انتقام العقلانية

انتقام العقلانية

طفلة سورية في تركيا (Getty)

لا تعني عبارة "انتقام العقلانية" نفي العاطفي أو الذاتي أو التعددي أو حتى اللاعقلاني. بل تعني الردة على احتكار صفة العقلانية وربطها بمفاهيم محددة خفَتَ رواجها كالحداثة والتنوير وإذعان مفاهيم وممارسات حالية كما بعد الحداثة والعولمة لهذا الاحتكار. الأمر الذي أدى بالفضاءات والدوائر المعاصرة إلى النفور من صفات العقلانية ومستلزماتها. فشتى تيارات الفكر وتجليات الحياة اليومية المعاصرة من السياسة الدولية إلى الفن التشكيلي، ومن الحروب إلى مباريات كرة القدم، كلها وكأن بها مسًّا من اللايقين والقلق والتشظّي والشهوة والجشع بدرجات عالية تكاد تخلو من أي منطق أو يصعب تقفي أثرها أو تحديد تلك اللحظة التاريخية التي أدت بها إلى هذا المنحى.

شتى تيارات الفكر، من السياسة الدولية إلى الفن التشكيلي، كأن بها مسًّا من اللايقين والقلق والتشظّي والشهوة والجشع

مع انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين قبل حوالي 25 سنة من الآن، سقطت الواقعية السياسية التي كانت تضبط العالم ثنائي القطب، وتراءى لـ"العالم الحر" وكأن نصره التاريخي هذا فتح العالم أمام سياساته وفلسفته وجمالياته ونوع اقتصاده وأسلوب حياته. فجيوش وأساطيل حلف الناتو والأحلاف الآنية الموازية له بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قامت بالصَوَلان والجَوَلان في الكثير من بقاع العالم بدون أي وازع أو أي تقدير للعواقب.

اقرأ للكاتب: لماذا لن تحدث حرب أهلية في تركيا؟

رافق هذا النشاط العسكري المندفع، الذي تخللته حروب لا أخلاقية، أطر وشروحات وتبريرات فكرية فلسفية أشهرها نظرية "نهاية التاريخ" لصالح الغرب للمؤلف فرانسيس فوكوياما وأقلها شهرة وضجيجًا ما يذهب إليه منتميي "المدرسة الإنجليزية" في العلاقات الدولية القائلين بحتمية نجاح الليبراليتين السياسية والاقتصادية في إدارة العالم وشؤونه وفض نزاعاته. وكأن التاريخ ينتهي بهذه البساطة، أو أن شعوبًا كشعوب آسيا الوسطى أو أندونيسيا أو العالم العربي أو أمريكا اللاتينية، الأخيرة التي قضت على أعتى أنظمة الحكم استبدادًا وشموليةً، عاجزين عن إنتاج فلسفاتهم الخاصة أو طريقة إدارة دولهم أو استنباط الحلول الملائمة لمشاكلهم الداخلية والخارجية.

شهدنا خلال العقدين الماضيين كيف أن الكثير من البنى السياسية والاقتصادية والمدنية برزت لتلعب أدواراً مهمة في تشكيل عالمنا المعاش حاليًا. وكيف أن الكثير من كبرى وصغرى المنظمات غير الحكومية، بميزانياتها مجهولة المصادر عادة، ساهمت في دعم هذا الفريق أو ذاك أو ترويج هذه النزعة أو تلك؛ ابتداء بما فعلته المنظمات الأمريكية، ومنها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المموّلة حكوميًا، بمناطق مجاعات أفريقيا، وانتهاء بقيام بعض المنظمات الأوروبية والأمريكية بتنظيم "ورشات ودورات" غريبة لمواضيع كـ"تمكين المرأة الريفية"، أو "الوعي البيئي وإعادة التدوير" في الشمال السوري حيث براميل وصواريخ النظام السوري وعصابات داعش تسفك دماء الأبرياء أو تدفع بهم للهلاك غرقًا على شواطئ الهجرة المظلمة الظالمة. نسمع ونشاهد ذلك عبر محطات التلفزة أو على المواقع الإلكترونية التي تظهر إلى جانب قصص البؤس والموت والغضب هذه، أخبارًا عن ملفات الفساد في الفيفا ودور الشركات الداعمة لها فيها، أو صورًا لمعرض فني لفضلات الفئران مثلًا وتعليقًا نقديًا مرافقًا يلقيه ناقد تشكيلي ما بعد حداثوي، أو تقييمًا إخراجيًا لفيلم من أفلام فظائع داعش، أو تكريمًا لكاتب لم يبتعد يومًا عن القتلة بجائزة سلام.

علاقة منظومات الحروب المفتوحة ونظريات انتهاء التاريخ أو اكتمال الحضارة والمنظمات غير الحكومية، بكونها تعبيرًا عن أو تجليًا لليبرالية والنيوليبرالية، والشركات الرأسمالية الكبرى، كشركة "كوكا كولا" في حالة الارتباط بـ"الفيفا"، علاقتها مع العقلانية أنه زامن وصادف رواجها، أو خُطِّط له أن يصادف، خفوت نجم الحداثة حيث العقلانية أخصّ خصائصها لصالح نزعات ما بعد الحداثة التي ترى في العقلانية، وإن بدرجات متفاوتة، ترى فيها ما هو جامد وقديم عفى عليه الزمن. هذا على أقل تقدير، إن لم تكن تلك المنظومات بالأساس نتاجًا موضوعيًا لذلك الخفتان وليس مصادفته زمنيًا وحسب.

ما يعايشه الشعب السوري خير مثال عن أشد الفصول هستيرية ولا عقلانية في زمننا المعاصر

صحيح أن الحداثات السياسية أو الفنية أو الاجتماعية لم تأفل معًا في لحظة زمنية واحدة مشتركة، لصالح نظيراتها ما بعد الحداثوية، لكن أفولها جميعًا أدى إلى تقديم اللايقين والاضطراب ودمج النقائض على اليقين والاستقرار والتجانس.

إن "انتقام العقلانية" لا يعني الحنين الرومانسي إلى الماضي، ولا يعني أيضًا الدعوة إلى الحداثة وتطبيقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. فسطوة العقل المجرد في زمن الحداثة قد قتلت الروح ودمّرت المجتمع الذي يأنس به الفرد، وحولته إلى مجموعة من الأرقام لا الأفراد، كما أدت إلى كوارث بشرية ونفسية جمة، بل إن "انتقام العقلانية" يدعو إلى فك الارتباط الأزلي بين العقلانية والحداثة وتحرير جزء على الأقل من الأولى من براثن الثانية. إن "انتقام العقلانية" لا يعني الحط من شأن مفاهيم جلبتها معها ما بعد الحداثة كالتعددية الثقافية أو استحضار الموروث الثقافي السحيق للمجتمعات، بل إن "انتقام العقلانية" يعني الدعوة إلى تشذيب مخالب أدوات فلسفة وممارسات العالم المعاصر الهستيريّة وتطعيمها بجرعات عقلانية وأخلاقية أيضًا. وأن أي تباطؤ في هذا المسعى قد يودي بنا إلى عواقب وخيمة.

اقرأ للكاتب: تركيا.. اللاجئون في المزاد

ما يعايشه الشعب السوري من قتل وسجن واغتصاب وتهجير وتغريب هو خير مثال عن أشد الفصول هستيرية ولا عقلانية في زمننا المعاصر، وإن تكالب قوى الغرب والشرق وذوو القربى والجيران وكل الكون عليه بوسائلهم العسكرية أولًا، والاقتصادية والثقافية ثانيًا، قد يؤدي بتطورات الوضع السوري وعواقبه إلى ما يشبه انتقامًا شديدًا من هذا العالم المضطرب اللامسؤول ما لم يتوقف كل هذا الجنون الآن.

فإضافة إلى الرأي السائد الذي يقول أن الظلم الحالي متعدد المستويات على السوريين سيدفع بأفراد ومجموعات منهم نحو التطرف والمزيد من العنف الذي سيضرب في كل مكان، فإن موجات اللجوء، ليس من سوريا وحدها، باتجاه أوروبا والتي زلزلت أروقة السياسة والاقتصاد والمجتمع في عواصمها ومقر اتحادها في بروكسل، ليست إلا إشارات بسيطة عما ينتظر العالم من أزمات رهيبة قد تعصف به كانهيار منظومة الدول وحلول الفوضى والعناصر اللادولتية وأمراء الحروب محلها في أماكن عديدة أو ثوران كتل مجتمعية قد تبدو ساكنة الآن كالمجتمعات الأفريقية التي، شأنها شأن العديد من المجتمعات الأخرى، تعاني من النيوكولونيالية.

كل هذه المخاطر يمكن إدراكها وتوقعها ضمن إطار الثوران على اللامسؤولية وغياب العقلانية عن عالمنا المعاصر وفلتانه وسذاجة/خبث الطروحات أو الحلول التي تتبناها وتمارسها بُنى وهيئات هذا العالم.