انتخابات أرمينيا وسط تحذيرات روسية من تكرار "التجربة الأوكرانية"
6 يونيو 2026
تتجه أرمينيا إلى انتخابات برلمانية حاسمة في 7 حزيران/يونيو، وسط تصاعد التوتر مع روسيا وتحذيرات مباشرة من الكرملين من تكرار "التجربة الأوكرانية"، في وقت يحاول فيه رئيس الوزراء نيكول باشينيان تثبيت مسار البلاد نحو أوروبا والولايات المتحدة، رغم الاعتماد الاقتصادي العميق على موسكو.
وتحوّلت الانتخابات عمليًا إلى استفتاء على الهوية الجيوسياسية لأرمينيا: هل تبقى ضمن الفلك الروسي التقليدي أم تواصل الابتعاد التدريجي نحو الغرب؟
ضغوط اقتصادية روسية قبل الانتخابات
قبل أسابيع من التصويت، صعّدت موسكو أدوات الضغط الاقتصادي على يريفان، عبر فرض قيود متتالية على واردات أرمينية تشمل الكونياك والزهور والمياه المعدنية والخضار والفواكه والأسماك.
وكانت ضربة الكونياك الأكثر رمزية، بعدما حظرت روسيا استيراد منتجات ثلاثة من أكبر المصانع الأرمينية، بينها مصنع "أبوفيان" الذي يصدّر كامل إنتاجه تقريبًا إلى السوق الروسية، بواقع نحو سبعة ملايين زجاجة سنويًا.
ورغم أن موسكو برّرت القرار بـ"أسباب صحية"، فإن الخطوة فُسّرت على نطاق واسع باعتبارها رسالة سياسية إلى الحكومة الأرمينية قبيل الانتخابات.
وتعتمد أرمينيا بشكل كبير على روسيا اقتصاديًا، إذ تستحوذ موسكو على نحو 36% من تجارة أرمينيا الخارجية، بينما يذهب قرابة 40% من الصادرات الأرمينية إلى السوق الروسية، ما يمنح الكرملين قدرة ضغط كبيرة.
كما ذكّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القيادة الأرمينية بالفارق الكبير في أسعار الغاز، مشيرًا إلى أن أرمينيا تحصل على الغاز الروسي بسعر مدعوم يبلغ نحو 177 دولارًا لكل ألف متر مكعب، مقارنة بأسعار أوروبية تتجاوز 600 دولار.
حذّر بوتين أرمينيا من محاولة الجمع بين عضوية الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده موسكو، معتبرًا أن المسارين "غير قابلين للتوفيق"
تحذيرات من "سيناريو أوكراني"
التصعيد الروسي لم يقتصر على الاقتصاد، بل شمل تحذيرات سياسية وأمنية مباشرة. وقال بوتين إن اندفاع أرمينيا نحو الاتحاد الأوروبي قد يقود إلى "سيناريو أوكراني"، في إشارة إلى الحرب التي اندلعت بعد سنوات من التوتر بين موسكو وكييف بشأن التقارب الأوكراني مع الغرب.
وحذّر بوتين أرمينيا من محاولة الجمع بين عضوية الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده موسكو، معتبرًا أن المسارين "غير قابلين للتوفيق". وقال بوتين إن "السيناريو الأوكراني" بدأ عندما سعت كييف إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، داعيًا يريفان إلى إجراء استفتاء "في أقرب وقت ممكن" لحسم خيارها الاستراتيجي بين أوروبا والتحالفات التي تقودها روسيا.
أما دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، فذهب أبعد من ذلك عندما لمح إلى أن باشينيان قد يواجه مصير الزعيم البلشفي ليون تروتسكي، الذي اغتيل في المنفى بأمر من جوزيف ستالين.
وتعكس هذه التصريحات حجم القلق الروسي من خسارة أرمينيا، التي تُعد تاريخيًا أحد أقرب حلفاء موسكو في جنوب القوقاز.
لماذا تغيّرت علاقة أرمينيا بروسيا؟
شهدت العلاقات بين البلدين تحولًا جذريًا بعد حرب ناغورنو كاراباخ عام 2023، حين استعادت أذربيجان الإقليم بالقوة، ما أدى إلى نزوح أكثر من 100 ألف أرمني من المنطقة.
كما أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعبت دورًا في التوسط لإنهاء النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، ودفع الجانبين نحو توقيع اتفاق سلام، ما منح واشنطن موطئ قدم سياسيًا متزايدًا في منطقة القوقاز، التي تُعد تقليديًا ضمن نطاق النفوذ الروسي.
وبالنسبة لكثير من الأرمن، شكّل الموقف الروسي لحظة مفصلية، إذ امتنعت موسكو عن التدخل عسكريًا رغم وجود قوات حفظ سلام روسية وتحالف دفاعي رسمي مع أرمينيا ضمن "منظمة معاهدة الأمن الجماعي".
وأدى ذلك إلى تراجع الثقة الشعبية والسياسية بروسيا، بينما بدأ باشينيان علنًا بالتشكيك في جدوى التحالفات الأمنية التي تقودها موسكو، قبل أن يعلّق مشاركة أرمينيا في المنظمة العسكرية الروسية العام الماضي.
ومنذ وصوله إلى السلطة بعد احتجاجات شعبية عام 2018، عمل باشينيان على إعادة توجيه السياسة الخارجية الأرمينية تدريجيًا نحو الغرب، عبر تعميق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
تقارب مع واشنطن وأوروبا
خلال الأشهر الأخيرة، كثّف باشينيان انفتاحه على الغرب بشكل غير مسبوق، فأقرّ قانونًا يمهّد لبدء مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، رغم أن العضوية لا تزال بعيدة، كما استضاف قمة "المجموعة السياسية الأوروبية" بحضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وفي الوقت نفسه، توسعت العلاقات مع واشنطن، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه لباشينيان، بينما زار كل من نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو العاصمة يريفان.
كما دعمت بروكسل الحكومة الأرمينية اقتصاديًا، إذ تعهدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بتقديم 50 مليون يورو لأرمينيا، متهمة موسكو بـ"استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي".
الانتخابات بين "السلام” و"الهوية"
يركّز باشينيان حملته الانتخابية على مشروع يسميه "مفترق طرق السلام"، يقوم على تحويل أرمينيا إلى مركز عبور إقليمي يربط القوقاز بتركيا وأذربيجان وأوروبا، وإنهاء عقود الصراع والعزلة.
كما يطرح مفهوم "أرمينيا الحقيقية"، أي دولة مستقرة ومنفتحة على أوروبا، بدلًا من دولة تعتمد بالكامل على روسيا وتبني سياستها على النزاعات التاريخية.
لكن شعبية باشينيان تراجعت بشدة منذ انتخابات 2021، من نحو 54% إلى قرابة 30% حاليًا، بسبب الغضب الشعبي من خسارة ناغورنو كاراباخ والتنازلات المقدمة في مسار السلام مع أذربيجان.
وتُظهر استطلاعات الرأي أن نحو 40% من الناخبين لا يثقون بأي شخصية سياسية.
معارضة موالية لروسيا
يقود المعسكر المعارض شخصيات مرتبطة تقليديًا بموسكو، أبرزها الرئيسان السابقان روبرت كوتشاريان وسيرج سركيسيان، اللذان يعتبران أن إعادة بناء العلاقات العسكرية والاقتصادية مع روسيا هي الضمان الوحيد لأمن أرمينيا.
أما أبرز منافسي باشينيان حاليًا فهو رجل الأعمال الروسي–الأرميني سامفيل كارابيتيان، الذي جمع ثروته في روسيا ويقود حزب "أرمينيا الأقوى"، الداعي لتعزيز العلاقات مع موسكو.
ويخوض كارابيتيان الانتخابات من الإقامة الجبرية، بعد اتهامه بالتخطيط للاستيلاء على السلطة.
وتتهم دوائر سياسية أرمينية روسيا بمحاولة التأثير على الانتخابات عبر دعم قوى موالية لها، باستخدام أدوات مشابهة لما تتهم به موسكو في دول مثل مولدوفا وهنغاريا، من حملات تضليل إعلامي ونفوذ سياسي واقتصادي.
هل تنجح الضغوط الروسية؟
رغم التصعيد الروسي، تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن حزب "العقد المدني" بزعامة باشينيان لا يزال في الصدارة بنسبة تقارب 30–32%، بينما يتراجع منافسوه بفارق كبير.
ويرى محللون أن الحملة الروسية جاءت بنتائج عكسية، إذ عززت خطاب باشينيان القائم على "استقلال القرار الأرميني"، بينما تضررت المعارضة بسبب قربها الواضح من موسكو.
لكن في المقابل، يدرك الكرملين أن الذهاب بعيدًا في الضغط قد يدفع المجتمع الأرميني أكثر نحو الغرب، لذلك تحاول موسكو الحفاظ على توازن بين التهديد والحفاظ على قنوات التواصل مع يريفان.
ولهذا يؤكد باشينيان باستمرار أن تقاربه مع أوروبا لا يعني قطع العلاقات مع روسيا، مشددًا على أن القاعدة العسكرية الروسية ستبقى في أرمينيا، وأنه سيزور بوتين بعد الانتخابات مباشرة.
تقرؤون المزيد في: اتفاق سلام بين أذربيجان وأرمينيا.. موطئ قدم لواشنطن في جنوب القوقاز يثير مخاوف موسكو