اليمين المتطرِّف ضدَّ التطعيم.. أجندة جديدة مع استفحال أزمة اللقاح؟

اليمين المتطرِّف ضدَّ التطعيم.. أجندة جديدة مع استفحال أزمة اللقاح؟

تقود أحزاب اليمين الأوروبية حملات منظمة ضد التطعيم (Getty)

من الأخطار التي دقَّ المراقبون نقوس خطرها، والضغط الأوروبي يستفحل لتأمين جرعاته من اللقاح، بالغًا حدَّ التشكيك في سلامات أسترازينيكا البريطاني، وتعليق استخدامه لوقت مؤقت، هو منحُ الفرصة الأمثل للجماعات المعادية للتطعيم، من جناح اليمين المتطرِّف، كي تصعِّدَ حملاتها ضد العملية. عبر إشاعة كمٍ من الأخبار الزائفة ، كما هي عادتها، ونظريَّات مؤامرة تعرقل السبيل الوحيد أمام العالم لمغادرة نفق الجائحة. هذا ما كان، ترصدُ نيويورك تايمز في مقالٍ لها، حيث بدأت جماعات من ذلك التيار السياسي  بأمريكا في الترويج لأرقام موتى، نسبت حسبها لأشخاص تلقوا اللقاح المضاد لفيروس كورونا، رابطين بين الحدث الأول والثاني بعلاقة سببية.

من الأخطار التي دقَّ المراقبون نقوس خطرها، والضغط الأوروبي يستفحل لتأمين جرعاته من اللقاح، هو منحُ الفرصة الأمثل للجماعات اليمينية المعادية للتطعيم

"العديد من الجماعات المتطرفة تحاو ل استخدام تلك الأرقام  لإطلاق حملة تضليل واسعة (ضد اللقاح)" يؤكد مقال الصحيفة الأمريكية، المعنون بـ "تحوُّل اليمين المتطرف من أوقفوا السرقة إلى أوقفوا اللقاح".  معتمدة في حملتها تلك على الترويج لمقالات ومقاطع فيديو، تعتبر فيها عمليَّة التطعيم "سلاح دمار شامل"، والأطباء والممرضين الساهرين عليها "مجرمو حرب" تتوعَّدهم بالمحاسبة. على رأس هذه المجموعات، يعدد المقال، جماعة "الأولاد الفخورين" وحركة "بوغالو الداعية إلى  حرب أهلية ثانية بالولايات المتَّحدة"، كما يستخدمون في ذلك نفس المنصَّات، غرف المحادثة والصفحات التي كانوا يستخدمونها من قبل لإشاعة نظريَّة الـ QAnon والتنبُّؤ بأن ترامب لن يغادر الحكم، حيث تروج هذه الجماعات المتطرفة للقاح على أنه "قرار متسلِّط للحكومة".

اقرأ/ي أيضًا: الاتحاد الأوروبي يبحث فرض عقوبات على المسؤولين عن عرقلة تشكيل الحكومة في لبنان

في "انقلاب ملحوظ لخطابها، تركت ترامب واهتمت بالضجة العارمة حول اللقاح"، وهذه محاولة "استدراك فشل نبوءتهم السابقة" يورد المقال.  فالأمر إذًا يتعلَّق بتحول في أجندة هذه الجماعات؛ من مطلب إيقاف سرقة الفوز في الانتخابات الرئاسية من بين يدي ترامب، حسب زعمهم، إلى مطلب إيقاف عملية التلقيح، بما أن  الأجندة الأولى ضاعت بحكم الأمر الواقع، عند تولي بايدن رئاسة الولايات المتحدة والقبول المرير لترامب بالهزيمة. فيما يؤكدُ على التحليل بلغة الأرقام، استطلاع نشر على مجل فوربس، يضع ذكور الحزب الجمهوري ومناصري ترامب على رأس ترتيب الفئات الاجتماعية المناهضة للقاح، بنسبة تعادل 49% في الفئة الأولى، و47% في الفئة الثانية، أي ما يفوق 35 مليون أمريكي و17% من مجموع الساكنة البالغة بالبلاد.

بينما التقارب على الأرض، بين اليمين المتطرِّف الأمريكي من جهة، ومن جهة أخرى الجماعات المناهضة للتلقيح، بدأ في التشَكُّل مع بداية تفشي فيروس كورونا، منذ نيسان/أبريل 2020، حيث قادت الحركتان مظاهرات مسلَّحة في مختلف عواصم الولايات الأمريكية، محتجَّة على الإجراءات الاحترازية المفروضة لمكافحة فيروس كورونا. كما بدأت مذاك دعوتها إلى "انتهاز فرصة الجائحة لشنِّ هجمات تستهدف الأقليات والمهاجرين".

اتخاذ جائحة كورونا مطيَّة لتصعيد تحركاتها، هذا ما رصدنا قبلًا عندَ حركات اليمين المتطرِّف الأوروبيَّة. فهي الأخرى، ورجوعًا إلى مظاهرات هولاندا قبلَ شهرين، نجد أن عددًا من المتظاهرين كانوا "متطرفين من اليمين الشعبوي، إضافة إلى مشاغبين ومنكرين حقيقة 19-COVID، و"دعاة نظرية المؤامرة المرتبطين باليمين المتطرف وجماعة QAnon". كما نسبَ موقع World Politics Review العنف الذي حصل وقتها إلى "سياسيين يحركونه من أجل تنفيذ أجنداتهم مستغلين الأزمة الحاصلة"، مشيرًا بالإصبع إلى اليمين الهولندي واليمين المتطرف، فـ "هما معًا يحاولان حصد المكسب السياسي على حساب الحالة الوبائية بالبلاد".

كما في ألمانيَا كذلك، وعلى طول صيف 2020، كانت حركة بيغيدَا المتطرفة إحدى منظِّمات الاحتجاجات ضد الإجراءات الصحية، والتي سرعان ما كانت تستغلها في رفع شعارات ضد المهاجرين والتحريض على معاداة المسلمين، متزعِّمة أعمال عنف تكللَّت في آب/أغسطس الماضي باقتحام مبنى البرلمان الألماني، فيما اعتبرَ وقتها لسعة أذن من استفحال سطوة هذه الحركة تذَكِّرُ بـ "إحدى أكثر لحظات تاريخ البلاد حلكة".  فيما يعتبر عالم الاجتماع الألماني، ماتياس كوينت، أن الاستراتيجية الجديدة التي تتبعها بيغيدا، ومثيلاتها من المجموعات والأحزاب اليمينية المتطرفة على طول التراب الأوروبي، هي " تعبئة صفوفهم وتحسين موقعهم بالنسبة للشعب، كما إضعاف نظرائهم الليبراليين في الحكم الذين، وحسب اعتبارهم، فشلوا في مهمة حماية هذا الشعب". 

هذا ما تبدى والاتحاد الأوروبي يقود حربه الديبلوماسية من أجل تأمين جرعاته من اللقاح، ضغطًا بكل الوسائل، بداية من التشكيك في سلامة عقار أسترازينيكا وتعليق استخدامه، وصولًا إلى منع تصدير أي شحنة من العقار التراب الأوروبي حتى استكمال الاتحاد برنامج تطعيمه. فيما على المستوى العملي، نجدُ حملة من آلاف الرسائل الإلكترونية استهدفت الأسبوع الماضي بريد نواب البرلمان الأوروبي، "بعضها ينتقد آلية فرض شهادة التطعيم، وأخرى تشكك في سلامة اللقاح وتروج لنظريات مؤامرة حوله" يقول بيلي كليشر، النائب الإيرلندي وأحد المستهدفين بالحملة، وتضيف نائبة أخرى أنه "من غير المعتاد أن يتلقى بريدك ألفين أو ثلاثة آلاف رسالة في ليلة واحدة".

حتى وإن تم تدارك تلك التشكيكات (التي أشاعها الضغط الأوروبي إزاء سلامة اللقاح) بخطاب مطمئن، فالكرة الآن في ملعب المشككين في اللقاح

فبالتالي، حتى وإن تم تدارك تلك التشكيكات (التي أشاعها الضغط الأوروبي إزاء سلامة اللقاح) بخطاب مطمئن، فالكرة الآن في ملعب المشككين في اللقاح، وهم الأكثر تنظيمًا، كما تقول تريسي كامبمان، رئيسة معهد لندن لطبِّ المناطق الاستوائيَّة. هذا وتبرز استطلاعات الرأي أن 58% من الفرنسيين يرفضون تلقي اللقاح ضد كورونا، 22%؜ من الألمان، 18% من البلجيكيين و13 % من الإطاليين. أما بالنسبة لمجموع التراب الأوروبي فنسبة 19% من الساكنة الأوروبية تتبنى نفس الموقف، حسب دراسة نشرها الاتحاد الأوروبي.