انتهاء قمة النورماندي بـ

انتهاء قمة النورماندي بـ"التعادل".. ما مصير الأزمة الأوكرانية الروسية؟

قادة قمة النورماندي في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

بعد اجتماعات استمرت لأكثر من ثماني ساعات، توصل قادة الدول المشاركة في قمة النورماندي، إلى اتفاق بوقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا، في محاولة لإعادة إحياء المفاوضات الأوكرانية الروسية التي توقفت منذ عام 2016. 

رغم أن قمة النورماندي لم تحقق الأهداف المرجوة منها، لكنها من الممكن أن تمهد الطريق لاتفاق نهائي يرضي جميع الأطراف

ورغم أن المفاوضات لم تحقق الأهداف المرجوة منها، لكنها من الممكن أن تمهد الطريق لاتفاق نهائي يرضي جميع الأطراف في المستقبل، في ظل الجهود الفرنسية الساعية لإنهاء الأزمة الأطول في تاريخ أوروبا المعاصر، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

اقرأ/ي أيضًا: الكرملين يعيد ترتيب أوراقه أوروبيًا.. ما وراء صفقة تبادل السجناء مع كييف

تبادل جميع السجناء قبل نهاية العام

أكد البيان الختامي الصادر عن قادة الدول عقب نهاية قمة "رباعية النورماندي" في قصر الإليزيه بباريس، على التزامهم بالوقف الكامل لإطلاق النار بين كييف وموسكو، مشددًا على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لوقف إطلاق النار قبل نهاية العام الجاري، مشيرًا إلى اعتبار الاتفاقيات الثلاثة الموقع عليها في العاصمة البيلاروسية مينسك، بين عامي 2014 و2015، أساسًا للتنسيق بين رباعية النورماندي، والتزام الدول الأعضاء تنفيذها بكامل بنودها.

وأشار البيان كذلك إلى أن مجموعة الاتصال الثلاثية سوف تدعم اتفاقًا على ثلاثة مناطق إضافية لفض الاشتباك، بهدف فك ارتباط القوات والمعدات، بنهاية آذار/مارس 2020، مؤكدًا على منح حق الوصول الكامل غير المشروط للمنظمات الدولية، بما فيها لجنة الصليب الأحمر، إلى جميع الأشخاص المحتجزين نتيجة الصراع الدائر في شرق أوكرانيا، على أن يتم تبادل جميع السجناء بين كييف وموسكو قبل نهاية العام الجاري.

لبوتين وزيلينسكي
الرئيسان الروسي بوتين (يمين) والأوكراني زيلينسكي أثناء توجههما للمؤتمر الصحفي عقب القمة

كما شمل البيان الاتفاق على إجراء انتخابات محلية في منطقتي دونيتسك ولوغانسك بموجب القانون الأوكراني، خلال الأشهر الأربعة القادمة، إضافة إلى إجراء مفاوضات ثانية ضمن الفترة الزمنية عينها. 

وقال البيان إن الانتخابات في المنطقتين المذكورتين، لا بد أن تتمتع بوضع خاص في إطار "صيغة شتاينماير"، في إشارة إلى الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الذي طرح الفكرة لأول مرة عندما كان وزيرًا للخارجية في عام 2016، وتضمنت تعديل الدستور الأوكراني لمنح المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون في الشرق نظامًا خاصًا للإدارة المحلية.

وفي أيلول/سبتمبر الماضي، أبرمت كييف مع موسكو، اتفاقًا لتبادل السجناء والأسرى بينهما، فبعد مفاوضات مطولة اتفق الطرفان على تبادل 35 سجين لكل طرف، في خطوة كانت الأولى من نوعها منذ عام 2016، ما مهد الطريق لانعقاد قمة النورماندي.

هل انتهت قمة النورماندي بـ"التعادل"؟

رغم إشادة قادة الدول بالتقدم الجزئي الذي حققته كييف وموسكو في القمة التي دعي إليها بوساطة فرنسية وألمانيا، إلا أنه طغى عليها بعض التوتر، حيثُ أشارت عدة تقارير إلى أن لغة الجسد بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولدومير زيلينسكي كانت "فاترة"، إذ تجنب الرئيسان المصافحة أمام العامة، وحاولا عدم التواصل بالعين في لحظات كثيرة خلال القمة، رغم جلوسهما مقابل بعضهما.

وفيما وصف الرئيس الأوكراني نتائج القمة بـ"التعادل"، مشددًا على أنه لن يقدم أي تنازل عن سيادة أو وحدة الأراضي الأوكرانية، فضلًا عن اختلافه مع الرئيس الروسي في عدة قضايا أخرى؛ فإن بوتين اعتبر أن العملية تسير في الاتجاه الصحيح. 

وقال بوتين إن بلاده ستبذل كل ما في وسعها حتى ينتهي هذا النزاع، دون أن ينسى توجيه الشكر للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ودون أن يقدم مجاملات لنظيره الأوكراني. إلا أن ذلك لم يمنع الزعيم الروسي من وصف نظيره الأوكراني بأنه "شخص لطيف وصادق".

وكانت منطقة دونباس في شرق أوكرانيا قد خرجت عن سيطرة كييف بعد فترة قصيرة من ضم موسكو لشبه جزيرة القرم. حينها قدمت موسكو الدعم للانفصاليين الذي كانوا يطالبون بالانضمام لروسيا، ما أدى لوقوع اشتباكات سقط فيها ما يزيد عن 13 ألف قتيل. ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في العاصمة البيلاروسية مينسك في عام 2015، إلا أن القتال ظل مستمرًا حت انعقاد قمة النورماندي.

وبالتزامن مع انعقاد قمة النورماندي، شهدت كييف مظاهرات بالمئات، للضغط على الرئيس الأوكراني من أجل عدم تقديم أي تنازلات لموسكو. وتعرضت المظاهرات لقمع قوات الأمن الأوكرانية ما أسفر عن اعتقال عدد من المتظاهرين.

في نفس الوقت، نصب عدد من النشطاء الأوكرانيين خيام اعتصام أمام مكتب زيلينسكي، رافعين لافتات كتب عليها "لا للاستسلام"، إذ يشعر الأوكرانيون بالقلق من إبرام الرئيس الأوكراني اتفاقية تسوية مع موسكو، وينظرون إلى بوتين بأنه يسعى لاستعاد نفوذ الكرملين على دول الكتلة الشرقية التي كانت حتى ما قبل عام 1990 تتبع للاتحاد السوفيتي.

أخطاء الغرب في فهم نوايا موسكو تجاه كييف

قبل انعقاد النورماندي بأقل من ثلاثة أيام، نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية، مقالًا للباحثة تاتيانا ستانوفيا، تتحدث فيه عن "أخطاء الغرب في فهم نوايا الكرملين" اتجاه أوكرانيا التي جعلها موقعها الجغرافي تفصل بين دول الاتحاد الأوروبي وروسيا، ما أدى لمواجهة جديدة بين الغرب وموسكو أعادت التذكير بمواجهات الحرب الباردة.

وتقول ستانوفيا في مقالها إنه من السهل نسيان القضية الأكثر إلحاحًا لكييف، والمتمثلة بالمشاركة المستمرة لموسكو في الجزء الشرقي من أوكرانيا، الأمر الذي يوقف شراكة الأخيرة مع دول الاتحاد الأوروبي. 

وقالت: "حان الوقت لإعادة ضبط واشنطن"، في إشارة لمواقف الولايات المتحدة "السلبية" فيما يخص شرق أوكرانيا في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، خاصة بعد ظهور بعض الأصوات المؤثرة في موسكو التي تؤيد اتخاذها نهجًا أكثر ليونة لاتفاق مينسك الثاني الموقع في عام 2015، والذي تنص أبرز بنوده على إنهاء القتال في منطقة دونباس الصناعية المتنازع عليها.

خارطة منطقة دونباس
خريطة منطقة دونباس

وتنص اتفاقية مينسك الثانية، والتي تعتبر تطورًا لاتفاقية مينسك الأولى، على استعادة الحكومة الأوكرانية السيطرة على الحدود في منطقتي النزاع مع الانفصاليين (دونيتسك ولوغانسك)، وإجراء كييف لإصلاح دستوري يمنح صفة خاصة ودرجة عالية من الاستقلالية تقضي باللامركزية، وهو ما يمكن اعتباره نصرًا دبلوماسيًا للكرملين، يسوغ لها قانونيًا تطبيع العلاقات مع الانفصاليين الأوكرانيين. 

وفي هذا السياق، يصر بوتين على التمسك باتفاقية مينسك الثانية، لما تحققه من مكاسب لروسيا رغم أن تنفيذها يعتبر غير قابل للاستمرار سياسيًا بالنسبة لأوكرانيا.

وتنقل فورين بوليسي، عن أحد المراقبين السيسيين، قوله إن بوتين لا يسعى لأقل من إخضاع أوكرانيا بالكامل لنفوذ موسكو، وتمثل ذلك أوليًا في دعم موسكو للانفصاليين الأوكرانين الموالين لها في شرق البلاد على الحدود مع موسكو. وهو دعم يأتي في إطار ضمان استقلال منطقة دونباس القانوني ضمن أوكرانيا الفيدرالية التي تريدها موسكو. 

وتضيف ستانوفيا في مقالها، أنه فيما بعد ستقوم موسكو بالتمسك بأجزاء مهمة داخل الأراضي الأوكرانية، ما سيمنح موسكو حق النقض في حال أرادت كييف أن تتقارب مع الدول الأوروبية.

وتؤكد عديد التصريحات التي صدرت عن بوتين حول أوكرانيا، أنه يرى أن تكون أوكرانيا دولة فيدرالية فهذا هو الخيار الأفضل لبلاده، لمنعها من الانضمام للاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وتشير ستانوفيا إلى نقطة هامة في إطار الصراع الأوكراني الروسي، تتلخص في أن الكرملين قد يكون متشددًا حين يتعلق الأمر بكييف إلا أنه "ليس مجنونًا"، نظرًا لأنه في حال قرر التدخل عسكريًا في الجمهورية السوفييتة السابقة بدلًا عن دعم الانفصاليين الأوكران، فإن ذلك سيكون "مكلف ودموي" جدًا، فضلًا عن إتاحته الفرصة لإيجاد صراع دائم.

ويسود بين المسؤولين الروسي اعتقاد راسخ بأنه في حال قدمت موسكو أي تنازلات للغرب فيما يخص الأزمة الأوكرانية، فإن ذلك سيؤدي إلى ممارسة الغرب المزيد من الضغوط، وتقديم أوراق ضغط أخرى، بغض النظر عن أي تنازلات أخرى من الممكن أن تقدمها موسكو،  لذلك فإن الكرملين سيستمر بالحفاظ على موطئ قدم له في منطقة الدونباس للحصول على نفوذ يعطيه مجالًا للتأثير على السياسة الأوكرانية الخارجية.

ما المكاسب التي يبحث عنها قادة قمة النورماندي؟

باستثناء المستشارة الألمانية من البحث عن مكاسب سياسية من وراء انعقاد قمة النورماندي، نظرًا لإعلانها اعتزال الحياة السياسية عند نهاية ولايتها في عام 2021 أولًا، وثانيًا بسبب التهديدات التي يواجهها الائتلاف الحاكم بين حزب الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي ما قد يؤدي لانتخابات مبكرة، أو إعادة تشكيل جديد للحكومة الألمانية؛ فإن باقي الأطراف الثلاثة المشاركة في القمة، تطمح للخروج بمكاسب سياسية ترفع من شعبيتها محليًا.

ومثلت القمة أول اختبار حقيقي للرئيس الأوكراني، زيلينسكي، الذي يشغل أول منصب سياسي في تاريخه قادمًا من الكوميديا التلفزيونية، بعد أن وعد الناخبين الأوكرانيين بإنهاء الحرب في منطقة دونباس. وكان من الممكن أن تتوقف نتائج القمة بالنسبة لزيلينسكي عند هذا الحد، إلا أن تحقيقات الكونغرس الأمريكي التي كشفت عن مناقشته مع نظيره الأمريكي ترامب فتح تحقيق بتعاملات المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية جو بايدن، جعلته يشعر بالحرج لما تسببت به من فضيحة سياسية.

وعلى الرغم من أن زيلينسكي لا يزال يتمتع بشعبية واسعة في أوكرانيا بسبب شهرته التي يحظى بها كممثل كوميدي، فإنه يواجه ضغوطًا داخلية على خلفية ما كشفته تحقيقات الكونغرس الأمريكي والتي دفعت بالمعارضة الأوكرانية الموالية للغرب إلى مطالبته بالاستقالة، في حين يرى آخرون أنه "لا يملك أي فكرة حول فن التفاوض أو القانون الدولي"، لذا فإنه في حال نجح بالتوصل لاتفاق ينهي الحرب الدائرة في الشرق الأوكراني فإن ذلك سيرفع من نقاطه محليًا.

وفي هذا الصدد يُذكر أن كييف حتى ما قبل إيقاف ترامب المساعدات العسكرية التي تبلغ قيمتها قرابة 400 مليون دولار، كانت تعزز موقفها في المفاوضات بسبب الدعم المقدم لها من إدارة الرئيس الأمريكي الستبق باراك أوباما، إلا أن الموقف الأمريكي المتمثل بالنهج الأحادي لإدارة ترامب في السياسة الخارجية، جعل موقفها في الوقت الراهن موضع شك، إذ ثمة اتفاق بين معظم المحلليين على أن هناك فائز واحد بشكل واضح في الأزمة الأوكرانية الروسية، هو موسكو، وذلك بسبب الموقف الأمريكي الراهن.

قادة قمة النورماندي
لدى كل القادة المشاركين في قمة النورماندي طموحاتهم السياسية الخاصة من وراء المفاوضات

وفيما يخص الجانب الروسي، يأمل الكرملين أن تؤدي المفاوضات في نهاية المطاف لرفع العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي وواشنطن بشكل منفصل على موسكو بسبب ضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014. 

ووفقًا لتصريحات وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، فمن المتوقع أن يمدد الاتحاد الأوروبي حزمة العقوبات المفروضة على موسكو ستة أشهر أخرى، لذا فإن موسكو تريد من وراء القمة أن تظهر نوعًا من حسن النوايا للدول الأوروبية من خلال مضيها في المفاوضات.

ولا يمكن تجاهل أن العقوبات المفروضة على موسكو ساهمت بطريقة أو بأخرى بتباطؤ نمو الاقتصاد الروسي، فضلًا عن ارتفاع معدل التضخم إلى ما بين 4.2% و4.3% عام 2018، قابلة للزيادة لـ6% خلال العام الجاري نتيجة رفع ضريبة القيمة المضافة من 18% إلى 20%.

كما ارتفع معدل البطالة في روسيا إلى 5.2%، وطال الفقر قرابة 19 مليون مواطن في عموم أنحاء روسيا، الأمر ما انعكس على نتائج انتخابات مجلس بلديات موسكو مؤخرًا، حين تمكنت المعارضة من الفوز بـ20 مقعدًا من أصل 45 مقعدًا، بعدما كان الموالون للكرملين يشغلون 38 مقعدًا.

 يأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يرفع نجاح المفاوضات التي يرعاها بين روسيا وأوكرانيا من رصيده أوروبيًا

ومن جهة فرنسا، يأمل الرئيس الفرنسي ماكرون أن يرفع نجاح هذه المفاوضات من رصيده على المستوى الأوروبي، خاصة بعد أن أظهر في الشهور الماضية انفتاحًا على موسكو، عكس باقي دول الاتحاد الأوروبي، وذلك في إطار مساعيه لتوسيع دور باريس كوسيط دبلوماسي قوي على الساحة العالمية، والذي يأتي ضمن جهوده التي يقودها لتقارب أوسع مع موسكو لجعلها أكثر قربًا من المعسكر الأوروبي. لكن ذلك يبقى رهنًا لدى موسكو إذا ما أرادت إظهار ليونة في المفاوضات الحالية أو الاستمرار بموقفها المتصلب من المفاوضات.

 

أقرأ/ي أيضًا:

ما وراء البريكست.. أيادي موسكو الخفية في الاتحاد الأوروبي

الناتو يتأرجح.. خلافات عسكرية ومالية وسياسية تخيم على علاقات الحلفاء