انتعاش قصير وتباطؤ مفاجئ.. كيف أربكت حرب إيران سوق الغاز في أوروبا؟
16 مارس 2026
شهدت أوروبا بداية قوية في عام 2026 فيما يتعلق باستخدام الغاز لإنتاج الكهرباء، ما أعاد بعض التفاؤل إلى أسواق الطاقة العالمية، خصوصًا لدى مصدري الغاز الطبيعي المسال الذين اعتقدوا أن القارة بدأت تستعيد شهيتها السابقة لهذا الوقود الحيوي.
غير أن هذا الزخم لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما تباطأ الطلب خلال شهر آذار/مارس، في تطور أثار تساؤلات حول مستقبل تعافي سوق الغاز الأوروبية في ظل تقلبات الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي.
طفرة مبكرة في توليد الكهرباء
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فمع بداية عام 2026، رفعت شركات المرافق في أكبر الأسواق الأوروبية مستويات توليد الكهرباء المعتمدة على الغاز إلى معدلات قياسية، هي الأعلى منذ سنوات. وقد عزز هذا الارتفاع التوقعات بأن أوروبا قد تعود تدريجيًا إلى الاعتماد الأكبر على الغاز، خصوصًا بعد سنوات من الاضطراب في سوق الطاقة منذ أزمة عام 2022.
يتسارع التحول الطاقي في أوروبا مع توسع استخدام الطاقة المتجددة، ومع ذلك، من المرجح أن يظل الغاز عنصرًا رئيسيًا في مزيج الطاقة الأوروبي خلال السنوات المقبلة
كما اعتُبر هذا الأداء المبكر إشارة إيجابية لمصدري الغاز الطبيعي المسال حول العالم، الذين رأوا في زيادة الطلب الأوروبي فرصة لتعزيز صادراتهم إلى أحد أكبر أسواق الطاقة في العالم.
لكن هذا الانتعاش لم يستمر طويلًا. ففي شهر آذار/مارس، شهدت مستويات استهلاك الغاز في قطاع توليد الكهرباء تراجعًا ملحوظًا، حيث انخفض متوسط الإنتاج المعتمد على الغاز في الأسواق الاستهلاكية الرئيسية في أوروبا، بنحو الثلث مقارنة بشهر شباط/فبراير.
هذا التراجع المفاجئ أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان تعافي الطلب الأوروبي على الغاز قد بدأ يفقد زخمه، أو ما إذا كان مجرد تباطؤ مؤقت ناتج عن عوامل موسمية أو جيوسياسية.
تأثير الحرب على إيران
كان للتوترات الجيوسياسية دور واضح في هذا التراجع. فقد أدى اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 شباط/فبراير 2026 إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز الإقليمية.
ارتفاع الأسعار انعكس مباشرة على تكاليف إنتاج الكهرباء المعتمدة على الغاز، كما زاد الأعباء على القطاعات الصناعية التي تستخدم الغاز بكثافة. ونتيجة لذلك، لجأت بعض شركات الطاقة والمصانع إلى تقليص الاستهلاك لتخفيف التكاليف. وتبرز هذه التطورات كيف يمكن للصدمات الجيوسياسية أن تؤثر في الطلب على الطاقة حتى في حال عدم حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات.
العامل الموسمي
إلى جانب العوامل الجيوسياسية، لعبت الأنماط الموسمية دورًا مهمًا في تراجع الطلب. فمن المعتاد أن يبدأ استهلاك الغاز في قطاع الطاقة الأوروبي بالانخفاض في شهر آذار/مارس مع تراجع الحاجة إلى التدفئة مع اقتراب الربيع.
ويمثل هذا التراجع الموسمي عادة انخفاضًا بنحو 26% في الاستهلاك. إلا أن درجات الحرارة الأعلى من المعدلات الطبيعية في أجزاء واسعة من غرب ووسط أوروبا ساهمت في تسريع وتيرة انخفاض الطلب هذا العام.
ضغط التخزين وضعف الصناعة
ورغم التراجع الحالي في الاستهلاك، لا تزال أوروبا بحاجة إلى الحفاظ على تدفقات الغاز لتعبئة مخزونات الطاقة قبل موسم الشتاء المقبل. ولذلك ستظل الواردات عنصرًا مهمًا في معادلة سوق الغاز الأوروبية.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في ضعف الطلب الصناعي. فالإنتاج الصناعي في القارة لم يستعد بعد قوته الكاملة، ما يعني أن المصانع تستهلك كميات أقل بكثير من الغاز مقارنة بمستويات ما قبل عام 2022.
تشير المعطيات الحالية إلى أن تعافي سوق الغاز في أوروبا لم يتوقف بالكامل، لكنه تعرض لانتكاسة مؤقتة نتيجة مزيج من العوامل، أبرزها ارتفاع الأسعار بسبب حرب إيران، واعتدال الطقس الربيعي، إضافة إلى التحولات الهيكلية في استخدام الطاقة داخل القطاع الصناعي.
وبالنسبة لمصدري الغاز الطبيعي المسال، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان هذا التراجع يمثل توقفًا مؤقتًا أم بداية لاتجاه طويل الأمد نحو انخفاض الطلب. فالتحول الطاقي في أوروبا يتسارع مع توسع استخدام الطاقة المتجددة، وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى استقرار الطلب على الغاز بدل نموه. ومع ذلك، من المرجح "وفق رويترز" أن يظل الغاز عنصرًا رئيسيًا في مزيج الطاقة الأوروبي خلال السنوات المقبلة.
ووسط هذا الواقع، ستبقى أسواق الطاقة الأوروبية شديدة الحساسية للصدمات الجيوسياسية، مثل الحرب الإيرانية، التي يمكن أن تعيد رسم خريطة الطلب والأسعار في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي.