انتقال النظام اللبناني من الطمع إلى الجشع

انتقال النظام اللبناني من الطمع إلى الجشع

من مظاهرات الانتفاضة اللبنانية (صحف لبنانية)

لطالما سمعنا في صغرنا مقولات النهي عن الطمع والجشع لارتباطهما بالدناءة، واعتبارهما من الصفات غير الحميدة. في مخيلتنا كان هناك تطابق بين المفردتين، وكذلك في استعمالاتنا اللغوية، حيث ننطق بالكلمتين الواحدة بدل الأخرى في أحاديثنا. لكننا لم نتعلم التراتبية بين المصطلحين، وأن الجشع أشد دناءة من الطمع. كذلك ربما لم يخبرنا أحد بسيادة هاتين الصفتين على صعيد جمعي، لا فردي وحسب.

كان النظام الحاكم في لبنان نظامٌ طمّاع حتى قرر الانتقال إلى طور الجشع بجلسة الحكومة التي تقرر فيها فرض حزمة جديدة من الضرائب

وتتحول هاتان الصفتان في السياق الجماعي إلى حالات، وتصبح كل صفة معبرة عن حالة عامة تطبع مجالات العمل والعلاقات ككل. وحين نسقط المفردتين في الحقل السياسي للنظام اللبناني، تتبدى لنا طبيعة "النشوء والارتقاء" الذي تمارسه الطبقة الحاكمة في لبنان، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للدولة والنظام في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: مصارف تحكم لبنان.. الجريمة دون عقاب

يُعرّف الطمع على أنه الرغبة الشديدة في الحصول على الشيء بنهم كبير. اشتهاؤه والاستحواذ عليه. ويعني الطمع أيضًا أن تريد لنفسك أكثر من غيرك. أما الجشع فيعني أن ترغب في المزيد لنفسك والقليل لغيرك. 

والفرق الجوهري بين الطمع والجشع هو أن الطماع يطلب صحن طعام ثانيًا قبل إنهاء الأول، بينما الجَشِعُ يطالب بصحون الآخرين لزيادة الكمية لديه.

لماذا الفصل والتحديد بين المصطلحين؟

نحدد المصطلحين للقول إن النظام الحاكم في لبنان نظامٌ طامع طماع، يترك الفتات للشعب، حتى ضاقت به السبل فقرر الانتقال إلى طور آخر وهو الجشع. وكانت النقطة الفاصلة بين الطورين جلسة مجلس الوزراء التي قرر فيها ضباع الحكومة مجتمعين فرض حزمة جديدة من الضرائب على اللبنانيين.

في هذه الجلسة اتُخذ القرار بانتقال النظام من حالة الطمع إلى حالة الجشع. وهو انتقال حتمي فرضته معطيات تفيد بأن النظام اللبناني استنفد حالة الطمع حتى جففها، فكان لا بد من التوجه لمرحلة أعلى ومستوى متقدم من النهب، في الوقت الذي تفرض فيه أدوات المرحلة الجديدة إفقار الفقير وإثراء الأقلية الحاكمة!

لماذا الحتمية؟

لأن طبيعة المجموعة الحاكمة في لبنان تفرض عليها استحالة العودة للوراء واستحالة التنازل أو إجراء أي إصلاحات لصالح الشعب. فهذه المجموعة المتحكمة في مفاصل السلطة في لبنان، كان حتميًا عليها الاستمرار في عملية النهب وسرقة مقدرات الدولة والشعب.

والمسألة ليست شخصية مع نائب من هنا أو وزير من هناك، مع التشديد على المسؤولية التضامنية لممثلي الأقلية وأدواتها في الحكومة؛ بل إنها مسألة تتعلق أساسًا بالتركيبة البنيوية للنظام الذي تم تشييده من قبل الأقلية للسير في اتجاه واحد. وكان لزامًا الوصول إلى حائط مسدود، ومن ثم البحث عن إستراتيجيات جديدة لإنعاش نظام اللصوصية.

نظام اللصوصية

تتمثل صفات اللصوصية الأساسية في قصور تأنيب الضمير أو الرادع الأخلاقي، والرجوع عن الخطأ والخطيئة، وطلب الغفران. وصفة اللص الأساسية أنه يستحيل أن يشعر بمسؤولية تصرفاته تجاه الآخرين، وبالأضرار المترتبة على سلوكياته. اللص لا يعترف بسرقاته، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال التخلي عن مكتسباته وغنائمه التي حصّلها بفعل سرقته للمال العام.

يضاف إلى ذلك، أن اللصوصية الفردية في الشارع تواجه بالقانون والأعراف الاجتماعية والأخلاقية والدينية، بينما اللصوصية ضمن النظام هي حالة "مشروعة"، تعبر عن واقع هذا النظام القائم أساسًا على تكديس المسروقات بين اللصوص. والفرق بين اللصوصية الفردية وبين لصوصية النظام الحاكم، تتجلى في التقنين التي أسبغه أركان النظام على سرقاته بفضل حشد القانون لخدمته، وعبر تشكيل عصابات تحتمي بالقانون.

في جلسة مجلس الوزراء المشؤومة وصلت اللصوصية إلى أعلى مراحلها. كان المطلوب انتقال النظام لمرحلة الجشع بعد أن سدت كل الأفق أمام نظام الطمع. لكن ما حدث أن الشعب انتفض. وردًا على الانتفاضة، تشرّس النظام في جشعه أكثر فأكثر، وزادت قدرته على الجشع أضعاف مضاعفة، لأن الأزمات تخلق ظروفًا مواتية للنهب، إذ لا رقيب ولا حسيب.

كان أركان النظام الجشع يرغبون في فرض الضرائب، ولذلك اتفقوا مجتمعين على تهدئة كل عصابة لشارعها وجمهورها. وكان الهدف تسهيل الانتقال بسلاسة، وتمرير حزمة الضرائب بهدوء. وتضخمت نتائج الجشع، وانكشف النظام على حقيقته، بعد أن جرّدته الانتفاضة من ثيابه وربطات عنقه، فأصبح نظامًا عاريًا. الشعب رأى الحقيقة العارية لنظام الجشع الحاكم، وواجه عملية الانتقال من حالة الطور الأدنى "الطمع" إلى حالة الطور الأعلى "الجشع".

ماذا بعد؟

يكمن المحك الأساسي في أن الانتفاضة وضعت النظام على مفترق طريق بأن سلبته مشروعيته. إلا أن النظام استطاع تحصيل مكاسب في مدة 50 يومًا، أكثر مما كان يمكن له تحصيله في أربع سنوات ربما. ويعود السبب في ذلك إلى القلق والخوف بعد أن هددت انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، أركان النظام، وخلخلته، فسارع أربابه لتكديس أرباح أكثر. فكما هو معروف، تتراكم الأرباح في أوقات الأزمات بفعل الاستغلال، بينما ترتفع نسب الفقر والآفات الاجتماعية والأمراض المجتمعية.

ويتمثل الخطر الآن في السكوت، فكل صمت هو خطر في هذه المرحلة، إذ لم يعد النظام الجشع يستحي، لأنه أصبح مكشوفًا، ولا مشكلة لديه في الانكشاف ما دام يواصل مص دم الشعب اللبناني. يتمثل الخطر أيضًا في ترك هذا النظام يسرح ويمرح ويلعب بنا ويذلنا بالوقوف في طوابير أمام محطات الوقود والمصارف، فيما تعجز الدولة عن مواجهة عصابات المال والمحروقات والخبز والأدوية.

انتشرت مقولة في حديث خاص بين زعيم إقطاعي ومصرفي كبير، يمكن لهذه الجملة تلخيص الوضع، ومفادها: "لمّا الناس تجوع بيرخص سعرها". ونجد المعنى كذلك في حوار بين نادل ومصرفي في فيلم "The Wolf of Wall Street":

  • النادل: ما هو رقمك؟
  • المصرفي: رقم الهاتف؟
  • النادل: لا، رقم الدولارات التي ستشبعك!
  • المصرفي: المزيد، فقط المزيد.

يتمثل الخطر الآن في ترك النظام الحاكم في لبنان يسرح ويمرح ويلعب بنا ويذلنا بالوقوف في طوابير أمام محطات الوقود والمصارف

يُقال: "المال السايب يعلم الناس السرقة". لذا لا يجب أن نترك أموالنا وحقوقنا، بل يجب الدفاع عنها في وجه نظام اللصوصية الحاكم. هذا النظام العاري يجب تجاوزه والانتقال إلى نظام عادل لا مكان فيه للطمع والجشع، وإلا سوف تعلق مشانق اللبنانيين على أيدي هذه الطبقة الحاكمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صناديق الإعاشة للانتقام من الانتفاضة اللبنانية

المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب