"اليوم هو يوم التحرير".. ترامب يضع مشردي واشنطن في مرمى الاستهداف
12 أغسطس 2025
في خطوة وُصفت بأنها "خطيرة ومهينة وغير مسبوقة"، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الإثنين، فرض السيطرة الفيدرالية على شرطة العاصمة واشنطن ونشر قوات من الحرس الوطني في شوارعها، لتتولى مؤقتًا إدارة الشرطة. وعلّل قراره بالقول إن العاصمة "استولى عليها المجرمون وعصابات العنف والمشردون".
وقال ترامب، خلال مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، إن هذه الخطوة تمثل "إجراءً تاريخيًا لإنقاذ عاصمتنا الوطنية من الجريمة وسفك الدماء والفوضى والبؤس"، مضيفًا: "اليوم هو يوم التحرير في واشنطن، وسنستعيد عاصمتنا".
تقديرات مناقضة للواقع
رسم ترامب صورة قاتمة للوضع الأمني في واشنطن، معتبرًا أنها "إحدى أخطر مدن العالم" وأن معدل جرائم القتل فيها يفوق مدينتي بوغوتا ومكسيكو سيتي. لكن الإحصاءات الرسمية تكشف تراجع العنف إلى أدنى مستوياته منذ 30 عامًا، مع انخفاض جرائم العنف بنسبة 26% منذ بداية العام الجاري.
قال ترامب، خلال مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، إن هذه الخطوة تمثل "إجراءً تاريخيًا لإنقاذ عاصمتنا الوطنية من الجريمة وسفك الدماء والفوضى والبؤس
تفعيل قانون الطوارئ
استند ترامب إلى بند في قانون الحكم المحلي لعام 1973 يتيح للرئيس تولي قيادة الشرطة لمدة تصل إلى 30 يومًا في حالات الطوارئ، معلنًا "حالة طوارئ تتعلق بالسلامة العامة" في العاصمة. وينص القانون على إمكانية تمديد السيطرة إذا أُخطرَت اللجان المختصة في الكونغرس، بينما يتطلب أي تمديد يتجاوز 30 يومًا صدور قانون جديد.
وأكد ترامب أن الضباط الخاضعين للإدارة الفيدرالية سيكون لديهم "الحرية التامة لفعل كل ما يرونه مناسبًا"، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات قد تمتد إلى مدن أميركية أخرى، منها شيكاغو ولوس أنجلوس، قائلًا: "لن نفقد مدننا بسبب ذلك، وسيمتد الأمر إلى ما هو أبعد".
التمويل كسلاح ضغط
بالتوازي، خفضت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ تمويل الأمن لمنطقة العاصمة الوطنية — التي تشمل واشنطن وأجزاء من ماريلاند وفرجينيا — بمقدار 20 مليون دولار هذا العام، أي بنسبة 44% مقارنة بالعام الماضي.
تفاصيل الخطة الفيدرالية
وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسِث، أوضح أن 800 جندي من الحرس الوطني سينتشرون في شوارع واشنطن خلال الأسبوع الجاري، فيما لمّح ترامب إلى إمكانية إرسال الجيش إذا استدعت الحاجة. ووفق المادة 740 من قانون الحكم الذاتي للعاصمة، وُضعت الشرطة تحت سلطة المدعية العامة الفيدرالية بام بوندي لمدة 30 يومًا قابلة للتمديد بقرار من الكونغرس.
وقد انتشر في الأيام الأخيرة مئات الضباط من أكثر من 12 وكالة فيدرالية بأنحاء المدينة. وأكد ترامب أن الشرطة ستتعامل بقوة مع من وصفهم بـ"المجرمين"، قائلاً: "يبصقون في وجه الشرطة، نحن نرد ونضرب، ويُضربون بقوة".
إخلاء مشردي واشنطن
على منصته "تروث سوشيال"، دعا ترامب إلى إخلاء شوارع العاصمة من المشردين "فورًا"، واعدًا بتوفير أماكن إقامة بعيدة عن واشنطن، دون تقديم تفاصيل عن آلية التنفيذ. كما تعهّد بإزالة مخيمات المشردين من الحدائق العامة المملوكة للحكومة الفيدرالية، وهو إجراء اتخذته إدارة بايدن سابقًا. لكن منظمات الدفاع عن المشردين شددت على أن السلطات الفيدرالية لا يمكنها إجبار الأشخاص على مغادرة العاصمة لمجرد افتقارهم للمأوى، مشيرة إلى أن معدلات التشرد شهدت انخفاضًا مؤخرًا وفق الإحصاءات الرسمية.
رد فعل السلطات المحلية
عمدة واشنطن الديمقراطية، موريل باوزر، نفت مزاعم ترامب حول انتشار واسع للجريمة، مؤكدة أن العام الماضي شهد أدنى مستويات للعنف منذ أكثر من ثلاثين عامًا. ومع ذلك، أشارت إلى أن إدارتها ستتعاون مع الحكومة الفيدرالية التزامًا بالقانون، لكنها وصفت الخطوة بأنها "مقلقة وغير مسبوقة"، مجددة رفضها لاستخدام الجيش ضد المواطنين. وأضافت: "لن نقلل من حجم التدخل في استقلاليتنا، لكننا سنواصل إدارة حكومتنا بطريقة تجعل السكان فخورين".
انتقادات حادة
الخطوة قوبلت بانتقادات شديدة من قيادات الحزب الديمقراطي ومنظمات الحقوق المدنية. فقد وصفت ممثلة العاصمة في الكونغرس، إليانور هولمز نورتون، القرار بأنه "هجوم تاريخي على استقلالية واشنطن"، بينما اعتبره رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن "لعبة سياسية لا علاقة لها بأمن السكان".
النائب الديمقراطي حكيم جيفريز وصف ترامب بأنه "ملك مزيف يستهدف الشباب والمشردين بلا سند قانوني"، فيما قال القس آل شاربتون إن الهدف الحقيقي لهذه الخطوة هو "تشتيت الانتباه عن الانتقادات الموجهة لإدارته في قضية جيفري إبستين". أما المدعي العام للمدينة، برايان شوالب، فوصف القرار بأنه "غير قانوني"، مؤكداً أن مكتبه "يدرس جميع الخيارات المتاحة".
عمدة واشنطن الديمقراطية، موريل باوزر، نفت مزاعم ترامب حول انتشار واسع للجريمة، مؤكدة أن العام الماضي شهد أدنى مستويات للعنف منذ أكثر من ثلاثين عامًا
خطوة خطيرة وغير مبررة
انتقدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكدة أن معدلات الجريمة في العاصمة واشنطن تشهد تراجعًا منذ سنوات، وأن حكومة المقاطعة لم تطلب أي تدخل عسكري.
وقالت مديرة برنامج الولايات المتحدة في المنظمة، تانيا غرين، إن إشراك الجيش في مهام إنفاذ القانون المدني "خطوة خطيرة وغير مبررة"، مشيرة إلى أن تحركات إدارة ترامب لنشر قوات عسكرية في مدن ذات غالبية من السكان ذوي البشرة الملوّنة — مثل ما حدث في لوس أنجلوس خلال حزيران/يونيو، والآن في واشنطن — تزيد من احتمالات اندلاع العنف، وتستهلك ملايين الدولارات التي كان يمكن توجيهها لتوفير خدمات أساسية، كالغذاء والسكن الميسّر، التي يحتاجها كثيرون بشدة.
الأمن أم الهيمنة السياسية؟
في ظل هذا التصعيد، تدخل العاصمة الأميركية مرحلة غير مسبوقة من المواجهة بين الحكومة الفيدرالية والسلطات المحلية، وسط جدل واسع حول مبررات القرار وأهدافه الحقيقية. وبينما يؤكد ترامب أن خطوته تستهدف "إنقاذ واشنطن" من الجريمة، يرى منتقدوه أنها محاولة سياسية لتعزيز سلطته على حساب الحكم المحلي والحريات المدنية. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل سيؤدي هذا التدخل إلى استقرار أمني، أم أنه سيشعل صراعًا سياسيًا ودستوريًا أعمق في قلب العاصمة؟