انتفاضة صغيرة على الكورنيش: لن تصادروا عرباتنا

انتفاضة صغيرة على الكورنيش: لن تصادروا عرباتنا

عربة بائع متجول على كورنيش بيروت (أرشيفية/ أ.ف.ب)

الحياة بسيطة على الكورنيش البحري لمدينة بيروت. المشي مجاني. الهواء ليس نظيفًا تمامًا، لكنه مجاني أيضًا. ومياه الصرف الصحي تنساب بكل دقة وعناية، من أنابيب ضخمة، وتصب في البحر الأبيض المتوسط، من هنا تحديدًا، من واجهة المدينة. 

عربات الباعة الجائلين هي من الصور الجميلة القليلة المتبقية على كورنيش بيروت الذي تعرض للتشويه أكثر من مرة

عين المريسة شرفة بيروت، ومن بعيد تبدو الشرفة جميلة، والبحر أكثر زرقة، رغم كل شيء. الحديث عن رائحة المجارير، يفترض أن يكون مخجلًا، لكن لماذا نكذب على أنفسنا؛ البحر بعيد، لكن الرائحة قريبة. والأنابيب يمكن تحويلها إلى مكان آخر، ويمكن لمرة واحدة في الحياة، أن تقوم جهة ما في لبنان، بعمل ما، لكي يكون البحر نظيفًا كما يبدو في الصور الفوتوغرافية.

اقرأ/ي أيضًا: إعادة اكتشاف وسط بيروت

لا يملك الناس سوى هذا البحر، ومثلهم أيضًا، لا يملك البائعون سوى هذه الشرفة، وقد صاروا جزءًا من المشهد. يندر أن تقول أمام اللبنانيين "عين المريسة"، أو المنارة، أو البحر، فلا يتذكرون هذه الكلمات جميعها مع بعضها البعض، ويتذكرون معها عربات الباعة المتجولين: "عرانيس"، "كلاوي يا فول"، "عرانيس عرانيس". 

والآن نحن في موسم الكستناء، وثمنه باهظ جدًا بالقياس إلى ما كان عليه قبل سنوات، لكن لا أحد يعترض. هناك اتفاق غير معلن بين الباعة وبين العابرين، على تقاسم هذه المساحة من المدينة، إنقاذًا لما يمكن إنقاذه؛ عمل مشترك من أجل مصلحة عامة، من دون مخططين مدينيين، وجمعيات أهلية، وكلام يصعب صرفه في الواقع.

العابرون ينقذون أنفسهم من ضيق الأماكن الخاصة، بواحد من آخر الأمكنة العامة في بيروت، والباعة ينقذون عائلاتهم من الجوع. وطبعًا، هناك أبعاد أخرى، تتعلق بالعلاقة التعاقدية بين الجميع مع المكان. عربات الباعة مثل صنارات الصيادين، ومثل المتزلجين أو الذين يأتون لممارسة التمارين الرياضية في السادسة صباحًا. وهم مثل عمود الجامعة، كما يسمّيه البَيْروتيون، ومثل المنارة البعيدة، والمقاهي القريبة التي تبيع "الإسبرسو". العربات هي روح المكان، وعناصر المكان تعرف بعضها، من دون الحاجة إلى تسميات.

قبل أيام، فعل رجال الأمن ما يفعلونه عادةً: حاولوا مصادرة البسطات وطرد أصحابها، متذرعين بقرار محافظ المدينة. وبالفعل، كان محافظ بيروت، القاضي زياد شبيب، قد أصدر في 26 نيسان/أبريل الماضي قرارًا يحمل الرقم 1169/ ب، منع بموجبه تأدية مهنة البائع السريح، وإلغاء جميع قرارات ترخيصها، وبالتالي منع تجول الباعة أو عرض البضائع على عربات أو بسطات من أي نوع كانت ضمن نطاق بلدية بيروت. 

وجاء في أحد بنود القرار أن الذين دفعوا الرسوم وحصلوا على التراخيص في وقت سابق، بإمكانهم استرداد قيمة تراخيصهم من بلدية بيروت. والبند الأخير ليس له أي معنى برأي الباعة، الذين يريدون العمل، ولا يكترثون فعلًا لامتعاض المحال الكبرى منهم، ولا لمحاولات "الإحلال" المتنقل التي تمارس بحقهم في المساحة العامة.

وليست هذه المرة الأولى التي يصدر فيها قرار مشابه يتخيّل المدينة حسب "ذائقة رأسمالية"، ففي 14 حزيران/يونيو 2010، أي قبل عشر سنوات، أصدر وزير الداخليّة قرارًا بمنع تجول البسطات على الأرصفة إلا عبر التراخيص. المفارقة أن المحافظ اللاحق، عاد وأخبر الناس أنهم يمكنهم استرداد التراخيص، ما يوحي بأن العملية كانت تحدث على مراحل، وأن هناك همًا جاثمًا على صدور الجهات الرسمية، بمتابعة إزالة البائعين من أماكنهم ومن مدينتهم.

المفارقة، أن هذه النظرة الرأسمالية للمدينة، أدت إلى ما أدت إليه في تونس من غضب، وتحدث كثيرًا في شوارع دول مجاورة، مثل طهران حيث تتدخل السلطة القامعة هناك أيضًا، كما تحدث في مصر وفي دول أخرى يبحث فيها الفقراء عن أرزاقهم بسلام، وتطاردهم الهروات. 

في لبنان، هناك حديث عن اعتراضات على البسطات، ولكن لا أحد يفهم من الذي يشتكي، وإن كان يملك الحق في الشكوى. فيما مضى، كان هناك حديث عن مواسم السياحة، وكما يعلم الجميع، لم يعد لبنان بلدًا سياحيًا، وهو معرض في أي لحظة لإشتعال حرب، مثل الحرب التي شنت على انتفاضة أهله. كما أن السائحين يحبّون العربات، وهذه العربات هي من الصور الجميلة القليلة المتبقية على الكورنيش الذي تعرض للتشويه أكثر من مرة.

اللافت، أن قرار المحافظ السابق، تحدث عن "صورة لبنان الجميلة"، خلال محاولة تسويغ القرار. هذه الصورة، التي يعرفها رجال الأمن، أكثر من غيرهم، لأنهم يعودون عند انتهاء دوام خدمتهم، ويشترون من العربات. هذا إذا لم نتبن أحاديث كثيرة عن "تشبيح" رجال أمن، وفرضهم ما يشبه الإتاوات على الباعة. 

وما يلفت النظر فعلًا هو سلوك رجال الأمن. ما الذي يفعله رجال الأمن فعلًا، عندما يصادرون عربة، أو عندما يقولون إن هذا هو القانون؟! حدث هذا قبل أيام، ولبنان يقترب أكثر من أي وقت مضى من المجاعة، ورجال الأمن يحاولون تطبيق القانون، بمصادرة عربات الباعة على الكورنيش الأخير! 

يمكن تفسير هذا السلوك بأكثر من طريقة، ويمكن أن يحمل أبعادًا أعمق من الظاهر؛ فرجل الأمن لا يملك سوى السُلطة، ولا يمكنه سوى أن يستنفذها. والذي يضع قانونًا من هذا النوع، يضعه لمصلحة فئات مهيمنة، وليس لمصلحة فئات متضررة. ورجل الأمن، عندما يعود في اليوم التالي مع عائلته إلى الكورنيش، لن يكترث كثيرًا لمصالح أكبر من مصلحته، وسيشعر بالود تجاه البائع.

عندما هاجم رجال الأمن عربات الباعة الجائلين، كان تصرف أصحابها ثوريًا تمامًا. رفضوا الإهانة، وقالوا: "لن تصادروا عرباتنا"

لكن هذا كلام نوستالجي. قبل أيام، وعندما هاجم رجال الأمن العربات، كان تصرف أصحابها ثوريًا تمامًا. كان ثوريًا أكثر من الندوات التي أقيمت والشعارات التي رددت، ولم تهز جفنًا لحكام البلد الفعليين. رمى الباعة كل شيء على الأرض، ورفضوا هذه المرة أن تهان كراماتهم. هذه المرة قالوا: "لا.. لن تصادروا عرباتنا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

طرقات لبنان المغلقة ساحات انتفاض جديدة وتمرد على "مدينة" المنظومة

"بوعزيزي لبنان".. ينتصر أخيرًا