اليوروبوندز على الأبواب.. لبنان يدفع، لا يدفع؟

اليوروبوندز على الأبواب.. لبنان يدفع، لا يدفع؟

يرفض اللبنانيون دفع الحكومة لليوروبوندز (Getty)

من بين 5 مليارات و200 مليون دولار، تستحق قيمة مليار و200 مليون من سندات اليوروبوندز على لبنان، في 9 آذار/مارس الحالي. وهذا ليس كل شيء: هناك مليار و300 مليون تتوزع على الشهرين التاليين. وإلى هذه المبالغ التي لا يفهم أحد من اللبنانيين، ولا يمكنه أن يفهم أين ذهبت، هناك ما يتجاوز مجموع قيمة مستحقات الأشهر الثلاث. هناك ملياران و700 مليون دولار، فوائد متوجبة على الجزء الأجنبي من الدين العام. هناك شائعات كثيرة، عن "التمنع"، وعن الدفع، وعن إعادة الهيكلة، وعن تأجيل، إضافة إلى عشرات التحليلات.

من بين 5 مليارات و200 مليون دولار، تستحق قيمة مليار و200 مليون من سندات اليوروبوندز على لبنان، في 9 آذار/مارس الحالي. وهذا ليس كل شيء: هناك مليار و300 مليون تتوزع على الشهرين التاليين

التحليلات، حتى اللحظة، تنطلق من "حزورة": هل سيدفع لبنان، أم أنه سيتخلف عن الدفع؟ حزورة، لكن الإجابة ليست طريفة في جميع الحالات. ذلك أن ما يليها، في الحالتين، وفي ظل المعطيات الحالية، لا يدل إلى وجود أي مؤشرات إيجابية. الناس تريد دولاراتها من المصارف، وفي الوقت عينه، لا يمكن استيراد الدواء والطحين بالعملة المحلية. في اقتصاد غير منتج، العملة المحلية مثل العتابا والميجانا. مجرد إرث وطني. أما حسابات الدفع فمختلفة قليلًا.

اقرأ/ي أيضًا: دفعة جديدة على حساب اللبنانيين: ما الذي سيحدث بعد تسديد اليوروبوندز؟

تختلف الحسابات في الاقتصاد عن الزجل. الاقتصاد اللبناني ليس فرحًا أو مفرحًا بل في حالة كآبة معلنة. وهذا، ربما، يذكّر بمقولة بعيدة، من مكان بعيد، الاقتصادي الأمريكي ثورستاين فيبلن، بعد نهاية الكساد الكبير في أمريكا عن الكآبة. الكآبة مرض يصيب رجال الأعمال بالدرجة الأولى وهذه هي صعوبته. أما التراجع في أحوال الصناعة، وتأثر العمال بهذه المصاعب، هي أعراض ثانوية. وعرض مقولة فيبلن لا يلزم القبول بشروطها، لكنه لا يلغي أنها ما زالت صالحة لكي تكون تفسيرًا معقولًا للاقتصاد الكئيب، بصيغته السوقية تحديدًا، التي لا ترى أي علاج فعال إلا بإعادة الأرباح إلى ما كانت عليه، وإذا كنا إيجابيين يمكن القول إلى درجة قريبة منها.

هنا تكمن المشكلة. "الأرباح" التي حصل عليها "رجال الأعمال" من سياسيين ومضاربين وعموم المنتسبين إلى أوليغارشية لبنانية تعود جذور تأسيسها إلى نشأة الكيان نفسه، هي أرباح لا يمكن أن تتكرر. لم يعد ممكنًا أن تتكرر. وقبل الحديث عن سيناريوات الدفع (الاستحقاقات)، أو عدم الدفع، والربح وعدم الربح، يجب الانتباه إلى عدة نقاط، أبرزها، تبخر الودائع.

تقول الأرقام إن المصارف اللبنانية سلّفت المصرف المركزي أكثر من 70 مليار دولار أمريكي. هناك من يتحدث عن 90 مليار أيضًا، لكن لا أحد يمكنه القول إن الرقم أقل من 70 مليار. وطبعًا، ودائع الناس الذين يطالبون بأموالهم اليوم ولا يحصلون عليها، هي ضمن هذه الفئة. وهذه ليست المشكلة، المشكلة أن الأموال، تبخرت. وحسب أرقام مصرف لبنان، يوجد لدي احتياطي عملات أجنبية لا يتجاوز 30 مليار دولار. قد يكون هناك هدر (وهذه من مصطلحات البنك الدولي المفضلة) وقد يكون هناك فساد (وهذا مصطلح آخر يحبّ البنك الدولي أن يستعمله)، ولكن 50 مليار دولار كفارق بين الرقمين، ليس مجرد "هامش" للخطأ، خاصةً وأنه ليس مبلغًا نهائيًا، وهناك ما هو أكثر بذلك بكثير.

هذا الفارق يطرح سؤالًا عملاقًا، لا أحد حتى الآن يرغب بالإجابة عنه. وكل ما يسمعه اللبنانيون في المؤتمرات الصحافية وخلف الشاشات من متحالفين دائمين وموظفين إقليميين، هو كلام لديه وظيفة وحيدة: تمييع الإجابة عن هذا السؤال، من بين أسئلة كثيرة، عن طبيعة الاقتصاد اللبناني نفسه، والعلاقة بين مصرف لبنان والمصارف. وتاليًا، العلاقة بين المديونين والدائنين. هذه العلاقة، محكومة بالنهاية في 4 خيارات، سيذهب اللبنانيون إلى أحدها بعد 4 آذار/مارس. لن تبقى "الحزورة" إلى الأبد.

الخيار الأول أن تلتزم الحكومة اللبنانية الحالية بالاستحقاقات، كما التزمت بعدم الاقتراب من حاكم مصرف لبنان. وهذا الخيار، ليس خيارًا سياسيًا، بل هو خيار اقتصادي أيضًا، وبهذا المعنى، سيعني العودة إلى احتياطي المصرف المركزي بالعملات الأجنبية. وهذا يعني، أن الخمسين دولار التي يحصل عليها المودع شهريًا من المصرف، كحصة من وديعته مهما بلغت، قد تلغى أيضًا، وقد يحال اللبنانيون إلى أشكال أخرى من التسول أمام المصارف. ولكن هذا سيكون أسهل الشرور، لأن استنفاذ هذا الاحتياطي، سيعني عدم القدرة على استيراد الدواء والطحين والمحروقات. القيمة المتوجبة لشهر واحد من هذه الاستحقاقات، التي لم يسأل أحد اللبنانيون عنها، ويدفعون قيمتها بأنفسهم اليوم، تعادل ضعفي كمية استيراد الدواء في نصف عام. هناك من يقول إن حكومة دياب ترفضّ إعادة الجدولة، وهناك من يقول إن الحكومة ستدفع. لكن، إعادة الجدولة نفسها، ليست حلًا سحريًا، ويجب أن تكو جزءًا من خطة شاملة. وطبعًا يجب أن تحدث بعد الإجابة على سؤال، أين اختفت المليارات؟

الخيار الثاني يعني السير بفكرة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، صاحب "الهندسات المالية" الشهيرة. وفكرة هذا الطرح، تتلخص باستبدال سندات آذار/مارس الحالية، بأخرى تستحق بعد 10 إلى 15 عامًا، ولكن بفوائد مضاعفة. تقريبًا، الأفكار ذاتها، والاهتمام بالمصالح ذاتها: مصالح الدائنين. والمفارقة، أنها توحي بأن سلامة يشعر بأنه سيبقى 15 عامًا أخرى، وهو مطمئن إلى ذلك. وهذا الطرح، لا يلقى رواجًا حتى الآن. ليس بسبب حرص الحكومة "النبيل" على مصالح الفئات المتضررة، بل لأن المصارف نفسها حاملة السندات عبرت عن رفضها لهذا الطرح بأكثر من طريقة. التهديد الأكبر لهذا الطرح جاء من وكالات التصنيف الائتماني التي صنفت هذا الفعل "تعثرًا انتقائيًا". وفي هذا العالم "الائتماني"، لا يوجد من يكترث للدواء والطحين. لهذه الأسباب هناك حكومات، على الأقل هذا ما يعتقده الناس.

الخيار الثالث هو إعادة الهيكلة. لكن يجب التوقف عن ترديد كلمات من نوع إعادة الهيكلة وإعادة الجدولة، ما لم يكن هذا مشروطًا بالبحث في أساس الدين العام، وشروط تخفيض الفوائد، والتوقف عن الدفع إلى ما لا نهاية. لكن لا يبدو أن إعادة الهيكلة ستذهب في هذا الاتجاه، لأن الحكومة الحالية عيّنت مكتبًا استشاريًا قانونيًا دوليًا، ما يعني أن إعادة الهيكلة، في حال حدوثها، لن تراعي مصالح الأسر الفقيرة والفئات المتضررة. يجب الانتباه، إلى أن إعادة هيكلة، لا تأخذ بالاعتبار مصالح هؤلاء، الذين يدفعون قيمة أكثر من 700 ألف قرض شخصي للمصارف، يتجاوز إجمالي قيمتها 20 مليار دولار أمريكي، يمولون مصالح طبقات عليا، بفوائد سنوية تقارب ملياري دولار أمريكي. وهذا مدخل أساسي لفهم إعادة الهيكلة، حيث أن "الدفع" لا يجب أن يقتطع من حاجات الأسر ويحدّ من قدرتها على الاستهلاك، ليس لأن هذا يؤثر على مستوى معيشتها، بل لأنه سيدفع الاقتصاد إلى مزيد من الانكماش.

اقرأ/ي أيضًا: المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب

الخيار الرابع، فرض ضريبة استثنائية كما في الحالة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا الحل لا يبدو ممكنًا إلا بإنتاج فريق سياسي من خارج الموجود حاليًا، والمرتبط بانتماء إلى الطبقة المهيمنة على رأس المال عبر مسربين أساسيين. المسرب الأول عبر مجموعة مصالح مالية مباشرة، والمسرب الثاني عبر حسابات إقليمية لا تقيم وزنًا للعوامل الاقتصادية. هذا الفريق، لا يمكنه أن يسير في حلّ حاسم، أو في أي شيء، سوى في قيادة حافلة البلاد إلى الهاوية بسرعة قياسية. هذه الضريبة، تتمثل أوضح تمثيل بالطرح الذي يقترحه الاقتصادي اللبناني محمد زبيب، الذي يقضي بفرض ضريبة استثنائية تصاعدية على الرساميل والثروات، لتمويل خطة إنقاذية تكون مدخلًا لتغيير طبيعة اللبناني بأسره. 

قبل قرار "الالتزام" باستحقاقات اليوروبوندز، ربما يجب "الالتزام" أمام الذين تكبدوا عناء دفع الفوائد والديون حتى باتوا يواجهون أخطارًا من نوع المجاعة وفقدان الدواء

قبل قرار "الالتزام" باستحقاقات اليوروبوندز، ربما يجب "الالتزام" أمام الذين تكبدوا عناء دفع الفوائد والديون حتى باتوا يواجهون أخطارًا من نوع المجاعة وفقدان الدواء، من بين أشياء أخرى كثيرة، كرامتهم ليست سوى واحدة منها.