انتصار ترامب.. صفعة في وجه العقلانية السياسية

انتصار ترامب.. صفعة في وجه العقلانية السياسية

متظاهرة رافضة تولي ترامب الرئاسة الأمريكية (أ.ف.ب)

يقول ميشيل فوكو في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، لقد "سلب الجنون الحقيقي من جديته الدرامية: فهو لا يشكل عقابًا أو يأسًا إلا على مستوى الخطأ. إن وظيفته الدرامية لا يمكن أن تستمر إلا إذا تعلق الأمر بمأساة مزيفة: شكل خرافي حيث لا وجود سوى لأخطاء مفترضة وجرائم وهمية واختفاءات موعودة باللقاء".

ربما المقتبس السابق، الأقرب توصيفًا لخيار الشعب الأمريكي، عندما صوت لصالح الشخص الأكثر جنونًا في العالم، الملياردير دونالد ترامب، الذي جعل العالم يقفُ مدهوشًا، أمام الرجل الذي دافع عن المهمشين في المجتمع الأمريكي، إنها لحظة تاريخية، لم أستطع أن أفوت على نفسي الإعجاب بها.

التصريحات التي بدأت تتوالى، بعد إعلان نتائج الانتخابات، كانت قلقة جدًا من فوز ترامب، وظهرت بشكل واضح على لسان المسؤولين الألمان، الذين تكلموا نيابةً عن مسؤولين غربيين كثر.

وزير العدل الألماني، هيكو ماس، قال إن العالم سيزداد جنونًا، ووزير الخارجية، فرانك فالتر شتاينماير، وصف الخبر بأنه زلزال وصلت هزته إلى أوروبا، وهنا لن نعيد باقي التصريحات المضطربة للمسؤولين الأوروبيين، والتي تناولتها كافة وسائل الإعلام، وأصبح على إثرها ترامب "مالئ الدنيا وشاغل الناس".

لم يعد خافيًا على أحد أن الرئيس الجديد، من نجوم تلفزيون الواقع، وله عدة مقاطع في عروض المصارعة الحرة

إذا ما استرجعنا آلية سير الحملتين الانتخابيتين للمرشحين الرئيسيين في سباق الرئاسة الأمريكية، فسنلاحظ أن الطريقة التي نقلت فيها وسائل الإعلام أخبارهما، كانت تركز على جوانب معينة، مثلًا تغطية المناظرة بين ترامب وكلينتون، وما رافقها من تحليلات سياسية وسيكولوجية، فكان يتم التركيز على حركات الجسد، وطريقة الحديث، والإصغاء لكلام المنافس من جانب الرئيس الجديد، الذي لم يتعامل أحد مع ترشيحه بشكل جدي في بداية حملته الانتخابية.

اقرأ/ي أيضًا: مشاهير هوليوود بعد فوز ترامب بين الصدمة والإحباط

أما بالنسبة لكلينتون، فكان يتم الحديث عن طريقة توازنها خلال المناظرة، وأسلوب الرد على منافسها. أيضًا عند مراجعة الأخبار المتعلقة بالتسريبات، نجد أن الإعلام أرهق نفسه كثيرًا في الحديث عن تحرشات ترامب الجنسية، ونظرته للنساء، على أشياء مرتبطة بحياته الشخصية، وهو تعامل مع الأمور بطريقة "شعبوية"، استطاع من خلالها أن يصبح أكثر قربًا من المواطن الأمريكي.

ولا شك أنه لم يعد خافيًا على أحد، أن الرئيس الجديد، من نجوم تلفزيون الواقع، وله عدة مقاطع في أحد عروض المصارعة الحرة، عندما اشترى عرض "راسلمينيا 23"، أي أن الرجل قادم من الوجه الآخر لهوليوود، من محترف يظهر أنه لا يعرف الرحمة، ويحكمه الجنون والعنف والقوة، على الأقل هكذا يظهر للمتفرجين، ولذلك علينا أن ندرك تمامًا، معنى أن يملك شخصًا بطريقة تفكير ترامب، حقيبًة سوداء يمكنه من خلالها أن يعطي أمرًا بتنفيذ هجوم نووي.

وإذا ما أردنا تخيّل أسوأ الاحتمالات، على سبيل المثال، علينا أن نفكر ماذا سيحدث لو أن كوريا الجنوبية عقدت صفقة على درجة كبيرة من التميز مع إدارة ترامب، ملخصها الطلب من الرئيس الجديد شن حرب على كوريا الشمالية، هل من الممكن رؤية الصواريخ النووية تتطاير فوق رؤوسنا، لأن ذلك حدث مجنون جدًا، لا يمكن أن ينتهي إلا بزوال العالم.

وأكثر من غيره من المرشحين، كان ترامب خلال حملته الانتخابية، مصرًا بالمضي في شعار "أمريكا أولًا"، وقد قالها بكل وضوح بأن الناتو أضحت كلفته عالية، وأظهر مواقفًا سلبية في طريقة التعاطي مع الشرق الأوسط، من بينها ما يحدث في سوريا، وليس في محاولة المعارضة السورية التقليل من شأن نتائج الانتخابات الأمريكية، وتكرار الديباجة الدائمة بعدم انتظارها أي مبادرة مع المجتمع الدولي، إلا شعور مختلف من الصدمة.

إذا ما استمر التحالف "الترامبوتيني"، فإننا سنشهد إعادة توزع للقوى العالمية، والاتحاد الأوروبي سيحاول أن يصبح أكثر وحدة

لكن وفي المقابل لا يمكننا نكران أن العالم سيصبح أكثر توازنًا، وإذا ما استمر التحالف "الترامبوتيني"، فإننا سنشهد إعادة توزع للقوى العالمية، والاتحاد الأوروبي سيحاول أن يصبح أكثر وحدة، في ظل المتغيرات السياسية التي ستتضارب مع مصالح نفوذه، ما يعطي فرصة لروسيا، لن تفوتها في تقوية نفوذها في المنطقة العربية.

اقرأ/ي أيضًا: اختيار ترامب.. قلق عالمي خجول!

ولا يجب أن ننسى، وجود الرئيس الفلبيني، رودريغو دوتيرتي، الذي اشتهر بتوجيه الشتائم للرئيس باراك أوباما، الذي تنتهي ولايته بعد نحو شهرين، حيث وجه رسالة لترامب هنأه فيها بفوزه في الانتخابات، وعلق قائلًا: "لا أريد أي شجار آخر لأن ترامب قد فاز"، ففي الوقت الذي أظهر قادة غربيين قلقهم من نتائج الانتخابات، كان هناك قادة ملوا من الهيمنة الأمريكية على السياسة العالمية، ويريدون لهذا العالم أن يستعيد القليل من عافيته.

استطاع ترامب أن يستغل الجوانب السلبية، التي ترهق المواطن الأمريكي، بـ"شعبويته" وكلامه البذيء، ومشاريع تحسين الاقتصاد الأمريكي، وتأمين فرص للعاطلين عن العمل، وتصريحات عن المهمشين في المجتمع الأمريكي. وهو لذلك تمكن من الوصول إلى البيت الأبيض، بعدما أثار الذعر حول العالم.

استغل ترامب السلبيات التي ترهق المواطن الأمريكي بـ"شعبويته" وكلامه البذيء، ومشاريع تحسين الاقتصاد الأمريكي، وتأمين فرص للعاطلين

وهنا، لا أميل لوصف ترامب بـ"الشعبوي"، بقدر ما أرى أن الرجل تعامل مع حملته بجدية كبيرة، وسعى لأن يكون صادقًا وواضحًا في أفعاله، وتصريحاته التي جعلت الاتحاد الأوروبي يشعر بخيبة الأمل، أراد أن يكون قريبًا من حياة المجتمع الأمريكي، بتصرفاته الطائشة، ولسانه السليط، ونزواته الجنسية، بعيدًا عن تسريبات البريد الإلكتروني الخاص بالمرشحة كلينتون، التي أرهقت المجتمع الأمريكي، كما يحصل دائمًا عند أي تسريب، وهو ما يحتم علينا الاعتراف بأن تلفزيون الواقع الأمريكي انتقل إلى البيت الأبيض.

قد يقول قائل إن الحديث عن ترامب، فيه الكثير من اللاعقلانية، لكن علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمت الولايات المتحدة للشرق الأوسط خلال الفترة السابقة؟ إنها لم تقدم أي شيء، وسياستها لم تتغير إلا في التصريحات التي تقال في المؤتمرات الصحفية، على الجميع أن يتعايش مع المرحلة القادمة، والتي لن تعيد توزيع موازين القوى العالمية، بل ستنشأ تحالفات جديدة متشابكة، وأكثر تعقيدًا من أي فترة سابقة.

اقرأ/ي أيضًا:

حين أخرجت أمريكا إصبعها الوسطى للعالم

مصارع إلى الحلبة السياسية!