالية والذي أنشأ هيئة الحقيقة والكرامة، على إشراك أجهزة الدولة في تنفيذ المسار بالشراكة مع هذه الهيئة، وهو ما جعل مثلًا دستور تونس 2014، الذي تم إقراره بعد شهر واحد من المصادقة على قانون العدالة الانتقالية؛ يُلزم الدّولة بتنفيذ منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها. وتعكس هذه الشراكة تصوّرًا ورديًا، سرعان ما نسفه الواقع بمجرّد بدء هيئة الحقيقة والكرامة في ممارسة أعمالها.

تُمثّل الأرشيفات، خاصّة منها الموجودة في وزارة الداخلية ومراكز الأمن، شرطًا ضروريًا لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان. وتتمتع هيئة الحقيقة والكرامة بصلاحيات استثنائية في النفاذ لهذه الأرشيفات دون أي قيد أو شرط، ورغم ذلك، رفضت عديد أجهزة الدولة فتح أرشيفاتها، وعلى رأسها أرشيف الداخلية، معقل القمع والانتهاكات.

ومن الغريب وربما مُثير للسخرية، أن "الجلّادين" هم الذين رفضوا المصالحة مع الضحايا! إذ استقبلت هيئة الحقيقة طلبات من ضحايا لا يطلبون من جلاديهم إلا الاعتراف بأفعالهم والاعتذار، غير أن وزارة الداخلية رفضت هذه الطلبات. الصّورة في النهاية تكشف مدى رفض الدولة معالجة انتهاكاتها، برفض مدّ يدها لمن عذّبتهم.

وربما لا شك في أنّ الإرادة السياسية في تونس منذ انتخابات 2014، أي منذ عودة النظام القديم للواجهة، لا تولي أيّ أهمية لمسار العدالة الانتقالية، ويتذكّر التونسيون جيّدًا حينما اعتبر رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي خلال حملته سنة 2014، أن العودة إلى انتهاكات الماضي هي فتح للجراح، بقولته "إللي فات مات"، ولا يتردّد في اعتبار اتفاقه مع حركة النهضة لتكوين حكومة ائتلافية هي المصالحة الوطنية بعينها!

ولكن لا يمكن قبر الحقائق

رغم رفض أغلب أجهزة الدولة الانخراط في مسار كشف حقيقة الانتهاكات، فإنه لا يمكن، في كل الحالات، قبر الحقائق، وإن كان شباب تونس الذي لم يعاصر إلا السنوات الأخيرة لنظام بن علي، لا يعرف إلا القليل منها. مثلت، في الأثناء، جلسات الاستماع العلنية للضحايا نافذة اكتشف خلالها التونسيون أكبر موجات انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة زمن الاستقلال، في ظل الصراع داخل الحركة الوطنية، وكذلك زمن الاحتجاجات الاجتماعية، وتحديدًا احتجاجات 1978 و1984، وكذلك انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008، إضافة لموجة الانتهاكات ضد الإسلاميين واليسار بالخصوص بداية التسعينيات، إضافة طبعًا لأحداث الثورة التي أسقطت نظام بن علي.

حينما تابع التونسيون هذه الجلسات المؤثرة التي كشف أصحابها المعاناة التي تعرّضوا إليها، كان يردّد أغلبهم "هل كان هذا يحدث في تونس؟ لم نكن نعلم!". بالفعل، لم يكن يعرف عديد التونسيين حجم الانتهاكات الواقعة خاصة ضد الأفراد، الشيء الوحيد الذي كانوا يعرفونه أنه لا يجوز الحديث عن السياسة مخافة "الذهاب إلى ما وراء الشمس"، وهي عبارة يرددها أولئك الذين يخشون على حياتهم من وشاية مخبر.

ومؤخرًا، اكتشف التونسيون معاناة الأم التي تبحث عن ابنها الذي قتله الأمن تحت التعذيب، والأهوال الذي عاشها طالب جامعي طيلة حياته لأنهم لم يكن في صفّ النظام، ووجع فتاة غير مسيّسة حُرمت من الدراسة لمجرّد ارتدائها للحجاب.

ولكن لا يكفي تحديد الانتهاكات والتعرّف على ضحاياها للقول بأن كشف الحقيقة قد تمّ، حيث يجب أن يعرف التونسيون كذلك الملابسات المحيطة بهذه الانتهاكات والنتائج المترتبة عنها، وأساسًا معرفة المسؤولين عنها. وهو الجزء الآخر من الحقيقة الذي ترتفع الشحنة السياسية لصدّه، حيث لازال تبرّر قوى من نظام بن علي والمتغلغلة اليوم في حزب نداء تونس عديد الانتهاكات بقصد أو غير قصد، ولا يتردّد بعضهم في القول بأن هذه الانتهاكات هي مجرّد سلبيات لنظام بن علي لا يجب أن تغضّ البصر عن إيجابياته!

أما فيما يتعلّق بمعرفة المسؤولين عن الانتهاكات، يُقال إنه لا داعي للعودة لصفحات الماضي، وفي هذا السياق، ترفض وزارة الداخلية النفاذ إلى أرشيفها لمعرفة أصحاب القرار والمنفذين في أشنع الانتهاكات. رغم هذا الصّد، المقاومة مستمرّة لمعرفة الحقائق، كل الحقائق.

لم يكن عديد التونسيين يعرفون حجم الانتهاكات. كان الشيء الوحيد الذي يعرفونه هو عدم الحديث في السياسة مخافة "الذهاب وراء الشمس"

وقد يهمّ بعد كشف حقيقة الانتهاكات حفظ الذاكرة الوطنية بما هي حق للتونسيين وواجب محمول على الدولة، ويقتضي مجهود حفظ الذاكرة جمع كل المعطيات المتعلّقة بالانتهاكات وإحصائها وتثبيتها وتوثيقها، ومعالجتها بهدف استخلاص العبر وتخليد ذكرى الضحايا من أجل عدم تكرار الانتهاكات مستقبلا. هو رهان مقاومة النسيان، وكي تعرف الأجيال القادمة ما حصل للأجداد، لمقاومة أي محاولة في المستقبل للعودة للماضي الأسود.

اقرأ/ي أيضًا: الذكرى الأولى لـ"الحقيقة والكرامة".. 5 شهادات عن القمع والفساد قبل ثورة تونس

والحقيقة هي كذلك وقود تفكيك منظومة الاستبداد والفساد في تونس، وأيّ محاولة لتعطيل كشف الحقيقة هي منع من تفكيك هذه المنظومة التي لازالت تقاوم في مواجهة الإصلاحات المطلوبة خاصة في المجالات السياسية والإدارية والأمنية. بيد أنه بقدر ما تتفكّك تباعًا منظومة الاستبداد بإكراه عنوانه حكم الثورة وتحرير المجال العام وهو ما ثبّته دستور 2014 الضامن للحقوق والحريات؛ فإن منظومة الفساد المتغلغلة في مفاصل الدّولة وفي المجال الاقتصادي برمّته، لازالت لم تظهر بعد مظاهر تفككها، وهو ما عزّزه قانون المصالحة الإدارية. أعلنت الحكومة منذ ستّة أشهر حربًا على الفساد غير أن ثمارها ما زالت محدودة، وهي مشوبة بعيب توظيفها سياسيا في الصراعات داخل أجنحة السلطة، ليظلّ مسار تفكيك الفساد الذي نخر تونس لعقود هو التحدّي الأبرز خلال السنوات القادمة، بالتوازي مع تأمين الانتقال الديمقراطي.

جبر ضرر ضحايا الانتهاكات.. حقّ لا منّة

جبر الضرر للضحايا هو حقّ لهم، والدولة مسؤولة عنه، ويشمل نظام جبر الضرر، التعويض المادي والمعنوي وردّ الاعتبار والاعتذار واسترداد الحقوق، غير أن ما يهمّ عديد الضحايا هو التعويض المادي المباشر.

غير أنّ هذا المسار يعاني اليوم عراقيل لعدة عوامل، على رأسها منح التعويضات لبعض الضحايا المتمتعين بالعفو العام بعد الثورة، وهو ما ساهم لاحقًا في تجنيد جزء من الرّأي العامّ ضد جميع الضحايا باعتبار أن غايتهم هي المال، وراجت مقولة شهيرة "بقداش (بكم) كيلو نضال".

كما ساهم انتماء عدد وافر من الضحايا للتيار الإسلامي في تعزيز جزء من الرأي العامّ ضدّهم، خاصة وأن الإسلاميين قادوا السلطة التنفيذية لنحو سنتين، وهو ما يعني أنهم "غنموا من الدولة ما يكفي"، كما يقال. بل ساهمت تباعًا الأزمة الاقتصادية في البلاد في غض البصر عن منحى جبر الضرر لضحايا الانتهاكات.

اليوم، يطالب آلاف الضحايا بحقهم في جبر ضررهم، وتحديدًا في التعويض المالي، ومن المفترض أن تنشأ الدولة "صندوق الكرامة" غير أن رئيس الحكومة لم يصدر الأمر المتعلق بهذا الصندوق رغم مرور قرابة نحو أربع سنوات منذ إصدار قانون العدالة الانتقالية. ولا يولي عديد الضحايا أهمية للأشكال الأخرى من جبر الضرر، فما يهمّ هو التعويض المادي، وتوجد خشية من تسويفهم وعدم منحهم أي تعويض يكفل لهم كرامتهم ويردّ الاعتبار إليهم. غير أنّه لا يمكن أن تتهرّب الدولة بالنهاية من واجب إنشاء "صندوق الكرامة" وتقديم التعويضات للضحايا على ضوء برنامج تحدده هيئة الحقيقة والكرامة، غير أنه يبقى السؤال عن زمن منح هذه التعويضات ومقدارها في دولة تعاني من عجز مالي قياسي. تتعلّق الإجابة في جزء أساسي منها بالإرادة السياسية لتسوية ملف جبر الضرر لضحايا انتهاكات قرابة 60 سنة.

القضاء المختصّ والأمل المتبقّي للمحاسبة

لا تكفي أحكام المؤبد والسّجن الصّادرة في حقّ المخلوع زين العابدين بن علي، للقول بأن تونس تحاسب القتلة والجلادين. بن علي هرب إلى السعودية، ولو ظلّ في تونس فعلى الأرجح أن مصيره سيكون مشابهًا لمبارك. إذ لا توجد إرادة في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في تونس، بدليل أن بقيّة الجلاّدين من مستشارين ووزراء وأمنيين لم تقع محاسبتهم، مقابل صدور أحكام صورية لبعض أكباش الفداء من أعوان أمنيين من رتب متدنيّة.

في قضايا أحداث الثورة مثلًا، تتجّه أصابع الاتهام نحو القضاء العسكري، التابع لوزارة الدفاع، بالتغاضي عن القيادات الأمنية الرفيعة. في نفس السياق حول الإفلات من العقاب، قالت منظمة العفو الدولية والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، قبل أسابيع، أن القضاء التونسي يماطل في تحقيقه الجنائي بشأن مقتل فيصل بركات، الذي تعرض للتعذيب حتى الموت قبل 26 سنة، وهي قضية شهيرة سلّطت عليها هيئة الحقيقة والكرامة الضّوء بالاستماع لوالدته وشقيقه في أولى جلسات الاستماع العلنية.

ولعلّ مدى الإفلات من العقاب ينعكس في استقبال رئيس الجمهورية في وقت سابق للحبيب عمّار، وهو وزير الداخلية في أولى سنوات نظام بن علي، والصادرة في شأنه بطاقة جلب من المحكمة العسكرية، وذلك في فضيحة دولة بامتياز، حيث تكشف مدى حماية المسؤولين السياسيين للمجرمين بل واحتضانهم.

وقد تعزّز مناخ الإفلات من العقاب مع قدرة الائتلاف الحاكم، قبل أشهر، على إقرار قانون المصالحة الذي يقضي بعفو شامل على الإداريين المتورطين في الفساد، رغم الرفض الشعبي والمدني الواسع. وباتت أي دعوة لمحاسبة الجلادين والذين يعرفهم الضحايا بأسمائهم، هي دعوة للثأر بنظر الأصوات الناطقة باسم النظام القديم-الباقي.

بيد أنه يظلّ بعض الأمل في الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية، التي من المنتظر أن تبدأ أعمالها خلال الأشهر القادمة، وهي دوائر تستقبل الملفات حصرًا من هيئة الحقيقة والكرامة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وفي مقدّمتها القتل العمد والتعذيب والاختفاء القسري بل وكذلك تزوير الانتخابات.

تَعزز مناخ الإفلات من العقاب في تونس، مع قدرة الائتلاف الحاكم قبل أشهر على إقرار قانون المصالحة

ومن المنتظر أن تحيل الهيئة ملفات متنوّعة تشمل مختلف الانتهاكات التي وقعت على امتداد الحقبة التاريخية التي تغطيها أعمالها من 1955 إلى 2013، ليوجد بذلك على الأقل خلال السنوات القادمة مسار لمحاسبة المنتهكين. فبعدما فشلت المحاسبة عبر القضاء العدلي وكذلك العسكري، لا يظلّ منفذًا للتونسيين لعدم إفلات الجلادين من العقاب إلا القضاء المختصّ، وسيكون الرّهان أن يكون هذا القضاء جديّا وناجزًا وقادرًا على مواجهة الضغوطات السياسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المصادقة على قانون المصالحة بتونس.. خطوة للوراء في معركة لم تنته

عزمي بشارة: "الإجابة لا تزال تونس"