انتقام بروكسل.. القهر والقهر المضاد

انتقام بروكسل.. القهر والقهر المضاد

صلاح عبد السلام.. واحد من الناس (CBC)

شكلت هجمات بروكسل التي حصلت صباح الثلاثاء 22 آذار/مارس 2016 في مطار بروكسل الدولي، ومحطة "مالبيك" لقطارات الأنفاق في شارع "de la Loi"، حيث تقع مقرات مؤسسات الاتحاد الأوروبي الرئيسية، صدمًة شعبية في الأوساط الأوروبية، مشككًة بمدى نجاح قادة دول المنتظم الأوروبي في مكافحة الإرهاب، ومدة جدية، قبل فعالية، شعاراتهم التي يضخونها ليل نهار بمؤتمرات وقارات لا تنقطع.

ما حصل في ليلة القبض على صلاح عبد السلام شكل استفزازًا للقوى الجهادية إثر بث عملية الاعتقال على النحو الذي أتت عليه

الهجوم في حالة بروكسل يختلف عن نظيراته السابقة في باريس وقبلها لندن ومدريد، إذ جاءت الافتتاحية ممهورة بهجوم استهدف مطار بروكسل الدولي، بوابة المسافرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تبعه تفجير ثان في الطابق السفلي للمطار، فيما استهدف التفجير الثالث محطة مالبيك، ما أسفر عن وقوع 34 قتيل وما يقارب 187 جريحًا حتى مساء الثلاثاء عينه.

وعقب التفجير سارع قادة دول العالم، ودول الاتحاد الأوروبي خصوصًا، إلى إدانة الهجمات، والتحذير من الخطر الإرهابي الذي بات يهدد الديمقراطية الأوروبية، مؤكدين على أن هجمات بروكسل، تمثل استهدافًا للقارة الأوروبية كاملًة، بل ويذهب البعض لأكثر من ذلك، وفقًا للموقع على سلم اليمينية والتطرف، فهناك من يراها امتدادًا لـ"كابوس" صلاح الدين و"تهديده" لمملكة السماء، ليس بما هو صلاح الدين، بل بقدر ما هو آخر شرقي مؤهل لتحميله بكل القبائح الاستشراقية الجاهزة للإلقاء على كتفه، وبين صلاح وصلاح تدورت كثير من الزوايا وبرزت أخرى، ليس في علاقة شرق-غرب فقط، بل في مجمل المنظور المتناول لسفك الدم جزءًا من تصفيات حسابات التاريخ مع الشعوب.

اقرأ/ي أيضًا: إنترنت لبنان الإسرائيلي.. التجسس في زمان العولمة

فيما نشرت صحيفة الـ "غارديان" البريطانية، تقريرًا يتضمن شهادات لأشخاص كانوا متواجدين لحظة التفجير، أجمع من خلاله المتحدثين عن أن رائحة البارود كانت تملأ المطار، وأن الكثيرين من الجرحى كانوا ينزفون في أرضية المطار، مضيفين أنهم سمعوا شخصًا يتكلم اللغة العربية ويطلق النار قبل حدوث التفجير.

معظم التحليلات الإخبارية التي تحدثت عن أسباب تنفيذ الهجمات والجهة المنفذة، أشارت إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي لم ينكر الخبر، وتبنى العملية لاحقًا عبر "وكالة أعماق"، نظرًا لأوجه الشبه بين طريقة هجمات بروكسل وهجمات باريس في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، من ناحية استهدافها للمناطق التي تشهد ذروًة في حركة المرور، ناهيك عما حصل في ليلة القبض على صلاح عبد السلام من استفزاز للقوى الجهادية إثر بث عملية الاعتقال على النحو الذي أتت عليه. إذ لا يمكن فصل توقيت هجوم بروكسل عن إعلان الحكومة البلجيكية إلقاء القبض على صلاح عبد السلام، أحد عناصر تنظيم الدولة في أوروبا، ومنفذي هجمات باريس الأخيرة، وكانت معظم المحطات الإخبارية غطت عملية اعتقال عبد السلام بشكل مباشر عبر شاشاتها، في تدليل منها على نجاح مساعيها في مكافحة الإرهاب، والقضاء على خلايا التنظيم في أراضيها.

لكن على ما يبدو أن عملية اعتقال عبد السلام، شكلت رد فعل سلبي على بروكسل، التي أفاقت على هجوم إرهابي مكثف يأخذ نقاطًا عديدة، ويأتي في مقدمتها أن الهجوم جاء بعد أربعة أيام من اعتقال عبد السلام، ما يعني أن الرجل يعتبر من الأشخاص الذين لهم مكانة عالية في التنظيم، رغم أن التقارير التي تتحدث عن سيرته الذاتية لم تشر إلى زيارته سوريا، ما يعطي للهجمات وجهًا انتقاميًا، قد يكون من بين الدوائر المقربة بدرجة مباشرة مع عبد السلام، المطلوب الأول في أوروبا لمدة الأربعة أشهر التالية لهجمات باريس، التي شارك أخوه فيها بدوره عنصرًا انغماسيًا.

يستغل اليمين الفاشي الأوروبي الهجمات من نوع بروكسل وقبلها باريس في محاربة السياسات الأوروبية في تعاطيها مع ملف اللجوء برمته

وثانيها حديث محامي الدفاع سفين ماري عن قضية عبد السلام، والذي وجهت له السلطات البلجيكية اتهام "القتل الإرهابي والمشاركة في أنشطة منظمة إرهابية"، عن أن وزن موكله "يساوي ذهبًا"، وما رافقها عن عزمه رفع دعوى قضائية ضد المدعي العام الباريسي فرنسوا مولانس بتهمة "انتهاك سرية التحقيق"، بعد حديث الأخير مع الصحافة عن أن عبد السلام قال في التحقيق "إنه كان ينوي تفجير نفسه في استاد دو فرانس قبل أن يتراجع"!

اقرأ/ي أيضًا: كيف تعتني بجسمك على الطريقة الأوروبية؟

وتكشف النقطة الثالثة، تعاطي السلطات البلجيكية مع التقارير الاستخباراتية التي رافقت اعتقال عبد السلام، ورفعها مستوى التهديد الإرهابي للحالة القصوى، وهو ما أكده وزير الداخلية البلجيكي جان جمبون قبل يوم من وقوع الهجوم، على أن بلاده "في حالة تأهب قصوى لهجوم انتقامي"، ما يكشف عورة الاستخبارات الأوروبية في مواجهة التنظيم الذي بدأ يتمدد في مناطق نفوذها.

فيما تظهر النقطة الرابعة مدى صلابة خلايا التنظيم في أوروبا، من ناحية أنه غالبًا ما ينفذ الهجوم في وقت مخالف للوقت المحدد له، وهو ما يعكسه تصريح وزير الخارجية البلجيكي ديدييه ريندرز عن أن عبد السلام كان يستعد لـ "تنفيذ عمل إرهابي في بروكسل"، مضيفًا أنهم عثروا في الشقة على كمية كبيرة من الأسلحة الثقيلة، وشبكة جديدة للتنظيم في بروكسل، ما يعني أن التنظيم أعاد بناء نفسه أوروبيًا بعد هجمات باريس الأخيرة، وما رافقها من اعتقالات طالت عناصره، هذا إذا كان التنظيم نفسه يعتبر ما حصل لعناصره ضربة أمنية "موجعة" كما اعتبرتها أوروبا الرسمية وإعلامها، مما يدفع للتساؤل عن حجم انتشار وقدرات والحاضنة المتوفرة للتنظيم أوروبيًا، ربما يكون الكثير من الأجوبة في جعبة العديد من الـ"White musilms"، المؤمنين بأن المسيح مسلم أيضًا.

 لا يمكن فصل توقيت هجوم بروكسل عن إعلان الحكومة البلجيكية إلقاء القبض على صلاح عبد السلام

أما النقطة الخامسة، فتأتي أهميتها من ناحية الوثائق المسربة أخيرًا عبر الفضاء الإلكتروني، والتي ضمت قائمة بأسماء اثنين وعشرين ألفًا من عناصر التنظيم، ينتمون إلى واحد وخمسين دولة، ويأتي على رأسها فرنسا بـألف وثلاثمائة عنصر، وروسيا بثمانمائة عنصر، فيما كان نصيب ألمانيا أربعمائة عنصر، وبلجيكا مائتان وخمسين عنصرًا "فقط"، أي أن التنظيم يملك العديد من الأوراق التي يمكن أن تقلب المعادلة الأمنية في أوروبا.

فيما تأتي النقطة السادسة من ناحية استهداف الهجوم لبوابة المسافرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ما لا يدل على أن التنظيم استهدف هذه البوابة عن عبث، بقدر ما يدل عن أنه أراد توجيه رسائل واضحة لعدة دول فاعلة في العمل على الحالة السورية، وعلى رأسها إدارة أوباما في آخر أيامها، أو ربما صندوق بريد الناخب الأمريكي هو المستهدف!

ويأتي في المرتبة الأخيرة موقف اليمين الأوروبي من الهجمات الأخيرة، الذي يظهر أنه بدأ باستغلالها في محاربة السياسات الأوروبية في تعاطيها مع ملف اللجوء برمته، وهو ما يكمن في تصريحات اليمين الفرنسي، الذي وجد في هجوم بروكسل، فرصًة للرد على الحكومة الفرنسية التي أطلقت يوم الاثنين 21 آذار/مارس حملةً لـ "مكافحة العنصرية ومعاداة السامية" والاستهزاء بها.

 على الأغلب هجمات بروكسل الأخيرة، ستشكل رد فعل سلبي في الشارع الأوروبي عمومًا، تجاه طالبي اللجوء، لوقتٍ قد يكون طويلًا، وسيشكل ضغطًا كبيرًا على دول الاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجمات التي باتت أراضيها مسرحًا لها، بعد أن كانت إلى وقت قريب بعيدة عنها.


اقرأ/ي أيضًا: 

تجميل داعش في الصحف المصرية

السوري وحش السوري